العالم وأمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر
الدكتور غالب الفريجات/الأردن
بعد مرور ثلاث سنوات على الحادي عشر من سبتمبر تبدو الصورة معكوسة تماما عما كان يجب للإدارة الأمريكية أن تصنعها لنفسها وللعالم، إذ كان من المفروض على الإدارة المتعقلة المستوعبة للعالم بشعوبه وحضاراته أن تستثمر التعاطف الشعبي العالمي، الذي جاء عقب أحداث سبتمبر مع الولايات المتحدة، حيث بدا العالم بكل أطيافه السياسية والثقافية والاجتماعية إلى جانب شعوب الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن فيما يبدو فراغ العقول اليمينية المتحكمة في إدارة البيت الأبيض من العقلانية، وعقلية الهيمنة وتسيير العالم من خلال البوط العسكري قد قلب الصورة، وبدلا من رد الجميل لشعوب العالم المتعاطفة من خلال البحث عن برامج التعاون والتصالح وإخماد الحرائق المشتعلة في عالم اليوم، فقد عمدت هذه الإدارة إلى لغة التهديد واستخدام القوة العسكرية من اجل تنفيذ مخططها اليميني الإمبريالي، الذي كانت قد وضعت خطوطه منذ ثمانينات القرن الماضي.
إن لجوء الولايات المتحدة إلى استبدال حضارة التعاون الدولي والتصالح مع المجتمعات بحضارة القتل، واستهداف النهب والجشع والاستغلال لثروات الشعوب قد عكس مدى خطورة البرنامج اليميني البربري الاستعماري لإدارة البيت الأبيض فبدلا من لجوء الولايات المتحدة إلى السعي للتصالح مع بؤر التوتر في العالم ومؤشرات التصادم مع الآخرين وبشكل خاص مع الإسلام والصين بعد أن فقدت روسيا وزنها بسقوط الاتحاد السوفيتي، فقد أخذت هذه الإدارة على عاتقها أن تخلق لها أعداء من الممكن مناطحتهم ستؤدي ليس لإدماء وجهها بل إلى تكسير الرأس المأفون بلغة القتل والتهديد، الذي مارسته في أفغانستان والعراق وتشجيعه في فلسطين، لان العالم الإسلامي قوة لا يمكن الاستهانة بها، حتى لو بدت ضعيفة ومفككة، ولكن عناصر الحيوية لا زالت كامنة في داخل تنظيماتها السياسية، وبشكل خاص غير الخاضعة للهيمنة الرسمية الموالية للغرب والمرعوبة من الولايات المتحدة، وكذلك فإن الصين قوة عسكرية واقتصادية صاعدة لها مصالحها التي لا يمكن أن تسمح للولايات المتحدة أن تقف في طريقها.
إن الأسلوب اليميني البربري الإمبريالي الأمريكي سيقود العالم إلى الانهيار بعد الدمار الذي ألحقته وتلحقه هذه الإدارة الغبية سياسيا، وغير القادرة على استيعاب ما جرى للعالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبعد أحداث سبتمبر، وهذا الانهيار سيصيب ليس العالم فحسب، بل سيأتي على أمريكا وقوتها العسكرية والاقتصادية لان عالم اليوم لم يعد قادرا على استيعاب النموذج الاستعماري الذي كانت تمارسه الدول الأوروبية الاستعمارية، وهو ذات النموذج الذي تمارسه الولايات المتحدة في عدوانها على شعوب العالم الثالث، وما يجري على ارض أفغانستان والعراق لدليل واضح على أن الإدارة الأمريكية تعيش بعقلية الاستعمار الأوروبي القديم.
إن ممارسات الإدارة الأمريكية البشعة في حق شعوب العالم وادعاءاتها على بث صور الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكذلك العلمانية أصبحت مثار سخرية العالم اجمع حتى شعوب الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وقد أكدت المجازر التي تقوم بها القوات الإمبريالية الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق أن النموذج الأمريكي هو صورة باهتة عن نماذج الدعاية الأمريكية في أفلام هوليود، فالحرية المزعومة قائمة على القتل والتدمير وسجون واعتقالات في غوانتانامو وأبي غريب، والديمقراطية هي للعملاء والجواسيس والخونة لاماني وطموحات شعوبهم والذين لا يملكون من أمرهم شيئا، ولا يستطيعون إلا تنفيذ تعليمات أسيادهم كما حصل للعملاء والجواسيس والخونة في العراق الذين يأتمرون بأمر السيد بريمر أو السفير الأمريكي الجديد، وحقوق الإنسان تأتى على قتل النساء والأطفال والشيوخ وقتل المواطنين الأبرياء بشكل عشوائي، وقد بدت العلمانية التي تؤمن بها أمريكا في التلاعب على الطوائف واختراقها من اجل كسبها وكسب كهنتها إلى جانب المشروع الإمبريالي الأمريكي، كما يتم على ارض العراق مع القيادات الشيعية العميلة.
إن الديمقراطية وحقوق الإنسان أصبحت أضحوكة العالم، لأنها لا تثار إلا بما يخدم السياسات الأمريكية، أما مصالح الشعوب فهي ابعد ما تفكر به إدارة البيت الأبيض واكبر دليل عما نقول ما يجري في دارفور السودان، فأمريكا تريد من إثارة مزاعم القتل والإبادة إلى محاصرة السودان ونهب خيراته، لأن السودان فيه ثروة نفطية واعدة، وإلا كيف يتسنى الحرص على الديمقراطية وحقوق الإنسان مع لغة التهديد والوعيد بالعقوبات الاقتصادية والتحضير للاعتداءات العسكرية، كما حصل في حصار العراق الذي أتى على قتل اكثر من مليون ونصف طفل بمزاعم واهية، أكدت أن عالم الإدارة الأمريكية هو العالم الأكثر غرابة في منطقه لأنه منطق يعتمد على الكذب حتى على أعلى درجات المسؤولية، من رئيس الدولة إلى اصغر موظف في الإدارة.
لقد أصابت الإدارة الأمريكية من قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية مقتلا لان النموذج الأمريكي المطروح نموذج القتل والتدمير والسعي لنهب خيرات الشعوب، وإلا بماذا تفسر التحالف الإمبريالي الأمريكي بقيادة المسيحيين الصهاينة مع الكيان الصهيوني على ارض فلسطين.
إن التحالف المشار إليه يسعى لتشويه صورة الحضارة الإنسانية لأن هذه الصورة المشرقة ليست في صالح النموذج الإمبريالي الأمريكي الصهيوني، ولهذا فان التشويه الحضاري والثقافي لفلسطين يجري نسخه في أكثر من موقع يتم استهدافه من قبل الإدارة الأمريكية،لان الحضارة والتاريخ تؤكد زيف الكثير من قواعد الزيف الإمبريالي الأمريكي، حيث أن من لا حضارة له ولا تاريخ يسعى لتدميرهما، ولأن الكيان الصهيوني وأمريكا بلا تاريخ ولا منجزات حضارية تعتد بها وتعتمد عليها فإن تدمير الحضارة على أرض فلسطين وتشويه النسيج الثقافي، هو ذات النموذج الذي عمدت إليه إدارة الغزو الأمريكي للعراق في تدمير حضارة بلاد الرافدين والسعي المتواصل لتشويه حضارة وثقافة اكثر من ستة آلاف سنة.
إن التشويه المتعمد للحضارة الإنسانية ولصورة الإنسان الثقافية ينسجم تماما مع المفاهيم اليمينية للمسيحيين الصهاينة في واشنطن والصهيونية وكيانها على أرض فلسطين، لأن التعاليم الصهيونية معادية تماما لكل ما يمت بصلة إلى الغير، فهؤلاء الأغيار يعاملون معاملة أسوأ من معاملة الحيوان، ولا بد من القضاء عليهم وتسييرهم بما ينسجم ولمعايير الصهيونية، وكذلك هي نفس التعاليم للمجموعة الحاكمة في البيت الأبيض من ليس معنا فهو ضدنا، فلا وجود للاختلاف في الرأي، ولا وجود لمفهوم الحوار، ورفض لكل أنواع التعدد والتنوع الحضاري الإنساني.
إن النموذج الديمقراطي الأمريكي الزائف هو لمجموعة الخونة والعملاء والجواسيس الذين يحق لهم أن يتبوأوا السلطة في أي بلد من اجل خدمة الأهداف الأمريكية، وما عداهم من جماهير وقوى سياسية فهي خاضعة لقانون الاجتثاث كما حصل لقانون اجتثاث البعث في العراق، أما العملاء والجواسيس والخونة الذين جاءوا على ظهر الدبابة الأمريكية، فهم أبطال الديمقراطية الأمريكية في العراق الذي تسعى الإدارة الأمريكية أن يكون نموذجا مسخا للعالم الحر، ولكنه نموذج الإدارة الأمريكية ذات النظرة العدوانية لكل قيم الديمقراطية والحرية، فيما جرى على ارض الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من سبتمبر من قوانين وإجراءات تشريعية أمنية ومخابراتية، ليست إلا في الخندق المعادي لكل قيم الديمقراطية والحرية، بالإضافة إلى ذلك فإن الإدارة الأمريكية تسعى لتعميم ثقافة الاستهلاك والانحلال الخلقي لتجريد الإنسان من قيم العدل والحق والخير والجمال، وهي تسعى جاهدة لتشجيع قيم السوق، قيم اللهاث وراء إشباع البطون والأجساد عوضا عن قيم إشباع العقول ـ الثقافة ـ فالثقافة الأمريكية ثقافة سطحية زائفة تؤمن بالفرد على حساب الجماعة، تؤمن بالتفكك على حساب الوحدة والتعاون تؤمن بالانحلال والدعارة على حساب التمسك بأهداب قيم الشرف والخلق، تحارب قيم الأسرة والوحدة والثقافة والوطنية لحساب الممارسات الجنسية خارج نطاق الأسرة ولصالح العولمة ذات البعد الثقافي الإمبريالي الأمريكي، الذي يخلو من كل ما هو نافع ومفيد إلا في التبعية للنموذج الأمريكي.
بعد ثلاث سنوات من أحداث سبتمبر هل لو تكرر ذات المشهد ستجد الولايات المتحدة من يتعاطف معها، بعد كل ما أقدمت عليه من خرق للديمقراطية وحقوق الإنسان واتباع سياسة القتل والتدمير في حق شعوب الأرض، واتباع نهج الهيمنة العسكرية، ألم تحصد هذه الإدارة كراهية العالم اجمع لأمريكا وشعوبها نتيجة سياستها العدوانية الرعناء التي البت عليها كل أطفال ونساء وشيوخ العالم، أليس في صدر وعقل كل إنسان في هذه المعمورة من تمنيات لتدمير أمريكا على الأقل في مستوى الدمار الذي ألحقته بالعالم في غضون الثلاث سنوات الأخيرة.
الإدارة الأمريكية لم يعد الخلاص منها مهمة شعوب الولايات المتحدة من خلال الانتخابات التي تتناقص نسبة المقتنعين من جدواها من قبل الناخب الأمريكي، ومن يريد معرفة هذه الحقيقة فليستطلع نسب المشاركين في هذه الانتخابات طيلة السنوات الماضية، ثم ليتمعن المرء للتزييف الذي تم في انتخابات بوش وال غور في العام 2000، فأمر الخلاص من هذه الإدارة ورعونتها السياسية أصبحت مهمة العالم المتحضر بكل شعوبه ودوله المحبة للخير والساعية إلى التقدم الإنساني من خلال عزل هذه الإدارة على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي.