الأجور والعلاقات بين أطراف الإنتاج

بقلم: الدكتور لويس حبيقة/باحث وملل اقتصادي من لبنان

تشكل الأجور قلب المواضيع العالقة بين العمال من جهة، وأرباب العمل والدولة اللبنانية من جهة أخرى. في غياب مؤشر علمي واحد لغلاء المعيشة، لا بد للعلاقات المتأزمة بين أطراف الإنتاج من أن تستمر. في الأوضاع الإدارية والمالية الحالية للدولة، لا يمكنها أن تفكر في تحسين أوضاع موظفيها قبل أن تباشر جديا في الإصلاح وفي محاربة الفساد تحديدا. من غير المقبول أن يقدم العمال مؤشرا متراكما للغلاء يصل إلى 46,6% لفترة 1995-2003، بينما يعترف أرباب العمل بعشر هذا الرقم فقط. هذه فروقات غير طبيعية ولا نسمع بها إلا في لبنان. إذا قارنا الأرقام سنة بسنة تتبين لنا أكثر المهزلة الإحصائية، فتزيد أو تقل الفوارق بحيث نشعر أننا لا نتكلم عن دولة واحدة وإنما عن اثنتين متباعدتين في الجغرافيا والأوضاع. من غير الممكن الوصول إلى حل وسط في ظل هذه الفوضى الإحصائية التي تسببها المصالح المتضاربة أو المعاكسة، والبعد كل البعد عن العلم الإحصائي ومقوماته الواضحة.

تكمن بداية الطريق الصحيح في الاتفاق على قواعد دقيقة لمؤشر واحد لغلاء المعيشة تحتسبه جهة حيادية حكومية أو خاصة وتعلنه في الفصل الأول من كل سنة عن السنة التي مضت. يجب الاتفاق على سلة المؤشر ووزن كل سلعة أو خدمة داخله بحيث يعبر حقيقة عن حاجات العامل المتوسط. يمكن تغيير الموازين كل فترة تعبيرا عن تغير الحاجات وتأقلما مع تطور الحياة والتكنولوجيا. نقترح في هذا الإطار أن يتم تعزيز المديرية العامة للإحصاء بالموارد الإنسانية والمادية المناسبة بحيث تصدر كل المؤشرات المطلوبة دون الرجوع إلى السياسيين. المطلوب إعطاء المديرية العامة المذكورة الاستقلالية بحيث تقوم بأعمالها بكل موضوعية وحرية. فعندما يتم الإعلان عن مؤشر الغلاء من قبل هذه الجهة، تجتمع جمعيات الأعمال مع العمال ويتفقون على نسبة الزيادة العامة التي ستعتمد لرفع الأجور أو يتركون الأمر لكل قطاع أو شركة أو مؤسسة تبعا لأوضاعها المختلفة. من الممكن أيضا أن تلتزم الشركات والمؤسسات بنسبة الزيادة المعلنة وتطبقها على الأجور دون الحاجة لعقد أي اجتماع. دور الدولة هو الوسيط أو الحكم بحيث تتدخل فقط لحل الخلافات أو لرفع الظلم عن أي من الفرقاء.

لا يمكن الوصول إلى حل مرض للجميع في الظروف الاقتصادية الحالية في لبنان. في وضعنا الضعيف أو المتعثر، أي حل يرضي فريق سيكون على حساب الفريق الآخر. نحن واقعون اليوم فيما نسميه في "نظرية الألعاب" حالة "zero-sum" والتي تتعب المشاركين فيها دون أن تؤدي إلى نتيجة فضلى للجميع. أي حل يرضي العمال و(يبسطهم) سيكون مزعجا ومكلفا لأرباب العمل أو بالأحرى سيأخذونه كذلك. العكس صحيح أيضا، أي أن أي حل يريح أرباب العمل سيكون على حساب مستوى معيشة العمال وهذا سيء. لذا علينا الانتقال إلى وضع يسمى، في نظرية الألعاب نفسها، بـ "win-win" بحيث يستفيد الجميع من الحل وإن كان بدرجات مختلفة. للوصول إلى هذا الوضع، يجب تحقيق نمو قوي في الاقتصاد اللبناني يعيدنا إلى أرقام بداية التسعينات بالرغم من الأوضاع الخطيرة في المنطقة. تحقيق النمو القوي يتطلب وجود فريق حكومي وإداري واستشاري جديد يسعى إلى تنشيط الحياة الاقتصادية والقطاعات الإنتاجية والقيام بالإصلاحات المالية ويركز على احترام القوانين والمؤسسات ويبدأ بتنفيذ إصلاح إداري شامل وغيرها من السياسات. لتحفيز النمو، لا بد من تطبيق السياسات الجديدة لسنة واحدة على الأقل، إذ ليس هنالك سحر في الاقتصاد وإنما أعمال جدية صعبة ومتواصلة.

بانتظار الوصول إلى حالة win-win والتي تتطلب بعض الوقت، لا بد من تنفيس الوضع الحالي المتأزم بين أطراف الإنتاج بحيث نرضي العمال جزئيا دون أن نقتل الكثير من المؤسسات والشركات المتعثرة خاصة في القطاعين الصناعي والزراعي. فما ينفع العمال أن تقر الدولة زيادات في الأجور تقارب الـ 45% ويفلس العديد من المؤسسات والشركات وتزيد البطالة المؤلمة وما يرافقها من مشاكل اجتماعية جدية. من جهة أخرى، عدم إعطاء أية زيادات اليوم سيوسع الشرخ بين أطراف الإنتاج ويزيد من عمق المشاكل الاجتماعية التي تضعف ثقة اللبنانيين بعضهم ببعض وببلدهم. لذا لا بد من تنفيذ حل آني يسمح بزيادة الأجور حوالي 10% بدأ من 1/1/2005 كما برفع الحد الأدنى للأجور إلى 400 ألف ليرة شهريا وذلك بانتظار صدور المؤشر الموحد والبدء بتحفيز النمو. يمكن التفاوض أيضا على بعض المنافع الإضافية القصيرة والطويلة الأمد في التعليم والتأمين والعطل والمنح وغيرها بحيث يرتاح العمال إلى ما يقدم لهم شرط البقاء ضمن الإمكانيات الحقيقية المتوافرة والمتوقعة للمؤسسات والشركات. في كل الأحوال، يجب النظر إلى علاقات العمال بأرباب العمل كما يجب أن تكون، أي علاقات ضمن فريق واحد ذات مصالح بعيدة المدى مشتركة وليس كعلاقات بين فريقين متواجهين.

رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 33% هو كاف في هذه الظروف إذ أن العديد من الذين يتقاضون هذا الأجر يعملون ساعات إضافية في المؤسسة نفسها أو خارجها وبالتالي يستطيعون تأمين قسما أكبر من حاجاتهم. إذا أضفنا أيضا أن أكثر من شخص في البيت الواحد ربما اثنان يعملان بهذا الأجر، تتبين لنا مقدرة اللبناني على الإنتاج وبالتالي على الصمود. من الأفضل عدم رفع الحد الأدنى أكثر تجنبا لزيادة البطالة خاصة بين الشباب. في المبدأ العام من الأفضل عدم إدخال قيود كبيرة وكثيرة في الاقتصاد بحيث تبقى قواعده حرة ومرنة. في المكسيك مثلا وفي عز أزمة 1994-1995 النقدية، انخفضت الأجور الحقيقية بنسبة 25% لتبقى البطالة على ما كانت عليه. أما في كولومبيا فمستوى الأجور جامد وبالتالي يحد من التوظيف، فتبقى البطالة مرتفعة. للوصول إلى حالة win-win، لا بد من تطبيق السياسات التي تسمح برفع إنتاجية العمال في كل المؤسسات والشركات. من الأسباب الرئيسية لرفع الأجور تشجيع العمال على العطاء أكثر أي دفعهم إلى زيادة إنتاجية أعمالهم. تزداد الإنتاجية عبر التدريب والتأهيل والتعليم التي تعتبر منافع مهمة يحصل عليها العامل في الشركات والمؤسسات التي تحترم نفسها. فإذا وضعت كل شركة ومؤسسة عاملة في لبنان جزأ قليلا من موازنتها للتدريب والتأهيل، لتحسن مستوى رأس المال الإنساني وزادت الإنتاجية مع الوقت وبأسرع مما نعتقد. المطلوب ذهنية إدارية جديدة ليس فقط في القطاع العام وإنما أيضا في القطاع الخاص.

في العديد من الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة يتكلمون اليوم ليس عن الحد الأدنى للأجر وإنما عن "الأجر المعيشي" أو الأجر الكافي لإعالة العامل وعائلته. فالأجر المعيشي هو أعلى من الحد الأدنى ويحسب على أساس أن شخصا واحدا يعيل العائلة لكنه لا يطبق إلا في قطاعات محدودة. هنالك أكثر من مئة قانون في هذا الصدد في كل من المدن الأميركية، إذ ما يعتبر أجرا كافيا في نيويورك يمكن أن يكون مرتفعا جدا في الغرب الأميركي. فلكل مدينة أجرها المعيشي الرسمي (مثلا 7,71 دولار في الساعة في لوس أنجلوس، 8,83 دولار في ديترويت و10,25 دولار في بوسطن) الذي يأخذ بعين الاعتبار التكلفة المعيشية للعامل العادي. بدأت هذه الموجة في مدينة بالتيمور في سنة 1994 وعمت معظم المدن الأميركية، ويطبق بشكل خاص على العاملين في المشاريع العامة أي الممولة من موازنات المدن نفسها. يهدف الأجر المعيشي إلى السماح للعامل وعائلته بالعيش بكرامة ويدخل ضمن السياسات العامة المحاربة للفقر. فهل ننتقل من الكلام عن الحد الأدنى للأجور، الذي لا يعني الكثير، إلى الكلام عن الأجر المعيشي الذي له دلالات كبيرة ويختلف من مدينة إلى أخرى ويطبق خاصة على العاملين في المشاريع العامة؟ هل نحن جاهزون لهذه النقلة النوعية لمعالجة موضوع الأجور في مدننا اللبنانية والعربية؟ هل نملك الإحصائيات الكافية لاحتساب التكلفة المعيشية في كل من المدن العربية وليس في العواصم فقط؟ نأمل ذلك.