المستوطنات "الاسرائيلية" تحت حماية الحيوانات المفترسة
جميل حامد عبد الله/كاتب صحفي من فلسطين المحتلة
تقع مسؤولية حفظ أمن المستوطنات الصهيونية على كاهل "وزارتي الدفاع، والأمن الداخلي، وهيئة الأركان العسكرية"، وما يتفرع عنها من اذرع ومؤسسات عسكرية واستخبارية، إضافة إلى ما يسمى بمجلس المستوطنات "يشع" وهو ائتلاف يضم ممثلين عن كافة المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.
آخر صرعات "الاسرائيليين" والمقصود هنا المستوطنين اللجوء إلى طيور الإوز لحمايتهم وحماية جدران مستوطناتهم الشائكة وحدودها من محاولات المقاومين الفلسطينيين اقتحامها........ فقد كشف موقع "يديعوت احرنوت" "الاسرائيلية" عن قيام المستوطنين في مستوطنة "تفوح" القريبة من مدينة الخليل بتدريب طيور الإوز على حماية المستوطنات من تسلل الفدائيين الفلسطينيين لعمقها......!!!
إن لجوء قطعان المستوطنين "الاسرائليين" إلى تدريب الحيوانات المفترسة كبعض أنوع الكلاب والأخرى التي تمتاز بسرعة إدراكها الحسي كالخنازير أو تلك التي تخلف فوضى وصخبا وغيرها مما يتعارض الإعلان عنه مع المواثيق الدولية، يؤكد عدة أمور تترسخ في الذهنية الاستعمارية و"أبطالها" المستوطنين وقادتهم من المتدينين أهمها:
الأمر الأول: فشل المؤسسة العسكرية الصهيونية في الحفاظ على أمن المستعمرات.
بالعودة إلى مراحل المد والجزر التي مرت بها انتفاضة الأقصى واتجاه فصائل المقاومة الفلسطينية من خلال أذرعتها العسكرية إلى المقاومة النوعية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ونجاحها في تجاوز احتياطات الأمن "الاسرائيلية" أظهر الفشل والعجز "الاسرائليين" في منع الفلسطينيين من اقتحام هذه المستوطنات حتى في وضح النهار.
الأمر الثاني: استفشاء الهوس الأمني بين قطاعات المستوطنين نتيجة العمليات الفدائية التي نجحت في إقصاء كافة الإجراءات الأمنية على الشوارع فقد نجحت المقاومة الفلسطينية في رسم وقائع أمنية جديدة على الأرض وخاصة عندما فرضت على الاحتلال الصهيوني زج كافة أجهزته في هذه الحرب التي تفتقد إلى التوازن والتكافؤ واضطرار أصحاب النظرية الأمنية إلى تخصيص دورية عسكرية سواء راجلة أو محمولة إن لم تكن مجنزرة أو قاذفة صواريخ على كل مائة متر وعلى كل مدخل شارع أو زقاق.
الأمر الثالث: الحفاظ على استقلالية مجتمع المستوطنات عن المجتمع "الاسرائيلي" بشكل عام وتأكيد مفهوم دولة المستوطنين.
المتتبع للشأن "الاسرائيلي" يدرك طبيعة (الحكم والسيطرة وتقاسم الأدوار) في هذه الدولة التوسعية فقد نجحت حكومات الاحتلال المتعاقبة على الحكم في إظهار التيار الاستيطاني على أنه (يمينيا ومتطرفا ومتشددا) وهي بهذا أرادت أن تجذر فكرها في الأرض والإنسان معا من خلال:
1 - فصل المستوطنين ومستوطنات الضفة الغربية كليا عن كافة "المهاجرين" القدامى والجدد في الكيان الصهيوني بحجة أن "فلسطين التاريخية هي أرض الميعاد وهي الوطن القومي لليهود".. وما عدا ذلك يبقى ضمن إطار (التهديد والمساومة) والفعل ورد الفعل وبالتالي فإن "فلاشا إثيوبيا والمافيا الروسية" أصبحوا خارج نطاق أية استحقاقات مستقبلية لأي "سلام" أممي باعتبارهم سكان أصليين ومواطني دولة ومن الممكن أن يتملكوا شهادات ولادة تثبت أنهم من مواليد صفد أو الرملة إن أرادت "اسرائيل" ذلك.
2 – التلويح بعصا التطرف الاستيطاني في القضايا التي تتعلق بالعلاقة مع الفلسطينيين سواء في التهديد المستمر للإنسان الفلسطيني وما يملك أو في ما يتعلق بقضايا إنهاء الصراع.
3 - استخدام المستوطنين كذراع انتقامي تهجيري ضد المدنيين الفلسطينيين، وهذا ما يتجسد يوميا ضد مدينة الخليل المحتلة وضد سكان العشرات من القرى الفلسطينية.
4 - التستر التوسعي الحكومي والحزبي ومصادرة الأراضي تحت غطاء المستوطنين وبالتالي عدم خلط الأوراق أمام الرأي العالمي، مما يتيح للدولة الصهيونية التموضع في كافة القضايا في آن واحد دون إحداث أية تداخلات قد تؤدي إلى فضح الأدوار العليا في صنع القرارات التوسعية.
إن أخذ المستوطنين "الاسرائيليين" القانون والأمن بأيديهم ليس نتاج انتفاضة الأقصى بالتحديد إنما هو نتاج للفكر الصهيوني الممارس على الأرض منذ قيام الدولة الصهيونية عام 1948، التي قامت على الاستيلاء وسرقة الأراضي واحتلالها بقوة هذه الشريحة التي تعنونت تحت إطار المستوطنين اليمينيين.
هذه المسألة المتعلقة بالمستوطنين بالذات تحاول حكومة شارون ومن ورائها الإعلام الصهيوني إبرازها والترويج لها كهاجس وكابوس يهدد مخططاتها في الوقت الحالي مع تزايد وتيرة الحديث عن اقتراب موعد الانفصال والانسحاب من قطاع غزة أيضا لعدة أهداف تسعى إلى تحقيقها وأبرزها:
* إبقاء ما يسمى بالشرعية الدولية تحت الإبط "الاسرائيلي" بتبنيها للأمن "الاسرائيلي" وضروراته.
* ضمان إبقاء الكيان الصهيوني لمركز ثقله الأمني والعسكري على الحدود ونقاط العبور.
* ضمان المحافظة على الأجواء البحرية والجوية في القبضة "الاسرائيلية".
* الإظهار للعالم بأنها أي الدولة الصهيونية قدمت المستحيل وتنازلت عن "إرث الأجداد" طمعا في "السلام".
* سحب التعاطف الدولي من الفلسطينيين وإظهارهم كرافضين لأية حلول سلمية بزجهم في حلول تتعارض واستراتيجية العمل الفلسطيني التي تقوم على انسحاب "اسرائيل" الكامل من كافة الأراضي التي احتلتها عام 1967 والعودة إلى حدود ما قبل الرابع من حزيران وبالتالي التمهيد لحرب أهلية وتناحرات حزبية.
* التمهيد لإقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة فقط وإبقاء الضفة الغربية تحت الاحتلال والوصاية.
واضح أن خللا ما يدق العلاقة الأمنية بين "الكتيبة العبرية" التي تعتبر الذراع العسكري والنواة المتطرفة في التطرف اليميني "الاسرائيلي" وبين المؤسسة الأمنية الرسمية التي تعمل على مدار اللحظة على حماية جدار الاستيطان وما يضم بداخله من هوس أدى في نهاية المطاف إلى استخدام الطيور لإرهاب المقاومين الفلسطينيين وإيقاظ بنادق الحراس على مدخل المستوطنة وكل مستوطنة.
فإذا كانت الدولة الصهيونية التي استنفرت كافة قواتها وأخرجت كافة ما تملك من ترسانة حربية واستخدمت كل ما بحوزتها وجعبتها من قوة وقمع وبطش وقتل واغتيالات وتدمير، قد فشلت في حماية أمن المستوطنات والمستوطنين.....!
وإذا كانت حكومة "اسرائيل" بأجهزتها من حرس حدود وجيش نظامي ومخابرات واستخبارات ومخبرين ومتطوعين ووحدات خاصة من مستعربين إلى وحدات القتل المنظم، فشلت أيضا في منع تسلل المقاتلين الفلسطينيين إلى عمق المستعمرات "الاسرائيلية" ومنع العمليات أو الحد منها......!
وإذا كانت الأسلاك الشائكة والمكهربة والجدران الإسمنتية وأبراج المراقبة والحواجز المقامة على مداخل المستعمرات، قد فشلت في الحيلولة دون نجاح الفلسطينيين في تجاوز هكذا حقول الغام والقيام بعملياتهم..!
فإن الخلل بين المؤسسة السياسية العسكرية في تل أبيب ومجلس المستوطنات الصهيونية ينبع في سيطرة رموز الاستيطان على الأمن والأرض من جهة وقدرته على ابتزاز الساسة وصناع القرار من الجهة الأخرى في أمور ومسائل تتعلق بالصراعات الحزبية والزعامة على نحو لا يقل أهمية عن الجانب الأمني الذي تتدفق فيه قطعان المستوطنين من خلال شركات الحراسة والأمن الخاصة التابعة لمجلس المستوطنات والتي تعمل بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والعسكرية الاحتلالية.
هنا يبرز فشل الأجهزة العسكرية الاحتلالية في احتواء لهيب الانتفاضة والمنتفضين الفلسطينيين رغم قوائمها العريضة التي تعج بأسماء المستهدفين ورغم ما مارسته من استخدام لكافة أشكال التكنولوجيا الحربية التي تعج بها معسكراتها وخزائنها ضد المدنيين الفلسطينيين.
مثلما يبرز الفشل الرسمي "الاسرائيلي" في محاولته خداع العالم على أرضية ما يثيره من تطرف ومن تهديدات وعدم مقدرة على لجم اليمين المتطرف في الدولة العبرية التي يتزعمها ويقودها ويرسم سياستها هذا اليمين نفسه.
ما أورده موقع "يديعوت احرنوت" الإلكتروني الذي يوجه إعلامه إلى "العالم العربي والناطقين بالعربية" على وجه الخصوص يظهر فشل الحكومة "الاسرائيلية" في الحفاظ على أمن المستوطنات كما هو حال الفشل الذي منيت به الكلاب المفترسة في الحد من عمليات المقاومة وتسلل المقاومين الفلسطينيين وهو نفس شأن الفشل الذي لحق بالخنازير التي فقدت "إدراكها الحسي" على بوابات المستوطنات، وهنا يأتي الدور على طيور الإوز التي تعقد عليها قطعان المستوطنين الأمل في تحقيق ما فشل به الآخرون.