الفوضى!

حياة عطية/كاتبة وباحثة من الأردن  

سبع عشرة سنة من الفوضى في لبنان! سنوات من الفوضى في الجزائر! سنوات من الفوضى في السودان! سنة من الفوضى التي تتجاوز كل سابقاتها، في العراق، وها نحن نتجه إلى إشعال فوضى مماثلة في السودان هدفها الرئيسي تصعيد الضغط على مصر، وإلى إعادة الفوضى إلى لبنان عبر المطالبة بسحب القوات السورية، والى فوضى أخرى، وبإيقاع أبطأ في العربية السعودية!

قضية دارفور لن تكون إلا نسخة من كردستان العراق، من مناطق الحظر الجوي، إلى الحصار والعقوبات، إلى التدخل الأجنبي. وإرهاصات الوضع السعودي تنذر على المدى البعيد بفوضى أخرى، رغم أنها لا يمكن أن تكون مماثلة بسبب العامل النفطي، لكن المخيلة الاستراتيجية الأميركية الصهيونية لن تعدم لها صيغة وإخراجا.

بعيدا عن التناول الجزئي لهذه الحالات، وبعيدا عن التيه المقصود الذي ترمينا فيه التفاصيل، يمكن إدراج كل هذه السيناريوهات ضمن خطين عامين:

الأول هو خط القضاء على الدول الكبيرة في العالم العربي والخط الثاني هو خط نشر الفوضى العرقية الاثنية والمذهبية الطائفية.

في الخط الأول ليس من الصعب تحديد الدول التي تملك فعليا مقومات الدولة في العالم العربي الذي ارتسم في المرحلة الما بعد كولونيالية وفق خرائط "سايكس بيكو" أو وفق خرائط المحميات البريطانية في الخليج العربي، تلك الخرائط التي لم تكن خارجها إلا العربية السعودية التي كانت حصة أميركا، أو وفق تقسيم وادي النيل على يد الاستعمار البريطاني.

ففي المجموعة الأولى: مجموعة "سايكس بيكو" هناك دولتان: العراق وسوريا. وفي المجموعة الثانية هناك دولة هي العربية السعودية، وفي المجموعة الثالثة هناك مصر، كبرى الدول العربية.

هذا عدا المغرب العربي الذي تشكل كل من دوله دولة ذات عناصر قوة، لكنه معطل الفعل، ويستمر التعطيل بشكل أوثق سواء بأساليب التمييع أو بأساليب القمع أو بأساليب الاقتتال الداخلي.

وإذ نقول مقومات الدولة المؤثرة فإنما نعني الديموغرافيا والاقتصاد والجغرافيا والمؤسسات والتاريخ.

والسؤال المنطقي هنا: لماذا هذه الدول الكبيرة تحديدا؟

لماذا إضعافها وكيف؟  

بالنسبة للأولى ثمة عناصر كثيرة تحدد الجواب وكلها مرتبط بـ"اسرائيل" والولايات المتحدة.

فبالنسبة للأولى أصبح من الواضح أنها لن تتمكن، رغم كل الجهود الهائلة، من أن تتوصل إلى توازن ديموغرافي مع الفلسطينيين، فكيف بالأحرى مع مصر أو السعودية أو العراق أو حتى سوريا. ولا شك في أن القيمة الفعلية للتوازن الديموغرافي في الوقت الحالي غير كبيرة، لكنها يمكن أن تصبح خطيرة وحاسمة إذا ما تطور الوضع العربي نحو ركوب قطار العصر تقنيا وحضاريا واقتصاديا وثقافيا. خاصة إذا ما ترافق ذلك مع صحوة سياسية مقاومة للتبعية الأميركية وللصهينة.

العنصر الثاني يتعلق بسيطرة الدول المذكورة على مواقع الثروات الرئيسية في العالم العربي، من السعودية إلى العراق ووزنهما النفطي والمائي بالنسبة للثاني، إلى الوزن السياسي لكل من مصر وسوريا، خاصة الأولى.

كل ذلك يجعل من ضمانة المستقبل بالنسبة للهيمنة الأميركية وللوجود "الاسرائيلي" وسيطرته على المنطقة، أن لا تكون أي من هذه الدول قادرة، ولو بعد عقود طويلة، وأيا كان شكل أو شخص الحكم الذي يصل إلى سدة المسؤولية فيها، على اتخاذ موقف مخالف للخط المرسوم في واشنطن بأحرف عبرية.

والحل أذن؟ التقسيم الفعلي؟

فهذا حل قديم طرحه المخططون المتحمسون منذ بداية الحرب اللبنانية ثم عادوا وعزفوا عنه نهائيا لان أي قبول بفكرة تغيير حدود الوضع القائم، يمكن أن يصبح سابقة لتغييرات أخرى قد لا تصب أبدا في مصلحة الخط المرسوم، وعلى الأخص أنها يمكن أن توصل يوما إلى وضع "اسرائيل". إذن فهذا بند مشطوب.

البديل هو بديل اللبننة: اقتتال داخلي ينهك البلاد والعباد ويقضي على كل شيء من الاقتصاد إلى القيم، ومن الحالة الوطنية إلى الحالة البدائية المتشرذمة طوائف ومذاهب واثنيات.

المطلوب فتح جرح كبير نازف في خاصرة كل دولة لا يوصلها إلى الموت ولا يسمح لها بالحياة بل يجعل قواها تخور ويتركها هيكلا عاجزا مشلولا. وبذا يكون القضاء النهائي على احتمالية قيام نهضة عربية فعلية أو على الأقل بدايات نهضة كتلك التي حلم بها رواد عصر النهضة قبل قرن من الزمن.

بل ويكون قد تحقق تهديد جيمس بيكر لطارق عزيز في لقاء جنيف الشهير: سنعيد العراق إلى مرحلة ما قبل العصر الصناعي!

وها نحن جميعا نعود إليه، إلا إذا كنا نصدق بريق الأكفان الملونة التي ترمى على ظهورنا وتبهر عيوننا. تبهرنا بشكل لا يجعلنا نفهم أن وجودنا وبقاءنا مرهونان بقدرتنا على المقاومة، المقاومة بكل أشكالها، من تلك التي تدفع ضريبة الدم على أرض فلسطين و العراق ولبنان، إلى المقاومة الثقافية والسياسية والاقتصادية التي يجب ألا توفر ساحة أو مناسبة.