في ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا

إسماعيل زيادة/غزّة فلسطين المحتلة *

تبقى مجازر صبرا وشاتيلا شاهدا على مدى همجية العدو الصهيوني وأعوانه وعلى التواطؤ الدولي الذي مهد لما حصل. وأيضا على عجز الدولة القطرية العربية التي في الوقت الذي كان فيه العرب في لبنان يذبحون كانت مشغولة بالتخطيط لتصفية القضية الفلسطينية عبر مبادرات خنوع واستسلام لم يكن بوسع العدو الصهيوني سوى رفضها إمعانا في إذلال أنظمة اقل ما يقال فيها أنها بلا كرامة.

ولا زالت الرواية الصهيونية لما حدث في مخيمي صبرا وشاتيلا من صباح 16/9/1982 حتى صباح 18/9/1982 هي المتداولة وفتقرير "لجنة كاهان" اعتبر أن شارون مسؤول بشكل غير مباشر عبر عدم التدخل لمنع ما حصل، وألقى بالمسؤولية الكاملة على ميليشيا الكتائب وقائدها ايلي حبيقة. وهذه هي الرواية الفلسطينية أيضا بأن من قام بأعمال القتل الوحشية والاغتصاب هي ميليشيا الكتائب (القوات اللبنانية) ودور الجيش الصهيوني كان غير مباشر عبر السماح للميليشيات بالدخول الى المخيمات ومنع السكان من الخروج واضاءة المخيمين ليلا في وقت المجزرة. ولكن ما وثقه الصحافيان روبرت فيسك في كتابه ويلات أمة و(آلان مينارغ) في كتابه (أسرار حرب لبنان) يختلف عن ذلك.

كان (روبرت فيسك) من أول من دخلوا مخيمي صبرا وشاتيلا وذلك صباح 18/8/1982 -المجزرة بدأت صباح 16/8/1982- وقد توصل إلى أن ميليشيا سعد حداد (جيش لبنان الجنوبي العميل) قد شاركت في ارتكاب المجازر. فما سمعه من الناجين من أن ميليشيا سعد حداد كانت موجودة في المخيمات قادته إلى تقصي صحة هذه الادعاءات. وما أكده شهود عيان في مطار بيروت أن مجموعات من ميليشيا سعد حداد تم نقلها بواسطة طائرات تابعة لجيش العدو الصهيوني من جنوب لبنان إلى بيروت وهذا ما نفاه العدو الصهيوني وسعد حداد لأنه يعني التورط المباشر للعدو الصهيوني كونه انشأ ميليشيا سعد حداد وتخضع لسيطرته.

أما (آلان مينارغ) فقد سرد الأحداث كالتالي وأنا هنا اقتبس ما قاله في برنامج زيارة خاصة عبر قناة "الجزيرة":

"اغتيل بشير الجميل في مساء يوم الرابع عشر في الساعة الرابعة مساء وعند منتصف الليل جاء قائد أركان الجيش "الإسرائيلي" إلى مقر قيادة القوات اللبنانية وكان الجميع ما يزالون تحت تأثير صدمة اغتيال بشير الجميل وكانوا يفكرون فيما سيفعلونه، وصل قائد الأركان ليقول لهم سنهاجم بيروت الغربية ضعوا قواتكم في المطار وكان جواب (القوات اللبنانية) سنرسل رجالا لكن أعلمونا قبل بدء الهجوم، قاد "الإسرائيليون" عمليتهم في بيروت الغربية وفجأة أدرك اللبنانيون أن عليهم إيجاد بديل لبشير ولم يكونوا يريدون أمين الجميل، هكذا كانت المجاذبات السياسية حول هذا الموضوع، حدث كل ذلك في ليلة الرابع عشر أو في الصباح الباكر من يوم الخامس عشر ومع هبوط ليل يوم الخامس عشر دخل فريق مؤلف من 32 شخصا إلى صبرا وشاتيلا وكان هؤلاء قوات من الوحدات الخاصة "الإسرائيلية" الذين اشتهروا فيما بعد في الضفة الغربية من خلال الاغتيالات الموجهة ضد عدد من المسؤولين كانت لديهم قائمة بمائة وعشرين اسما واستطاعوا اغتيال 63 شخصا بطلقات نارية في الرأس بعيار ثمانية ملليمترات وتم توثيق ذلك بواسطة الطبيب الشرعي فيما بعد.

إذاً خرجت هذه الوحدات من صبرا وشاتيلا في الصباح الباكر وبعد ذلك دخل فريق جيش لبنان الجنوبي الموالي "لإسرائيل" دخلت نصف كتيبة طُلِب من رجالها الاستيلاء على الوثائق التي كانت موجودة لدى الأطراف المختلفة والتصرف بشكل يثير الرعب في قلوب الفلسطينيين أي بمعنى آخر قتلهم وهذا ما حدث، كان هذا الفريق مؤلفا من "الشيعة" الذين عانوا من الفلسطينيين في جنوب لبنان واستفادوا من هذه الأحداث كي ينتقموا وقد موَّهوا مرورهم بعد أن استعملوا أسلحة تابعة لحلف شمال الأطلسي وعيارات نارية خاصة بالحلف، أخطأ فريق جيش لبنان الجنوبي أثناء خروجهم فخرج بعضهم من مكان غير منتظر و"الإسرائيليون" الذين كانوا يطوقون المخيم أطلقوا عليهم النار وقتلوا اثنين منهم كما قُتِل أحد الجنود الإسرائيليين من المجموعة الأولى حين داس على لغم أثناء الدخول إلى صابرا وشاتيلا.

بعد انتهاء كل هذا تم إرسال القوات اللبنانية وطُلِب منهم تنظيف المعسكر ومصطلح التنظيف هذا هو مصطلح عسكري تستعمله أجهزة المخابرات ومعناه أخذ الأسلحة واعتقال الإرهابيين وهكذا طلب من حبيقة إرسال رجاله أي المجموعات الثلاثة التي ذهبت إلى هناك وقتلت الناس وقد قتل هؤلاء الرجال اللبنانيين أكثر مما قتلوا من الفلسطينيين فقد كان يوجد حول الفلسطينيين الكثير من الشيعة الذين جاءوا لنجدة الفلسطينيين وبعد أن دخلت القوات اللبنانية تم السماح بدخول الصحافة وكنت من بين أوائل الصحفيين دخلت مع زملائي الفرنسيين وقابلنا أناس قالوا أن مَن فعل ذلك هي القوات اللبنانية وعلى أي حال تمكنا من رؤيتهم فلم يكونوا بعيدين عنا وأعتقد حينها أنهم القوات اللبنانية وفي الحقيقة كانت المجموعة الثالثة في الواقع كانت ثلاث مجموعات متلاحقة من القتلة، قابلت إيلي حبيقة شخصيا وكان همّه الوحيد خلال مجازر شاتيلا هو ألا يصبح أمين الجميل رئيسا، كان حبيقة قد مر بموقع أرييل شارون وكان يشرف على صبرا وشاتيلا تحت أمرته وكان يرى ما يحدث لكن لم يكن يرى بعينيه لكنه كان يسمع طلقات الرصاص وما إلى ذلك ثم تكلم عبر الجهاز اللاسلكي عندما سأله أحد الرجال ماذا سنفعل بالمدنيين وكان جواب حبيقة تعرفون ما عليكم فعله وانطلاقا من عبارته هذه تم تحميله المسؤولية عن هذه الأحداث بما يفوق مسؤوليته الحقيقية".

يعطي هذا دليلا واضحا أن العدو الصهيوني مسؤول بالكامل عما حدث وبشكل مباشر من حيث التخطيط والتنفيذ كون فرق الموت الصهيونية كانت أول من دخل المخيمات وبدأ المجزرة. وأيضا هناك مسؤولية مباشرة عن المئات من الفلسطينيين واللبنانيين الذين احتجزهم جيش العدو الصهيوني في المدينة الرياضية بالقرب من مخيم شاتيلا ولم يعرف حتى الآن مصيرهم. وما قاله (آلان مينارغ) يعطي مؤشرا عن سبب اغتيال ايلي حبيقة ومن يقف خلفه، خصوصا أنه أعرب عن استعداده للإدلاء بشهادته في الدعوى التي رفعت ضد شارون في المحكمة الدولية لجرائم الحرب في بلجيكا.

ومن الأهمية الإشارة إلى الدور الأمريكي في هذه المجازر حيث أن الاتفاق الذي بموجبه خرجت قوات المقاومة الفلسطينية واللبنانية من بيروت تم برعاية أمريكية. وقد كان مما نص عليه الاتفاق قيام قوات دولية بالإشراف على عملية خروج المقاومة والبقاء لمدة شهر حتى 24/9/1982، عدم دخول قوات العدو الصهيوني إلى بيروت الغربية وعدم المس بسكان المخيمات. وقد قدمت الولايات المتحدة ضمانات مكتوبة لياسر عرفات عبر مبعوثها فيليب حبيب تتعهد فيها بحماية من بقي من الفلسطينيين. ما حدث هو أن القوات الأمريكية غادرت بيروت في 10/9 وبحلول 14/9 كانت القوات الدولية قد غادرت ومن ثم دخلت قوات العدو الصهيوني إلى بيروت الغربية وحاصرت مخيمي صبرا وشاتيلا ونفذت جريمتها الشنعاء. هذه الحقائق تدين الولايات المتحدة بشكل لا يقبل التأويل، فهي التي مهدت الطريق إلى صبرا وشاتيلا من خلال عدم الالتزام بما تعهدت به وللعلم لم تعترف الولايات المتحدة بشكل رسمي بأنها قدمت ورقة ضمانات مكتوبة كما ذكر آنفا إلا أن (روبرت فيسك) ذكر أنه التقى فيليب حبيب سنة 1987 وأن فيليب حبيب اعترف أنه وقع ورقة الضمانات تلك.

تعطي مجازر صبرا وشاتيلا مثالا واضحا عن طبيعة منظومة حقوق الإنسان التي ينادي بها الغرب الرأسمالي وأهدافها. فالقانون الذي تبنته بلجيكا كان يمكن من محاكمة أي مجرم حرب بغض النظر عن الموقع الذي يشغله وعن مكان إقامته وبغض النظر عن جنسية مقدم الدعوى. وأتاح هذا الفرصة أمام الناجين من مجازر صبرا وشاتيلا لرفع دعوى ضد شارون ومحاكمته وعندما بدا ذلك ممكنا تم إدخال تعديلات على القانون من الناحية الفعلية أدت إلى إلغاءه. فأصبح من غير الممكن رفع دعوى ضد أي شخص يتمتع بالحصانة الدبلوماسية أو غير متواجد في بلجيكا، واشترط أيضا أن يكون رافع الدعوى يحمل الجنسية البلجيكية أو مقيما في بلجيكا لمدة ثلاث سنوات. وبالتالي تم إعدام القانون عندما تعلق الأمر بالكيان الصهيوني. ربما كان الأجدر بالمحاكم البلجيكية أن ترد الدعوة على أساس أن العرب ليسوا بشرا وبالتالي لا يمكن وصف الجرائم التي ترتكب ضدهم بأنها جرائم ضد الإنسانية!!.

كثيرة هي الأسئلة التي يجب أن نطرحها:

أولا: لماذا تعامل الذين كتبوا عن مجازر صبرا وشاتيلا مع تقرير "لجنة كاهان" على أنه ذو مصداقية؟ متناسين حقيقة أن هذه اللجنة تمثل العدو الصهيوني وبالتالي لا يمكن الأخذ بها بتاتاً. وهذا ما نجده في كتاب يزيد صايغ (الكفاح المسلح والبحث عن الدولة) على الرغم من أن هذا الكتاب صدر بطبعته العربية سنة 2003، أي بعد 13 عاما من صدور كتاب (روبرت فيسك). طبعا ليست هذه هي المرة الأولى التي يتبنى فيها الفلسطينيون الرواية الصهيونية، فالتعامل مع مجزرة دير ياسين كان بنفس الطريقة.

ثانيا: كان الاتفاق الذي تم التوصل إليه في بيروت هو أول اتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية والعدو الصهيوني وكان الراعي الأساسي للاتفاق الولايات المتحدة. والمجازر التي حصلت كانت نتيجة عدم احترام الولايات المتحدة لوعودها وتواطؤها مع العدو الصهيوني. ورغم ذلك ظلت القيادة الفلسطينية تلهث خلف الولايات المتحدة من أجل أن تحظى برضائها وقدمت من أجل ذلك التنازل تلو التنازل حتى أدانت التاريخ الفلسطيني الحديث كتاريخ مقاومة ووصمته بالإرهاب وتنازلت عن الحق العربي في فلسطين وكل الاتفاقات التي وقعت تمت برعاية أمريكية والنتيجة هي ما نحن فيه الآن. ألم يكن ما حدث في صبرا وشاتيلا كافياً حتى ندرك طبيعة العلاقة العضوية بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؟ لماذا لم تدرك القيادة الفلسطينية الخطيئة التي ارتكبت عندما تم الوثوق بوعود الولايات المتحدة؟ ولماذا تم تكرار الخطيئة بعد ذلك؟

لم تختلف الأمور الآن كثيرا عما كانت عليه قبل اثنين وعشرين عاما فالمجازر مستمرة في فلسطين والعراق المحتلين، والأنظمة القطرية العربية ذبحت العراق وأسلمته لأنياب الاحتلال وتستعد لتسليم المزيد والموقف الدولي كما هو دائما لا يعتبرنا نرقى إلى مرتبة إنسان إلا إذا كانت مصالحه تتطلب ذلك كما يحدث الآن في دارفور.

 

* نشرة "كنعان" الإلكترونية عمل مشترك لمركز المشرق/ العامل للدراسات الثقافية والتنموية في رام الله – فلسطين المحتلة ومؤسسة فلسطين للأبحاث والنشر في الولايات المتحدة الأميركية. تتكون هيئة إدارية من: ابراهيم مكّاوي وعادل سمارة ومسعد عربيد. يرجى إرسال كافة المراسلات والمقالات إلى عنوان "كنعان" الإلكتروني: mail@kanaanonline.org