الصين تبتلع آسيا والطموحات الاستراتيجية الأميركية
لهيب عبد الخالق/كاتبة وشاعرة من العراق تقيم في الإمارات
مع تصاعد التوقعات الدولية بتعاظم النمو الصيني الذي بات يقفز فوق التوقعات، تتسارع الخطى الصينية لتوسيع النفوذ وبسط السيطرة على الأجزاء المختلفة من آسيا، فتطلعات الصين في دول آسيا الوسطى أكثر تعقيدا خاصة وهي تطمح للفوز بجزء من ثروات آسيا الوسطى الطبيعية، والصينيون لا يخفون رغبتهم في تأمين مصادر الطاقة حتى لا تظل معتمدة في المستقبل على نفط "الشرق الأوسط"، بل أن الصينيين يعتقدون جازمين انهم مؤهلون لملء الفراغ الذي تركه الروس منذ عام 1991، ليس بسبب سقوط الاتحاد السوفييتي سياسيا فحسب - ولكن لافتقاد روسيا لإمكانات أن تكون ضمن الدول الأقوى اقتصاديا خلال العقود الثلاثة المقبلة.
وفي جنوب شرق آسيا الذي يشهد محاولات الولايات المتحدة إبقاء نفوذها فيه، يمد الصين الجنوبي نفوذه نحو تلك الشواطيء، فتجد الفلبين وتايلاند صعوبة في التكيف مع الوضع الجديد، خاصة مع وجود خلافات على جزر في بحر الصين الجنوبي بين بكين ومانيلا وهانوي، وهناك دول أخرى مثل ميانمار تقف إلى الجانب الصيني، مدركة أن الصين قادرة على ابتلاع الدول الآسيوية الصغيرة مثل لاوس وكمبوديا.
ذلك الهاجس من النمو الصيني الذي يطلقها كقوة عظمى خلال العقد الحالي دفع دولا مثل دول الآسيان وإندونيسيا لمحاولة خلق توازن بين القوة الأميركية التي تمد نفوذها في القارة الآسيوية وبين الطموح الصيني الكبير، ونجد هذه الدول باتت تشجع القوى المنافسة للصين من آسيا كاليابان للتأثير على ميزان القوى في المنطقة الآسيوية، وهي إلى ذلك لا تريد الخضوع الكامل لأميركا ولذا فهي تمد أواصرها لأبعد من اليابان حيث أوروبا الطامح الأكبر بتقليص النفوذين الأميركي والصيني هناك.
الأحداث التي أصابت العالم دفعت للنظر في إمكانية ان تشكل الصين المتغير الأكثر حرجا والأصعب فهما للولايات المتحدة والذي يمكن أن يؤثر في البيئة الأمنية الآسيوية مستقبلا، وهو بالتالي يطرح فكرة إعادة ترتيب البيئة الأمنية الإقليمية في اتجاهات غير مؤاتية، وهنا طرحت الدراسات احتمالات نشوء نظام محوره الصين تذعن فيه معظم العواصم الآسيوية عموما لمصالح بكين واحتياجاتها.
ذلك الطرح ابرز نزعة قوية لدول مثل اليابان والهند اللتين تشكلان قوى تنموية في القارة الآسيوية، إلى العمل من اجل لعب أدوار منافسة للصين القوة الآسيوية المتعاظمة وبذلك تدخل آسيا منطقة التنافس بين قوى ثلاث :الصين واليابان وهما قوتان تحولتا إلى ندين متنافسين، والهند القوة التي تستعد للدخول للنادي النووي وهي تملك اقتصادا ينمو بنسبة 8% سنويا تاليا للصين في نسبة النمو المتسارعة.
ويرى (مايكل دي. سوين) أن "نزعة الصين لإثبات وجودها يمكن أن تخلق بيئة إقليمية قابلة للانفجار ويصعب التنبؤ بأحداثها، وهي تتسم بتصاعد المواجهات مع قوى إقليمية أخرى، قائمة أو ناشئة مثل اليابان والدول الأعضاء في رابطة جنوب شرق آسيا وربما الهند". (التقييم الاستراتيجي - مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية -1997 -الفصل الثامن ص 208).
ولعل القوة التي تخشى تعاظم الصين اكثر من غيرها الآسيويات، هي اليابان التي يعتقد الخبراء أنها يمكن أن تشكل قوة منافسة، وينظر الصينيون إلى طوكيو باعتبارها أول خصم جيوبوليتيكي محتمل لبكين، والذي قد يكون منافسا اقتصاديا إقليميا في المدى البعيد، رغم ان اليابانيين يرفضون هذه التوقعات التي يخشاها المخططون الدفاعيون الصينيون، فهم يرون أن القوة الاقتصادية الهائلة لليابان في آسيا يمكن أن تترجم إلى نفوذ سياسي وربما عسكري وهو ما يشكل تحديا كبيرا وخطيرا لموقع الصين الاستراتيجي.
على أن ذلك لا ينفي أن لليابان أهمية لدى الصينيين فهم ينظرون إليها على أنها مصدر مهم للمساعدات الاقتصادية والمالية والتقنية، وان إقامة علاقات طيبة مع اليابان تزيد من النفوذ السياسي المحتمل للصين في تعاملها مع واشنطن.
تنافس وبيئة متغيرة
يعتمد القادة والاستراتيجيون الصينيون على التطورات الدولية التي أفرزت بيئة استراتيجية متعددة الأقطاب وأكثر تعقيدا، كما ترتب عليها بروز تركيز إقليمي أكبر بكثير على الوسائل الاقتصادية والتقنية لتعزيز مصالح الدول وضمان أمنها، وقد مثلت هذه التغييرات للصين مزيجا من الفرص والتحديات، فعززت فرصتها في تفادي النزاعات الكبيرة والتأثير في الأحداث الخارجية في آسيا.
ملامح هذه البيئة المتغيرة رسمتها طبيعة النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، فوجدت الصين أن الولايات المتحدة باتت تشكل تهديدا قويا لها وهي تتمدد على الجسد الآسيوي وتضغط على الصين بأوراق مازالت تلعب بها منذ عهد (نيكسون) "كحقوق الإنسان" ومبيعات الأسلحة والعلاقات التجارية الثنائية بينما تجد الصين نفسها القوة المهيمنة في آسيا حتى مع تنامي القوتين اليابانية والهندية، إضافة لبروز اليابان كقوة اقتصادية واكثر استقلالية واقل ارتباطا بالولايات المتحدة مما يطرح احتمالات بروز قوة يابانية نووية مستقلة وقدرة اكبر على صناعة الأسلحة التقليدية الهجومية، كما أن نهضة الهند ذات القدرة العسكرية والاقتصادية المتنامية واقترابها من النادي النووي ومزاياها ومصالحها البحرية المتزايدة واتجاه اهتمامها بجنوب شرق آسيا، أضاف محورا للتنافس الجيوبوليتيكي بين الصين والهند، والصين واليابان مع الأخذ بنظر الاعتبار عقودا من النزاعات الحدودية المتقطعة أو المستمرة.
ولا ينبغي إغفال الدول الآسيوية الناهضة من الدرجة الثانية أو الثالثة مثل: كوريا الجنوبية ومعظم دول جنوب شرق آسيا وتايوان، والأخيرة تحقق نموا سريعا ولديها ارتباطات ومصالح استراتيجية واستثمارية وتجارية مهمة.
اليابان والهند إذن هما القوى التي تستهدفها الإستراتيجية الصينية في مجمل سياستها الخارجية، لأنهما القوتان المنافستان بينما يسهل على الصين التأثير في الدول الآسيوية الصغيرة والتي يمكن أن تبتلعها بكين بقوة اقتصادها وعسكرتاريتها المتنامية ودبلوماسيتها المعهودة.
وبدءا بالعلاقة الصينية اليابانية نجد أن كلاً من الصين واليابان لم تشهدا صعودا متزامنا، حيث كانت الصين هي الأقوى إلى أن بزغ نجم اليابان، وتحولت الدولتان إلى قوتين متنافستين في ذات الوقت وهو ما عده المراقبون تحديا غير مسبوق، فبكين تخوض في علاقة متشابكة مع طوكيو التي هي بالضرورة متشابكة المصالح مع الولايات المتحدة، مما يجعل المخططين الاستراتيجيين الصينيين ينظرون إلى استخدام هذه العلاقات لتحقيق مصلحة الصين، وهو ما دفع الصين للاستفادة من تحسن العلاقات السياسية والاقتصادية مع اليابان متطلعة إلى الاستثمارات الأميركية.
طموح الصين هذا يخفي وراءه طموحات استراتيجية اكبر تتعلق بالدور العسكري في المنطقة، فالصينيون يأملون أن تتخلى طوكيو نهائيا عن مفاهيمها العسكرية التي تبنتها في أواخر القرن التاسع عشر والسنوات الخمس والأربعين من القرن العشرين وتعد لذلك أوراق السوق الصينية التي تجهد اليابان للحصول على نصيب فيها، مثلما تعمل على الاستفادة من المخاوف اليابانية بشأن التغلغل الأميركي في الأسواق الصينية.
ويذكر (توماس ويلبورن) أنه رغم كل ذلك التوجس الصيني فان بكين تركن إلى استقرار يسود العلاقة مع طوكيو التي تبدو أكثر نفعا من القوة العظمى، هذه العلاقة التي أصيبت إثر أحداث تيان مين عام 1989، أدى إلى انقطاع تطور إلى عقوبات يابانية ضد الصين خفضت على إثرها طوكيو معوناتها الرسمية من 2. 81 مليون دولار إلى 2. 5 ملايين دولار عام 1995 اعتراضا على التجارب النووية التي أجرتها الصين في ذلك العام.
لكن طوكيو حسبت حسابات المستقبل بجدية وعقلانية أكثر من الأميركيين الذين فرضوا عقوبات اقتصادية على بكين لنفس السبب، فسارعت طوكيو لإلغاء عقوباتها قبل أية دولة أخرى، قاطعة الطريق على دأب بكين استخدام تاريخ اليابان العدائي، أو قصة السيادة على جزر دياويو (Diaoyo ) - وهي مجموعة جزر غير مأهولة بالسكان تقع في بحر الصين الشرقي وتطلق عليها اليابان اسم جزر (سنكاكو)، وهذه المحاولات في نظر المراقبين لم تعد كونها استغلال عقدة الذنب لدى اليابان لصالح الطموحات الاستراتيجية الصينية.
وتعمل كلا من الصين واليابان على وضع أساس لصداقة تريد لها بكين أن تستمر في القرون القادمة، وفق استراتيجية طويلة الأجل، نقلا عن نائب وزير الخارجية الصيني وانغ يي الذي قال: "انه يتعين على الصين أن نضع في الاعتبار الآمال والتطلعات المخلصة للجيل الأكبر من رجال الدولة بالبلدين إلى جانب إزالة العقبات وتسوية النزاعات وتعزيز الثقة والتعاون حتى تتحرك العلاقات للأمام في القرن الجديد".
أصبح الاقتصاد هو البعد المسيطر على العلاقات الرسمية بين الصين واليابان، واستمرت الصين تطالب بالمزيد من الاستثمارات اليابانية وبان تنال معاملة تفضيلية في بعض الاتفاقيات، وعدت اليابان اكبر شريك تجاري للصين وثاني أو ثالث اكبر سوق تصدير لها بعد هونغ كونغ.
ويكمن وراء هذه الملامح الخارجية لسياسة الصين تجاه اليابان، الجوهر الحقيقي والذي يرتبط بعد تحمس الشارع الصيني مع الخطاب الدبلوماسي الصيني تجاه اليابان، فمعظم الصينيين لايحبون اليابانيين، وخلاصة القول إن الصراعات التي نشبت بين البلدين من حين لآخر على مدى قرن كامل (احتلال اليابان للصين في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي) ترك لدى كافة طبقات المجتمع الصيني ـ بما فيها الصفوة الحاكمة ـ شكوكا ومخاوف مما تستطيع أن تفعله اليابان الآن وهي في قمة نشاطها السياسي وقوتها العسكرية وهو ما اتضح في ردود الفعل الصينية تجاه محاولة اليابان أن تصبح عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي، وإزاء تمرير مشروع قرار يجيز انضمام اليابان إلى قوات حفظ السلام وما ترتب عليه من إشراك قوات من جيش الدفاع الياباني في مهام حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة.
القوة المتنامية الثانية التي تقلق الصين هي الهند والتي أثرت فيها المتغيرات الدولية، ورغم التحسن الملموس الذي طرأ على العلاقات الصينية الهندية، إلا أننا نجد أن مخاوف بكين قد تزايدت من نيودلهي في السنوات الأخيرة، بسبب تنامي القدرات البحرية الهندية واتباع الهند نهجا دبلوماسيا وعسكريا أكثر مرونة وتعاونا تجاه العديد من دول رابطة جنوب شرق آسيا.
وتنظر الصين بريبة للتحديث الذي يطال القوات المسلحة الهندية والذي تضمن في جملته إدخال تحسينات على مقومات القدرة الهجومية والتي تطرح احتمالات ازدياد التنافس السياسي والعسكري بين الهند والصين، ويعتقد البعض انه ربما يقود إلى الاحتكاك في جنوب شرق آسيا على المدى البعيد، وتضاف إلى تلك المخاوف الصينية توجه الهند نحو اقتصاد السوق مترافقا بالتركيز على توسيع روابط التجارة الخارجية والاستثمار مما يضيف أسبابا جدية لازدياد حدة التنافس الاقتصادي مع الصين في آسيا.
لقد واجهت الصين مرحلة غير مسبوقة في تاريخها من انتقال الزعامة إلى جيل جديد من النخبة والذين يسمون بالرأسماليين الصغار، وهم ذوو توجهات مستقبلية كبيرة يرى المراقبون أنها ستكون لها انعكاساتها المؤثرة في السياسة الخارجية الصينية، ويمكن القول إن الصين تشكل اليوم المتغير الأكثر حرجا والأصعب فهما والذي يؤثر في البيئة الأمنية الآسيوية مستقبلا، وتتوقع الدراسات أن تصبح الصين القوة العسكرية والاقتصادية المهيمنة على آسيا والقادرة على الوصول بقواتها الجوية والبرية والبحرية إلى أماكن بعيدة عن حدودها، وفي نفس الوقت تشكل محركا أساسيا للنمو الاقتصادي في كثير من الدول المجاورة، وهو ما قد يدفع الصين لاستخدام دبلوماسية (الإكراه أو العمل العسكري المباشر) لتسوية مختلف مطالباتها الإقليمية العالقة لخدمة مصالحها أو لتحديد مسار القضايا الحيوية الأخرى مما قد تظهره البيئة الأمنية والاقتصادية المتغيرة على الساحة الدولية.