عنان في المسرح العراقي
ليلى الأطرش/ نقلاً عن صحيفة (الدستور) الأردنية
اعتذار كوفي عنان السريع عن "زلة لسانه" بعدم شرعية الحرب على العراق، وأنه انقاد إليها بضغط المحاور التلفزيوني يثير الشفقة. فلا وزن للقول أو (للحسه)، في ميزان الفعل السياسي، وليس تطبيل أمريكا ضد ما قاله إلا لعبة مكشوفة لتلميع الرجل ومنظمته، وإقناع العالم بضرورة الوجود الدولي في العراق.
وربما خرج عنان عن النص الحرفي المطلوب منه، فاعتذر.
وعنان مثلنا يعرف أن منظمته لا (تهش) إلا بأمر أمريكا. وان اعترافه بعد عام من الحرب لن يؤثر على مجريات الأحداث ولا ما يدور في العراق، فالاحتلال وقع، ومخطط "الشرق الأوسط الكبير" قادم شاء هو أو غيره أم أبى، وبمشاركة أممية عربية.
ما حدث مؤشر على دور يطبخ للأمم المتحدة الضعيفة في العراق، وللجامعة العربية التي تساويها في قلة الحيلة. أولا لحفظ ماء وجه أمريكا في العراق حين (تدبس) المنظمتين بدور يغطي وجودها وأهدافها ويقلل خسائرها البشرية، ويعزز ظاهريا العراق "الحر" و"الجديد" بعد تطبيق دستوره، ويقيم "الشرق الأوسط الكبير" "اكثر حرية وأمريكا اكثر أمنا" كما قال بوش بعد عام من احتلال العراق.
يعرف عنان أن استصدار قرار ثان أو عدمه لم يكن ليوقف المخطط الأمريكي، وأن شجب بليكس والبرادعي للاحتلال وتأكيدهما المتأخر على خلو العراق من الأسلحة النووية لن يثني أمريكا عما رسمته، فلماذا صحوة الضمير بعد عام من احتلال العراق؟
تحضر الإدارة الأمريكية المنظمة الدولية والجامعة العربية ودول المنطقة لتنفيذ "الشرق الأوسط الكبير" بعد فوز بوش، ولهذا تهاجم الأمم المتحدة لعلها تستعيد مصداقيتها الضائعة، فتقوم بدور أممي في العراق مع آخر عربي، بدأت الجامعة العربية تعلن عنه في مجال البيئة والثقافة و"إعادة الإعمار"، وتشارك فيه المنظمة العربية للثقافة والفنون، والمنظمة العربية للتنمية الصناعية، وهي منظمات لا تخرج عن سياسات الدول العربية التي تمثلها، وهي منظمات قاصرة تعتمد ماديا على مخصصات الدول، ولم تنتج مشروعا صناعيا أو ثقافيا واحدا يسد بعض احتياجاتها، ولم تتفق على أمر خارج رغبة الممولين والمانحين.
أما تصريحات الجامعة فهي من نوع الكوميديا السوداء، تضحك حتى البكاء على منظمة لم تستطع جمع العرب على معرض كتاب في فرانكفورت، فرفض بعضهم دورها، واعترض آخرون على وصايتها الشكلية في الاختيار وتوزيع الحصص، ولهذا ستشارك السعودية والإمارات والكويت والمغرب في هيصة فرانكفورت خارج لوائها. فإذا اختلف العرب على معرض كتاب، وقراءات ومشاركات، فكيف نتوقع دورا للعرب في العراق سياسيا واقتصاديا وحصصا وبتقسيم من الجامعة وأمينها الذي ترفض بعض الدول العربية استقباله؟
السؤال من سينفذ المخطط في المنطقة بعد الانتخابات الأمريكية؟ من يقوم به؟ ومن يدفع نفقاته؟ ولصالح من؟ وما ارتباطه بالتهديد الأمريكي لبعض الدول، أو مباركتها لخطوات وتحركات أخرى مما لا يخفى على أحد.
تعودنا أن تصحو ضمائر أمناء المنظمة الدولية بمواقف (عنترية) كلما اقتربوا من الخروج من بيت الزجاج كما سماه بطرس غالي، ومثلما فعل حين وقفت أمريكا في وجه تجديد مدته، ولكن عنان ما زال يملك الوقت. ويعرف أن اكثر من نصف الأمريكيين يوافقون على الحرب على العراق، وان أمريكا هي من يرسم دوره ومستقبله، ووجوده في المنظمة؟
وان بوش قادم للرئاسة مرة أخرى في اكثر الاستطلاعات والمؤشرات واقعية، فهل يمكن لهذا الرجل الخبير الصامت والحيادي التعابير أن يزل لسانه بشطارة مذيع؟ إنها خروج عن نص مسرحي لا يضحك، بل يحمل الكثير من الدلالات والمؤشرات.
احتلت أمريكا العراق رغم معارضة العالم، وخلقت "الشرير الإسلامي الإرهابي والمتطرف" لتهدد به كل الدول التي تعارض المخطط، وسيطرت على مقدرات المنطقة، وكبحت جماح اقتصاد عالمي ينمو خارج رغبتها خاصة في الصين.
وحده انفلات الأمن في العراق وتنامي خسائرها يفسد فرحتها، ولهذا تريد للمنظمة الدولية والجامعة العربية تحمل العبء الأكبر في استعادة الهدوء، لتخرج سليمة وتلتفت إلى تنفيذ مخططها للمنطقة. وما التسريبات عن ضربة لايران، ومحو دول مجاورة صغيرة وكبيرة إلا بالونات اختبار لشكل متوقع للجزيرة العربية وما يحيطها.
منذ سنوات ونحن نكتب عن ارتباط الوضع العراقي بالفلسطيني، فاحتلال العراق وإقامة سلطة شكلية في فلسطين هي بداية المخطط، وما يتبع هو انهيار سريع للقائم ليحل مكانه جديد رسمته السياسة الأمريكية، ولم تقاومه حكومات المنطقة حتى طال وجودها أو اقترب.