تأملات في مذبحة النجف

جمال السلمان/البحرين

تابعت كما تابع العالم مذبحة النجف الأشرف التي توالت فصولها أحداثاً جساماً ومذابح مئات الشهداء، وأضعافهم من الجرحى سقطوا في النجف الأشرف في استهانة بالمقدسات والتاريخ العظيم لهذه المدينة العريقة. في تلك الأيام تأملت صوراً لهذه المدينة العظيمة بعظم من ضمت رفاته وهو إمام المتقين ووالد سبطي رسول هذه الأمة وباب علمه ومستودع سره وهو أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

صور من تاريخ صاحب هذه المدينة العظيمة وأخرى لكربلاء المقدسة حاملة ميراث الشهادة والمبدئية في مواجهة الضيم والظلم وكذلك للكوفة عاصمة الخلافة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين علي عليه السلام.

الصورة الأولى لعلي عليه السلام وهو يقول لأولاده وأصحابه "ضعوا جسدي على ظهر بعير وأينما يحط الجمل هناك يكون مكان دفني". ويحط الجمل في هذا الموضع فيكون موضع قبره عليه السلام لتتحول تلك الأرض الجرداء إلى مدينة زاخرة بالعلم والفقه والزائرين من مختلف بقاع الأرض يستلهمون من سيرته العظيمة دروساً في الشجاعة والمبدئية والإباء.

الصورة الثانية لعلي عليه السلام وهو يخاطب عامله على البصرة يعاتبه على حضور مأدبة لثري من أثرياء البصرة حتى يخلص إلى القول (ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد).

اما الصورة الثالثة للحسين بن علي عليه السلام ليلة العاشر من المحرم وقد جمع أصحابه وخطب فيهم فكان من ضمن ما قال (ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً) فما كان من رد هؤلاء الأزكياء إلا كما قال الشاعر:

وجدوا الردى من دون آل محمد م عذباً وبعدهم الحياة عذابا

تراءت أمامي هذه الصور بما تمثله من رموز لعظمة المكان الذي حوى رفات شهيد المحراب ووليد الكعبة، الذي لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم، وعظمة الإمام الذي يقول فيه الشافعي أنه "كتمت أولياءه فضائله خوفا، وأخفت أعداءه فضائله حسدا، وخرج من بين الفريقين ما ملأ الخافقين".. بعد كل ما مارسه الأعداء والحساد من تعتيم على مآثره وعظمته فقد خرج من بين ذلك ما ملأ الخافقين، والصورة الثالثة لذلك الإباء والفداء الذي كان عليه سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام وتلك المبدئية التي كان عليها أنصاره يوم الطف.

تراءت لي هذه الصور وأنا أشهد نكبة النجف، حين تستباح كرامتها وتسفح دماء أهلها، وتنتهك مقدساتها، ويضرب ضريح إمام الورى وشهيد المحراب أمام مرأى ومسمع العالم أجمع، فلا نرى إلا صمتاً مطبقاً من الحكومات العربية والعالم الإسلامي، وصفاقة ممن يدعون انتماءهم للإسلام حين يساوون بين الضحية من أهالي النجف الأشم وبين قوات الاحتلال الأمريكي، حكومة علاوي (...) (السي آي أي) في بغداد تستقوي بالدبابات والطائرات الأميركية ضد أبناء الشعب في الفلوجة والنجف الأشرف، ورئيسها يطلب إلى أبناء البلاد مغادرتها، بدل أن يطلب إلى المحتل أن يحمل عصاه ويرحل عن التراب الوطني العراقي، وزعيم "حزب الدعوة" نائب رئيس الجمهورية المنصب من قبل المحتل،  يؤيد ما تمارسه القوات الأمريكية ثم يتراجع في استحياء ويصرح بأنه يعتقد بأنه يمكن حل المسألة سلمياً وينتقد على استحياء استعجال الحسم العسكري من قبل القوات الأمريكية، وفي تصريح آخر يستجدي لهم العذر بأنهم لم يقصدوا بالقصف المدنيين!.

ترى من شارك القوات الأمريكية حربها على النجف، والجواب إنه ما يسمى بـ"جيش العراق الجديد" و"الحرس الوطني" وهذه تتكون كما نعلم جميعاً من ميليشيا حزب الدعوة المسمى "فيلق بدر" وقوات "البيشمركة" الكردية التي قيل أنها دمجت في الجيش والحرس.

وبالمقابل فإن ظهير الاحتلال إعلامياً هم بعض الرموز المتساقطة من بقايا الشيوعية فهاهو عزيز الحاج، الذي صمت صمت أصحاب القبور هو ورفاقه عن جرائم المحتل في أبو غريب، يؤلب قوى الاحتلال على أبناء النجف فيقول: "إن مستقبل العراق يتقرر اليوم في النجف كبداية لتصفية بؤر الإرهاب والعنف في الفلوجة وسامراء وبغداد وبقية المناطق

الواقعة تحت السيطرة الفعلية لعصابات المهدي والزرقاوي وصدام، ومعهم عصابات الجريمة المنظمة"!!.

لقد حاولت دوائر الاحتلال الأمريكي في العراق أساساً فرض المواجهة في النجف في استدراج مدروس ساهمت به أطراف ما يسمى "بالبيت الشيعي"، فجعلت من معركة النجف واقعة يمكن استثمارها ضمن حالة لإثارة مشاعر الناس تجاه حرمة المكان المقدس، ثم تحقيق انفراج في هذه الحالة كحالة معزولة عن مجرى الصراع في العراق بين المحتل والمقاومة الوطنية الباسلة التي تستهدف أساساً طرد المحتل، مؤملة تكراره على مسارح تقابل أخرى وفق منطق طائفي أو عنصري، عندما تغيب الرؤية السياسية المنهجية والاستهداف الستراتيجي للمقاومة بأخذ زمام المبادرة وفرض سوح المواجهة من أجل التحرير بين الاحتلال ورافضيه، إلى معادلة أخرى تقوم على تحويل وجهته المبدأية إلى صراع داخلي بين مجموعات عراقية حاكمة ومحكومة، يتدخَّل المحتل الأميركي بين المتخاصمين لفض خلافاتهما.

على رغم فداحة الحدث الجلل وعظم الخطر الذي تعرضت له هذه المدينة المقدسة وأبنائها، فإنه تبدو في أفق المواجهة في العراق تداعيات إيجابية سوف تكون لها تفاعلاتها في تعزيز الفرز لصالح المقاومة العراقية الوطنية المبدئية حيث يمكن رصد ما يلي:

1 - الروح الاستشهادية الغامرة التي برز بها أبناء النجف الأشم والتي تؤكد بما لا يقبل الشك أن محاولات دق أسافين الطائفية بين أبناء العراق، سوف لن تنجح مهما خططت لها قوى الاحتلال وغذتها تيارات تدعي الإسلام، وهي مندمجة أساساً في مشاريع الاحتلال، وفي خدمة مصالح إقليمية خاصة.

2 - تصدرت بعض خطب الجمعة في خضم أحداث النجف انتقادات حادة ستأخذ مداها من خلال تفاعلات الحالة العراقية الوطنية الشعبية حيث قال إمام جمعة كربلاء أحمد الصافي بأن الخط الإسلامي الشيعي في الحكومة والسلطة يشارك في المذابح الجارية بحق أبناء العراق وخيرة الشباب المؤمنين في النجف الأشرف وبغداد وبقية المدن العراقية.

3 - انتشرت بيانات في مدن العراق تشير إلى أن "حزب الدعوة" الذي يشارك في السلطة الآن من خلال الدكتور الجعفري إنما هو مشارك بتحمل إثم كل قطرة دم تسفك من أبناء العراق على يد قوات الحكومة والقوات الأميركية.

وقال: إذا كان ممثلو هذا الجناح من "حزب الدعوة" حريصين على نفي هذه التهمة عنهم، فكان من المفترض بهم السعي إلى تكذيب تصريحات موفق الربيعي واياد علاوي وتصريحات وزيري الداخلية والدفاع الذين أكدوا، بـ"أن الحكومة بكامل أعضائها اتخذت قرار مواجهة "جيش المهدي" ولم يكن قرارا بمعزل عن أحد منه"!!.

4 - تعالي الأصوات التي تطالب بمساءلة المرجعيات الدينية عن المسؤولية الشرعية والقانونية عن الدماء الزاكيات التي سالت على أرض النجف، ومسؤولية السلطة العميلة وأزلامها عن تلك الدماء.

إن الصور التي غمرت وجداني وأنا أتابع هذه المذبحة والتي سقتها في مقدمة هذا المقال، هي رموز ناصعة لمبدئية وفدائية وإباء هذه الأمة التي جبلت على الفداء والتضحية والشجاعة، فمن لا زال يحاول أن يستغفل الناس في انتهازية مفضوحة حين يراهن على بناء عراق جديد من خلال حوار مع المحتل، لا يمكن أن يكون ابنا لهذه الأمة التي أنجبت علي والحسين وتلك الكوكبة الميمونة التي سطرت أروع أمثلة الفداء عن المبادئ في كربلاء، فهل هناك يزيد أعتى من الإدارة الأمريكية التي استباحت كل المحرمات عبر عقود من الجرائم تجاه كل ما عربي ومسلم؟! هل بعد فضائح أبو غريب وجرائم القصف اليومي ضد الأبرياء من أبناء العراق وبعد استباحة النجف وقدسيتها فلم تبق خطوط حمر ولا زرق؟! بعد كل ذلك فإن من لا يزال يستجدي الأعذار لقوات الاحتلال ويلتمس لها حسن النية فلا يصدق فيهم إلا قول الإمام الحسين بن علي يوم الطف (تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستحصف ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا وتداعيتم إليها كتداعي الفراش فسحقا لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ومحرفي الكلم).. وقول الإمام (الناس.. عبيد الدنيا.. والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم. فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون)!.

ويقف في المعسكر الآخر المقاومة العراقية الباسلة التي تستلهم من مبدئية الإمام علي عليه السلام وإقدامه وشجاعته روحها، ومن فدائية الإمام الحسين عليه السلام وإباءه روحها الاستشهادية، ومن إصرار رفاقه على نصرة الحق عزمها وإصرارها على طرد المحتل، إنها المقاومة الباسلة التي تسطر أروع الملاحم الجهادية والنضالية في أرض العراق ضمن عمليات عزومة ومبادرة جسورة وأفق واستهداف استراتيجي واضح غايته طرد المحتل وإعادة العراق لدوره العربي والحضاري الرائد مهما حاول المرجفون، ومهما تعالت محاولات تشويه صورة المقاومة عبر عمليات إرهابية مكشوفة تديرها شبكات "الموساد" والـ(سي آي أي) وينفذها ردفائها المحليون.