فرنسا بين العراق ولبنان

حياة الحويك عطية/كاتبة وباحثة من الأردن

ليس في العلاقات السياسية بين الدول تحالفات دائمة، لكن هناك مصالح دائمة، وحسبما تلتقي هذه المصالح تتشكل التحالفات، وتتحدد المواقف.

بالأمس وقفنا مع فرنسا، من محيطنا إلى خليجنا ومن إسلاميينا إلى قوميينا إلى سواهم من القوى الشعبية، وذلك بخصوص اختطاف الصحافيين الفرنسيين في العراق.

وبعد أيام قليلة كنا نقف ضد التدخل الفرنسي في الشأن اللبناني وفي عملية الضغط على سوريا.

لكأن باريس لم تفهم الرسالة الصارخة التي وجهها إليها العالم العربي والإسلامي: الرسالة التي قالت بصوت واحد "نحن نقف مع من يقف مع قضايانا كما يراها الضمير الشعبي لا كما تشوهها الأنظمة ومن يسمون أنفسهم نخب الغرب".

كان على باريس أن تقرأ إنها فرصتها التاريخية للعب دور في الشارع العربي، هذا الشارع الذي لم يكن يوماً متقبلاً لها كما هو اليوم، وسبب تقبله هو موقف السياسة الشيراكية من موضوعي العراق وفلسطين. وبالنسبة للذين يمضون أكثر في التحليل السياسي، هو محاولة عاصمة شارل ديغول في أن تحافظ على استقلالية أوروبية عن أمريكا وأن تمد يدها إلى مداها المتوسطي والعربي.

وكان عليها أن تفهم ببديهية أن هذا الدور لا يمكن أن يستند إلى قاعدة محدودة من اللبنانيين الذين انقطعوا عن محيطهم العربي وانزلقوا إلى الحضن "الاسرائيلي"، انزلاقاً كان آخره زيارة ميشال عون الفضيحة إلى الكونغرس الأمريكي، وتشكيل جماعته الجمعيات العلنية المشتركة مع الصهاينة في أمريكا.

من دون أن يعني موقفنا الرافض للضغط على سوريا ولبنان، القبول بتعديل الدستور والقضاء على آخر مبدأ من مبادئ الديمقراطية اللبنانية: مبدأ تداول السلطة، غير أن ذلك كله لا يلغي كون التعاطف مع باريس بشأن المشكلة الآخذة في التعقيد بما يتعلق بالمخطوفين في العراق، يظل ضرورياً وواجباً لأسباب منها ما يتعلق بالسياق العالمي ومنها ما يتعلق بالسياق العربي، المرتبط بالأول، ومنها ما يرتبط بالسياق الفرنسي الداخلي.

في السياق السياسي العالمي والعربي الحالي ثمة واقع مركب: هناك هيمنة أمريكية (ي...ية) مطلقة، وهناك دول تحاول أن تزعزع هذا الإطلاق لصالح العودة إلى توازن دولي ما. القوى المرشحة للعبة التوازن هذه، هي أوروبا والصين.

أوروبا تعيش داخل معسكرين: المعسكر الأمريكي الذي يضع ثقله لإلحاق القارة الموحدة بواشنطن، والمعسكر الآخر الذي يقاتل لأجل الاستقلالية. وعلى رأس هذا الأخير فرنسا وألمانيا. وكي نكون أكثر دقة، فرنسا الشيراكية، لأن ثمة تيار آخر داخل فرنسا متأمرك ومتصهين.

ولأن مصلحتنا نحن، وأملنا الوحيد على الساحة الدولية هو العودة إلى توازن ما، طالما أننا لسنا وزناً، فإن من مصلحتنا دعم الخط الفرنسي  الألماني الحالي بكل ما نملك من قوة.

عربياً: الولايات المتحدة وصلت إلى أسوأ ما كان يمكن لها ان تتوقعه من مأزق في العراق، ولا يخرجها من هذا المأزق إلا حل من اثنين: إما دخول حلف الأطلسي إلى الساحة العراقية، بصفته كحلف أطلسي، لا كدول متفرقة، يكفي أن تحصل فيها انتخابات لتسحب قواتها كما حصل في إسبانيا، وإما دخول المجموعة الأوروبية بصفتها تلك أيضاً.

وفي دائرة هاتين المؤسستين الدوليتين، كانت فرنسا الشيراكية وألمانيا هما اللتان حالتا دون حصول واشنطن على ما تريد، وحالتا دون إنزال عسكري إضافي في العراق لحماية الأمريكيين ومنح احتلالهم الصفة الشرعية، وسحق المقاومة.

وللذين نسوا أن يراجعوا تفاصيل مؤتمر الدول الصناعية في أمريكا ومؤتمر الأطلسي في تركيا.. هذا عدا عن مواقف الحكومة الفرنسية في مجلس الأمن الدولي. وهل لعاقل ان ينسى خطاب دومينيك دوفيلبان، الذي لم يقاربه خطاب عربي.

أما على الصعيد الداخلي الفرنسي، ففرنسا ككل دولة ليست واحدة في نظرتها للأمور وإذا كان هناك من يسيرون بخطى مصرة على إيقاع سياسة جاك شيراك ودومينيك دوفيلبان، فإن هناك من يرقصون على الإيقاع الأمريكي الصهيوني، وذاك في معسكري اليمين واليسار الاشتراكي.

لذا فإن كل ما يجري منذ العام الفائت هو فصول في المعركة الداخلية التي ترمي إلى إضعاف جاك شيراك وفريقه لإيصال آخر متأمرك متصهين. وهنا أيضاً علينا أن نفكر بالدور الذي يمكن أن نلعبه في هذه العملية.

أن نفكر ونخطط ونتحرك بتعقل وحكمة، بعيداً عن ردات الفعل الهوجاء، وبعيداً عن الإثارة التي كثيراً ما تكون مشبوهة!

فليس تعاطفنا الكبير والحثيث مع قضية المخطوفين في العراق من باب الوقوع في حب باريس. انه فقط طول النظر، أو بالأحرى الرؤية الطبيعية التي لا تجعلنا نمسك بيد الأمريكيين وهم يمسكون بفرنسا من اليد التي توجعها لتلحق بهم وينفرط وراءها العقد الأوروبي والأطلسي كله، فوق رؤوسنا.

علينا أن نستغل الظرف أيضاً لنقول للعالم أننا لسنا إرهابيين، وأننا أصحاب مبادئ كما لا يعرف الغرب أن يكون، وأننا كشعوب، لم نمت ولم نصب بالعجز والعمى ونعرف كيف نكافئ من يقف إلى جانبنا. ونقاوم من يعتدي علينا.