إلى متى سيستمر هذا الكابوس؟!
فؤاد الحاج
منذ بداية العدوان الأميركي - الأطلسي - العربي على العراق عام 1991، توقعت أن تبلغ الصلافة والوقاحة الأميركية إلى المطالبة بكافة علماء العراق الذين يتجاوز عددهم 15000 عالم (هذا الرقم من تحديد هشام الشرابي في إحدى مقالاته الموثقة من مكتبة الكونغرس الأميركي) في مجالات العلوم الذرية والكيمائية والبيولوجية والصناعات العسكرية ووضعهم قيد الإقامة الجبرية في إحدى المدن الأميركية.. واليوم نعيد التذكير بها حيث برزت مؤخراً في وسائل الإعلام المختلفة أنباء تقول أن تقريراً أمريكياً سينشر قريبا يؤكد أنه لم يكن هناك أسلحة دمار شامل في العراق!!.. في الوقت الذي مازال فيه الصمت العربي المطبق مستمر، إزاء ما يتعرض له العراق من قهر ودمار وخراب وقتل لم يشهد له تاريخ احتلال هولاكو لهذا البلد العربي!! كما أننا نرى ونسمع عما يسمى جامعة الدول العربية ومعظم إن لم يكن كل المؤتمرات العربية المختلفة الأسماء والأشكال والألوان، يطالبون العراقيين دائما وأبداً بالرضوخ إلى "الحكمة" والعقل لتجنيب بلدهم المزيد من الدمار!!.. عجيب أمر هؤلاء يطلبون من العراقيين الخضوع للاحتلال وتنفيذ ما يأمرون به وهو تقسيم العراق وإعطاء خيرات بلدهم ونفطه وثرواته الأثرية التاريخية إلى المحتلين!!.. ونود أيضا أن نذكّر بأن العراق وقيادته الوطنية الحكيمة قد استجابت لكافة قرارات مجلس الأمن الجائرة وأعطت لهم قبل العدوان عشرات الآلاف من الوثائق وأشرطة الفيديو والأقراص المدمجة التي تؤكد خلو العراق من تلك الأسلحة، كما طالبت قيادة العراق آنذاك بتنفيذ الفقرة (22 سي) من القرار (687) وهي مرحلة رفع الحصار والانتقال إلى تنفيذ باقي الفقرات والبدء بإخلاء المنطقة العربية من كافة أسلحة الدمار الشامل بحسب ذلك القرار، مما يعني فرض تدمير أسلحة الدمار الشامل الصهيونية.. ولكن مع الأسف لم يلق ذلك الطلب أنذنا صاغية ولا تأييد من كل الأنظمة الناطقة بالعربية!!.. مما يدل على أنهم فعلاً هم بيادق شطرنج في أيدي الصهيونية العالمية وأعداء الإنسانية.
وللتذكير أيضاً أن قرارات ما يسمى بمجلس الأمن الدولي تمنع تعليم مادة الكيمياء والفيزياء في جامعات ومدارس العراق!.. وأنهم بواسطة اللجنة السيئة الصيت التي تحمل الرقم 661 والتي يسيطر عليها مندوبي أمريكا وبريطانيا قد منعوا مئات إن لم نقل آلاف المواد من الوصول إلى العراق ومنها أقلام الرصاص والأدوية التي تستعمل في معالجة الإصابة في أمراض القلب، كما منعوا دخول مواد كيماوية تدخل في صناعة مواد التنظيف والصابون، وكذلك مواد كيماوية تستعمل كمبيدات للحشرات التي تصيب الزرع، ومنع مواد تستعمل في تكرير البترول ومواد أخرى تستعمل في صناعة إطارات السيارات وقطع غيار كاللمبات وكابلات الكهرباء ومعدات كهربائية مختلفة من أجل الإنارة بالإضافة إلى منع مواد تعقيم المياه واللائحة يطول تعدادها هنا.. حتى وصل الأمر إلى نجاح العراق في الاعتماد شبه الكلي على موارده الأساسية للحصول على البديل وإن كان بدرجة أقل مبدئيا ولكنها تفي بالغرض ويمكن أن يتم تطويرها لاحقا، ومن خطة الاعتماد على الذات تم وضع مخطط الثورة الزراعية في كافة المجالات كي يحصل شعب العراق على المواد الأساسية للغذاء وهي الحنطة وكافة البقولات الأخرى، وذلك لم يعجب الأميركان والبريطانيين فقاموا برمي مشاعل حرارية من طائراتهم فوق المناطق الزراعية وتم إحراق آلاف الدونمات خلال فترات الربيع حيث تنبت كل المواد المزروعة، والكثير غير ذلك من أفعال شؤم تدل على الحقد الصهيوني على عراق الحضارات والتاريخ، من أجل إطالة أمد الحصار لغاية في نفس يعقوب كما يقال، ولا ننسى هنا بالتذكير أيضاً بأن عدداً من عناصر لجان التجسس التي كانت تجوب العراق طولاً وعرضاً عملت على التجسس لصالح الكيان الصهيوني في الوقت الذي استعمل البعض الآخر للقضاء على المحاصيل الزراعية العراقية حيث تم اكتشاف (جاسوس الجراد) (إيان دوتون) النيوزيلندي الذي كان يجلب معه الجراد لينشره في الأراضي الزراعية العراقية للقضاء على المحاصيل الزراعية!!..
ويعود الفضل في إعادة إعمار عراق الحضارات والتاريخ لعلماء العراق في هيئة التصنيع العسكري التي تحولت إلى هيئة تصنيع كل ما يهم احتياجات المواطن العراقي من التلفزيون (بغداد) و(القيثارة) بأحجام مختلفة إلى الثلاجات المنزلية والطباخ المنزلي وصولاً إلى اكتشاف مادة (أسود الكربون) التي تستعمل في تجميد إطارات السيارات حيث تصنيع إطارات (بابل) و(الديوانية)، كما تم البدء بتصنيع حافلات (باصات) بأحجام كبيرة، كذلك برز علماء الهندسة العراقيين الذين أعادوا بناء كل ما دمره الأشرار من جسور وشبكات الاتصالات وبدالات الهواتف وأهمها مركز اتصالات المأمون الدولي وغير ذلك الكثير، مما زاد من خوف أعداء الإنسانية بقيادة إدارة الشر الصهيو-أمريكية من الإنسان العراقي ومن علماء العراق الذين حولوا العراق إلى بلد يعتمد على التصنيع الذاتي رغم حاجته إلى معدات وأدوية وغير ذلك من مواد من بلاد أخرى مصنعة لها لا يمكن الاستغناء عنها في هذا العصر، مع التذكير بأن أي دولة في العالم ومهما كانت قوتها مثل أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا أو اليابان مثلا فهي لا تصنّع كل شيء بل تستورده من بلد آخر ومنها الأدوية والمعدات الطبية والسيارات والإطارات وغير ذلك الكثير..
واليوم وبعد غزو العراق واحتلاله بدأت قوى الشر هذه وبالتعاون مع قوى الظلام القادمة من وراء الحدود المجاورة باغتيال كل عالم وكل أستاذ جامعي وتدمير كافة المختبرات الطبية وغيرها من أجل تحقيق ما عجزوا عن تدميره بالعدوان الذي استمر طيلة حوالي ثلاث عشرة سنة من الحصار الجائر ومن ثم بالحرب العدوانية التي استعملت فيها أسلحة لم يكشف عنها تماماً وعن نوعيتها حتى الآن والتي أبيد فيها الحديد الصلب وعشرات الآليات المدرعة والدبابات في معركة المطار الشهيرة قبيل احتلال العراق!!.. وذلك من أجل تكريس الاحتلال الصهيوني في فلسطين العربية وجعله القوة العسكرية الوحيدة التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل في المنطقة العربية، ومنع تنفيذ القرار (687) الذي يدعو إلى إخلاء المنطقة من أسلحة لدمار الشامل!!..
وأخيرا علينا أن نتذكر حقيقة مركزية وأساسية، وهي أنه في الصراع القومي العربي مع الإمبريالية والصهيونية، أن المهم بالنسبة لهم دائما وأبدا، هو إبقاء حالة التخلف العلمي والتقني ملاصقة للمجتمع العربي، وحرمانه من أي إمكانات وفرص النهوض في هذا المجال، من هنا يمكن القول أن ما يسمى بالنظام العالمي الجديد يأتي لتحقيق هذه الغاية ليس في البلاد العربية فحسب بل في أرجاء العالم من أجل تسويق البضائع التي تنتجها الدول الصناعية السبع الكبرى.. إضافة إلى بيع ما تنتجه مصانع الطائرات المدنية الأوروبية والأمريكية والمصانع العسكرية المختلفة.. من هنا أيضا تأتي عملية إغراء واستقطاب الكفاءات العلمية العربية المهاجرة، يساندهم في ذلك غياب المناخ العربي الذي من المفترض أن يستقطبها إلى الداخل، بسبب الممارسات السياسية للأنظمة العربية غير الديمقراطية إضافة إلى غياب الحوافز المشجعة على ذلك.. ولعل من المفيد هنا التذكير بعمليات التصفية الجسدية الغادرة التي نفذتها أجهزة الاستخبارات الصهيونية والغربية ضد علماء عرب عديدين، مع أن ليس لهم أي نشاط أو اهتمام سياسي!!
فإلى متى سيستمر هذا الكابوس فوق رؤوس العرب، وإلى متى سيستمر التمادي الأمريكي في قهر العراق تحت سمع وبصر العرب وخوف غالبيتهم من الإدانة والاستنكار الأمريكية مع العلم أن دورهم لا مجال آت في التقسيم والتفتيت تحقيقاً للمشروع الصهيوني القديم المتجدد في إقامة حصون طائفية منيعة في لبنان وفي سوريا وفي الأردن وفي مصر وباقي البلاد العربية الأخرى للحفاظ على الكيان الصهيوني؟!!..