الطريق إلى الديمقراطية

فائزالبرازي/الإمارات *

إن للديمقراطية بشقيها السياسي والاجتماعي مرتكزات وأسس يجب أن تبنى. وهذا يعني أن الديمقراطية ليست أداة جاهزة معلبة تنتظر أن تستخدم فوراً، فتحل الديمقراطية المجتمعات وتؤدي إلى ازدهارها.

إن التوجه على طريق تحقيق الديمقراطية، الطريق الطويل الذي يجب أن يبدأ بخطوه تليها خطوات من العمل الجاد الواعي، بدون الغلو في تقديسها من حيث نظرتنا إلى ما يمكن أن يترتب على وجودها من نتائج. فنرى أن الديمقراطية إذا جاءت (ولا نعرف من أين تأتي وكيف) ستحل كل مشاكلنا. هذا النوع من التفكير الذي يسود عدداً من المثقفين والسياسيين يجب التوقف عنده. فاختزال المشكلة بأن الديمقراطية أساسية لحل مشاكلنا هي مشكلة بحد ذاتها، كما أن شكل ومفهوم ومضمون الديمقراطية المطلوبة هو "الديمقراطية الغربية" دون الأخذ في الاعتبار الوقائع التي نعيشها: كالأمية، والريفية، والعشائرية، والطائفية، والمناطقية.. الخ. كما لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن "الديمقراطية الغربية" الظاهرة لنا الآن، كان لها مسيرة شاقة وطويلة خلال أكثر من 500 عام مضى. كما أن المستوى الثقافي للشعوب يحدد "وتيرة" استيعاب التعاطي في الأمور في المجتمعات الديمقراطية.

فكيف يمكن تعبئة الوعي دون الأخذ بعين الاعتبار الأرضية "المعرفية" بشكل عام، و"الأمية" بشكل خاص؟ كما لا بد من الإنتباه إلى "سلطة المال" الذي يغري ويغوي الرأي عند بعض المثقفين فما بالنا بتأثير ذلك على الفئات العادية التي لا تملك الأرضية المعرفية والواعية.

ومعظم الباحثين والمهتمين بالشأن العام في الغرب وفي الشرق ينبهون إلى خطورة سيطرة رأس المال بشكل عام والشركات الكبرى بشكل خاص على مقومات الحياة الديمقراطية وسرقة حقوق الإنسان، حتى قبل وبعد التخلص من سيطرة الأنظمة والسلطات على المجتمعات.

فالديمقراطية ليست حرية أحزاب سياسية وانتخابات فقط، بل هي حضارة وتفاصيل حضارية تبدأ من: التعليم، والصحة، والثقافة، والفنون، والعمران، وتنتهي بأدق التفاصيل اليومية. الديمقراطية ليست وجاهة اجتماعية، بل هي رقي حضاري، وإذا لم تحقق ذلك فستكون عبئاً سياسياً جديداً على المجتمعات الشرقية ، وستتحول إلى "مادة استهلاكية" سياسية للتنفيس ونفخ العقد السياسية ودفعها إلى السطح.

الديمقراطية خيار داخلي حضاري عميق، وليس تنقيات وترقيعات سياسية، الديمقراطية أول مفاتيح الحضارة المعاصرة. إنها ليست ولا يمكن أن تكون "ديمقراطية السادة والنخبة" وهذا ما يوضحه (روجيه غارودي) في كتابه (أمريكا طليعة الإنحطاط): فهو يتساءل:

(ماذا يعني إعلان، "حق العمل"، إذا كان النظام يشمل ملايين العاطلين الذين لا يتوقفون عن الزيادة؟ وماذا يعني، "حق الإقتراع" وقد حلت الورقة المالية محل ورقة الانتخاب منذ وقت طويل؟ وماذا يعني المطالبة "بحقوق الإنسان" و"بالمساواة الكاملة أمام القانون"؟ للمليونير والفقير معاً الحق المتساوي في إصدار صحيفة أو إقامة محطة تلفزيونية، ولكن ماذا عن القدرة على ذلك؟ كذلك تمنع تلك "المساواة أمام القانون" المليونير والفقير من سرقة رغيف الخبز وهما سيواجهان عقوبة واحدة لكن ماذا عن حاجة كل منهما لذلك؟).

وأتساءل حقيقة، ويجب أن نتساءل جميعاً: كيف نفهم ديمقراطية يدفع فيها المرشح للمجلس النيابي في بعض البلدان العربية الملايين كتكلفة انتخابية ليكون "ممثلاً للشعب"؟ وكيف في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عام 2003، يدفع المرشح 12 مليون دولار كحد أدنى كتكلفة انتخابية ليكون "ممثلاً للشعب"، وأحياناً يدفعها كلها من ماله الخاص، وأحياناً تقوم اللوبيات بالمساهمة الكبيرة في الدفع، كاللوبيات (الصهيونية، لوبي الأطباء، لوبي النفط، لوبي الصناعات العسكرية، لوبي تجار الأسلحة، لوبي شركات التأمين.. الخ..) طبعاً مقابل شروط واجب تنفيذها عند فوزه.

وهنا نتساءل: هل هذه اللوبيات أو المرشحين للنيابة عن الشعب أصحاب "جمعيات خيرية" منشأة لخدمة الشعب وتمثيله والدفاع عن حقوقه؟؟.

والواقع أن المشكل الرئيسي الذي يواجه البلدان المتخلفة أو ما يسمى "بدول العالم الثالث"، هو مشكل (الانتقال إلى الديمقراطية) نتيجة التعقيدات المرافقة التي تتحكم به وعمليات المد والجزر التي تلازم محاولات تجاوزه، وارتباطه بمعطيات داخلية وإقليمية ودولية، وبمشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية. إنه مشكل بأبعاده النظرية والعملية المتداخلة ، وبعوامله الذاتية وعوامله الموضوعية.

كيف يمكن "الانتقال إلى الديمقراطية"؟ تساؤل نظري يجب الإجابة عليه مع رفعه كشعار ومطلب، خاصة أن الديمقراطية هي وليدة تطور الأوضاع الصناعية الرأسمالية في أوروبا، وفي مجتمعات تعيش أوضاعاً تنتمي إلى ما قبل الرأسمالية أو إلى اقتصاد الدولة أو إلى أوضاع خليطة بين الإثنتين.

والمشكل العملي بالانتقال إلى الديمقراطية في بلدان ينبىء الحكم فيها على أسس غير ديمقراطية، يعبر عنه أن الانتقال من الحكم اللاديمقراطي إلى حكم ديمقراطي يفترض: إما أن يتولى الحكام بأنفسهم القيام بعملية الانتقال، أي أن يتنازلوا عن سلطاتهم وامتيازاتهم برغبة منهم، وهذا إن حدث فهو استثناء وليس القاعدة. وإما إجبارهم بوسيلة من الوسائل على التنازل، وهذا يتطلب قوى ديمقراطية في المجتمع قادرة على فرض الديمقراطية في الدولة والحفاظ عليها والحيلولة دون قيام نوع آخر من الحكم اللاديمقراطي.

وبالنتيجة فإن "الانتقال إلى الديمقراطية" يطرح من الناحية العملية أحد خياريين:

1 - إما (التدرج) وذلك بالعمل على فسح المجال للقوى الديمقراطية في المجتمع، لتنمو وتترسخ وتهيمن، ومن جهة أخرى بدفع الدولة وحثها للانتقال إلى دولة مؤسسات تمثيلية حقيقية مع ما يتطلب ذلك من أمور كثيرة منها: إطلاق الحريات، وفصل السلطات، ومجالس برلمانية مختارة وتمثل الشعب بفئاته وخياراته الحرة نسبياً، وقضاء نزيه عادل،.. الخ..

2 - وإما بحمل الحاكم على التنازل تحت ضغط القوى الديمقراطية، أو بإزاحته من قبل هذه القوى. والمشكل هنا في هذا الاختيار (الإزاحة)، هو أن القوى الديمقراطية لا تتمكن من إسقاط الحاكم، إلا إذا تحولت إلى قوى (غير ديمقراطية)، كأن تتحول إلى قوى منظمة سرية عسكرية الطابع، أو إلى قوى هائجة غير منظمة تخطو نحو المجهول.

وهذا يعني في رأيي أن (التدرج) أسلم وأضمن. والمسألة هنا هي مسألة "انتقال" متدرجة تتطلب وقتاً ومراحل. وبكل ما تتضمنه من إمكانية حصول انتكاسات لمسار التدرج الديمقراطي نتيجة تحول القوى الوطنية المعارضة المتحركة في الشارع، إلى قوى غير ديمقراطية، بعد إسقاط الحكم اللاديمقراطي، إما بعودة الجيش للسيطرة على السلطة، أو بعجز الأحزاب والقوى الديمقراطية نفسها عن الانصياع للديمقراطية نفسها وضبط قواعد الديمقراطية.

والأمثلة كثيرة على ذلك: السودان، الجزائر، تونس، المغرب، زائير، الكونغو، أنغولا، تشيلي، الأرجنتين، فنزويلا، باكستان، تايلاند.. الخ..

فالمسألة الديمقراطية لا يمكن طرحها طرحاً جدياً وواعياً وبناءً، إلا من خلال النظر إلى الواقع ودراسته ومعالجته والبناء عليه، وليس من خلال التنظير للديمقراطية بالهروب من الواقع أو بالقفز عليه. هذا وحده الكفيل بالتوجه بالديمقراطية من خلال وضعها المأزوم ، لبناء خطاب يفتح آفاقاً نظرية إيجابية، ويطرح إمكانيات التحقيق الفعلي للممارسة الديمقراطية "كأداة" لنظام سياسي اجتماعي اقتصادي.

ولا بد لدراستنا للواقع، التعرض لجملة أمور ومعطيات متلازمة ومترابطة في واقعنا وفي تطورنا وخطواتنا على طريق الديمقراطية.

لا بد من التعرض لنقاط هامة أرى أنها تتلخص في التالي:

1 - التخلف والديمقراطية (دراسة التخلف).

2 - التنمية والديمقراطية. (تنمية الموارد البشرية، علاقة التنمية البشرية بالتنمية الاقتصادية، تنمية الموارد الاقتصادية، إشكاليات التنمية العربية).

3 - التربية الاجتماعية: تنشئة وثقافة. (خصائص التخلف الاجتماعي، عوامل تخلف العقلية، التربية والتنشئة، التربية الأسرية والتنشئة الاجتماعية).

4 - السلطة والمجتمع: (تعقيدات السلطة ومفهومها الشامل- كل سلطة من الأسرة حتى الحكم)، (إشكاليات السلطة والحكم والعلاقة الجدلية مع المجتمع، المواطنة وحقوق الإنسان واجبات وحقوق، العلاقة بين الأكثرية والأقلية) وهذه الأمور سأتناولها لاحقاً.

* البحث: (تلخيص للباب السادس من كتابي (نعم للديمقراطية.. لا للديمقراطية) مرحلة ما قبل النشر..