فشل أميركي في "مكافحة الإرهاب"
رياض أبو ملحم/كاتب وباحث من لبنان يقيم في باريس
في الذكرى الثالثة لأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، هناك الكثير مما يمكن أن يقال وينبغي أن يقال.
ولعل أول ما يجب قوله في هذا المجال هو إن تعامل الإدارة الأميركية مع هذا الحدث الكبير ونتائجه المروعة، لم يخرج عن الإطار الأمني البحت، الأمر الذي كان له تداعيات خطيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وربما لهذا السبب بالذات تراجع التعاطف الدولي مع الولايات المتحدة الذي برز بقوة بعد 11 أيلول/سبتمبر، لتحل محله شكوك كبيرة، ليس فقط حول أهداف السياسات الأميركية التي ظهر منها الكثير السيء خلال السنوات الثلاث الماضية.
وإنما أيضاً حول ظروف وملابسات ذلك الحدث نفسه بعدما جرى تسليط الأضواء عليه من أطراف عديدة ووضعت أمامه علامات استفهام لافتة، وهو أمر طبيعي ومنطقي في مثل هذه الحالات.
داخلياً، قاومت إدارة الرئيس جورج بشدة المحاولات الرامية إلى تشكيل لجنة وطنية للتحقيق في الملابسات التي سمحت بوقوع الحدث الجلل. أي من الناحية الأمنية فقط. وبعدما جرى تشكيل هذه اللجنة في نهاية الأمر تبين أن ثمة عجزاً فاضحاً لدى الأجهزة الأمنية الأميركية، برغم ما ينسب إليها دائماً من إنجازات أسطورية، وما يضفي عليها من أوصاف ترفعها إلى منزلة الكمال والتفوق اللامحدودين.
وإذا كانت لجنة التحقيق شخّصت هذا العجز من الناحية الفنية وربطته بعوامل مثل التعدد والتنافس وعدم التنسيق بين الأجهزة، فإن ثمة من يضع الأمر كله ضمن دائرة الشكوك، خصوصاً بعدما كشف "اسرائيليو" البيت الأبيض، أو من يطلق عليهم اسم "المحافظون الجدد"، عن وجود أجندة خاصة بهم تتمثل في مشاريع واسعة وخطط جاهزة للتنفيذ منها إحكام الولايات المتحدة سيطرتها المباشرة على ما عرف لاحقاً بـ "الشرق الأوسط الكبير"، وتمكين "اسرائيل" من تصفية القضية الفلسطينية وحسم الصراع العربي ـ "الاسرائيلي" نهائياً لمصلحة "الدولة العبرية".
بيد أن نقاشا سياسيا جديا ومسئولا لم يجر على أي مستوى من المستويات الأميركية بهدف البحث في خلفية اعتداءات 11 سبتمبر ودوافعها الحقيقية، باستثناء أحداث قليلة وخافتة حاولت أن تضع السياسات الأميركية في دائرة الاتهام أيضا، إلى جانب مسؤولية الجهة أو الجهات المنفذة، فقد حالت حملات التحريض وإثارة المشاعر القومية والدعوة إلى الانتقام، تحت شعار "مكافحة الإرهاب" دون فتح أي حوار عقلاني مسؤول على المستوى الوطني.
وترافق ذلك كله مع إجراءات قمعية داخلية واسعة طالت الآلاف من العرب والمسلمين، وحدت من الحريات العامة، على نحو كاد أن يحول الولايات المتحدة من دولة تتميز بديمقراطياتها وحرياتها وبالمباديء الضامنة للمساواة بين مواطنيها، إلى واحدة من ديكتاتوريات العالم الثالث، سيئة الصيت.
مقدمات الحملات العسكرية
ومن الواضح أن هذه التعبئة الداخلية ذات المرتكزات الأيديولوجية الصارمة والتي تجلت خصوصا في خطب الرئيس جورج بوش وفي الأفكار المعلنة لبعض المنظرين من المحافظين الجدد، لم تكن سوى التمهيد الضروري للحملات العسكرية اللاحقة، ابتداء بالحرب على أفغانستان، الموقع الرئيسي لتنظيم "القاعدة" الذي أعلن مسؤوليته عن تنفيذ اعتداءات نيويورك وواشنطن.
وصولا إلى الهدف الأميركي الأبعد وهو غزو العراق، ذلك إن المطلوب هو تحويل هذا البلد النفطي البالغ الأهمية إلى قاعدة أميركية متقدمة يجري استخدامها لإحكام السيطرة على دول المنطقة كلها بعد إطاحة أنظمتها المتمردة على النفوذ الأميركي، وكما أن "لاسرائيل" دورا رئيسيا في التحريض على غزو العراق، عبر محافظي البيت الأبيض.
ومن خلال المشاركة العملية في فبركة الذرائع المتعلقة بتبرير الذرائع المتعلقة بتبرير الحرب العدوانية، كان من الطبيعي أن يكون لها حصة كبرى من الغنائم المفترضة، ليس فقط بتصفية القضية الفلسطينية وإقامة "اسرائيل الكبرى"، وإنما أيضا بتدمير العراق: دولة وجيشا ومجتمعا وتطورا علميا، وهو هدف استراتيجي لا يقل أهمية عن الهدف المتمثل بإقامة "الدولة اليهودية" فوق كامل ارض فلسطين.
قبل الحادي عشر من أيلول/سبتمبر لم يكن لدى الرئيس جورج دبليو بوش برنامج واضح معلن في شأن سياساته العالمية المستقبلية باستثناء أفكار متناثرة تضمنها برنامجه الانتخابي عام 2000 حول تعزيز قوة أميركا وإبراز سلطتها الأحادية في العالم كله.
والتخلص من كل المعاهدات السابقة مع الاتحاد السوفييتي التي تحد من نفوذ الولايات المتحدة، لذا كانت إدارته تحتاج إلى عدو ظاهر، بدلا من الشيوعية العالمية والاتحاد السوفييتي، حتى يستطيع "المحافظون الجدد" الانطلاق بقوة في الاتجاهات المرسومة وهكذا بات "الإرهاب" هو العدو المعلن، وبما أن الإرهاب ليس دولة معينة تتحمل وحدها مسئوليته، فقد كانت لا بد أن تكون الحرب المعلنة عليه شاملة كل بقعة من بقاع العالم، لاسيما المناطق التي ينتمي منفذو اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر إلى شعوبها، أي العالم العربي والإسلامي.
وكما هو معروف، فإن العراق لم يكن بين الدول المتهمة، باحتضان الإرهاب أو تصديره، لكن الكلام الذي كان يتناوله في تلك المرحلة أظهره وكأنه يشكل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة، فضلا عن دول الجوار، وذلك بفضل أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها، ثم أضيفت إلى هذه التهمة واحدة أخرى تناسب حملة الترويج الأميركية وهي وجود علاقة للنظام العراقي السابق بتنظيم "القاعدة" بحيث يصبح مشمولا بحملة مكافحة الإرهاب المنطلقة بقوة في مختلف الاتجاهات.
وفي الواقع فإن تنظيم "القاعدة"، وكذلك المجموعات الأخرى المرتبطة به في شكل أو آخر، لم يزعجها هذا التفسير الأميركي الذي يجعل منها طرفا في استهدافات الغزو الأميركي للعراق، ذلك أنها كانت تريد - وقد أعلنت ذلك بصراحة - فتح جبهة جديدة ضد القوات الأميركية بعدما ضاقت أمامها جبهة أفغانستان ولم يعد يتسنى لها الالتحام مع قوات الغزو الأميركية في معارك مباشرة وهكذا كانت الأراضي العراقية الشاسعة، الساحة المثالية لهذا الغرض بالنسبة لها، فقد سقطت بغداد بسرعة، وانهارت مؤسسات الدولة ودبت الفوضى العارمة في كل مكان.
ولا حاجة إلى القول إن مثل هذه الظروف تشكل الوضع المثالي بالنسبة لأية مجموعات متمردة فضلا عن أن إقدام سلطة الاحتلال على حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية الأخرى، فتح الباب أمام تعاون مجموعات القاعدة مع الجماعات المحلية الناقمة وأنصار "النظام السابق" لتتشكل من هذا الخليط مقاومة عراقية تضم آلاف المقاتلين المسلمين بأسلحة خفيفة وثقيلة متنوعة، يشد من عزيمتهم العداء للولايات المتحدة والرغبة في الانتقام من القوات الغازية، وإفساد المشاريع الأميركية التوسعية.
المنطقة بين مشروعين
إن تطور المواجهات بين الطرفين على النمو الذي سجلته أحداث الخمسة عشر شهرا الماضية، يبين أن المغامرة الأميركية المتمثلة خصوصا بغزو العراق، وضعت المنطقة كلها بين مشروعين مدمرين:
- المشروع الأميركي بتحويل العراق إلى قاعدة أميركية متقدمة للاستيلاء على المنطقة وإحداث تغييرات جذرية فيها تستجيب للمصالح الأميركية - "الاسرائيلية" المشتركة.
- ومشروع الأصولية الإسلامية "من بن لادن إلى الزرقاوي، وإلى كل من قد تنتجه التطورات اللاحقة" لإيجاد قاعدة أساسية ثابتة تستخدمها في مواجهة الاستعمار الأميركي، ليس في العراق وحده وإنما في أنحاء المنطقة برمتها، من الواضح إن فتح جبهة العراق سهل مهمة التنظيمات الأصولية التي وجدت نفسها محاصرة في جبال أفغانستان أو تواجه القوات الباكستانية التي تقوم بدور التصدي لأنصار "القاعدة" بدلا من القوات الأميركية التي ترابط في قواعد محصنة أو تقوم بدور المساندة عبر القصف الجوي.
ولقد بات من الواضح الآن أن المشروع الأميركي يتراجع باستمرار تحت تأثير الضربات التي تتلقاها قوات الاحتلال على نحو متزايد، برغم الإعلان عن تسليم السلطة إلى العراقيين في مطلع يوليو الماضي، بيد أن المحللين لا يتوقعون انسحابا أميركيا من العراق في وقت قريب، لأسباب أميركية وعراقية في الآن ذاته.
لكن ثمة من يعتقد بأن انتخابات الرئاسة الأميركية التي ستجري في الثاني من نوفمبر المقبل ستشكل محطة فاصلة بالنسبة لمستقبل التدخل الأميركي، إذ أن هناك تباينا واضحا بين تصورات كل من جورج بوش ومنافسه جون كيري فيما يتعلق بالخروج من المأزق العراقي، من جهة، وكيفية التعامل مع مشكلة الإرهاب في العالم من جهة أخرى.
ففي حين تعني عودة بوش استمرار الكثير من الارتباطات والعلاقات التي نسجتها عصابة المحافظين الجدد تحت شعار مكافحة الإرهاب، فإن كيري سيبدأ بداية جديدة وينفذ أجندة مختلفة دون أن يعني ذلك إحداث انقلاب كامل في السياسة الخارجية الأميركية لأن ذلك يتجاوز قدرة الرئيس الجديد، خصوصا فيما يخص الورطة الأميركية في العراق وموضوع الإرهاب وتعقيدات "أزمة الشرق الأوسط".
ومن الآن وحتى موعد إجراء الانتخابات الأميركية، سيشهد العراق مزيدا من الضغوط الميدانية المتبادلة، وسيدفع العراقيون ثمن هذه المواجهات الضارية من دمائهم وأمنهم واستقرارهم، وهو ما تتحمل إدارة الرئيس جورج بوش مسؤوليته في الدرجة الأولى.
خلال القمة التي عقدت في مدريد وضمت، إلى رئيس الوزراء الإسباني لويس ثباتيرو، كلا من الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر، بدا الرئيس الفرنسي في غاية القلق من تطور الوضع العراقي حيث قال: "أعتقد أننا، بشكل أو آخر، فتحنا في العراق منبعا لكل البلايا والشرور ونعجز عن إقفاله". وأكد شيراك عدم وجود نية لدى أي من الأطراف الثلاثة لتغيير موقفه حيال الوضع العراقي. وهذا يعني بقاء الولايات المتحدة وحدها "لتقلع شوكها بيديها".
بوش.. والأمن الوهمي
يكرر الرئيس جورج بوش دائما في كلماته المكتوبة، خصوصا في موسم الانتخابات الحالي، "إن الولايات المتحدة والعالم باتا أكثر أمناً في أعقاب 11 أيلول/سبتمبر 2001"، وذلك بفضل حملته العسكرية ضد الإرهاب.
وبالفعل يبدو هذا الكلام مضحكا وينطوي على دعابة ساذجة. فالإدارة الأميركية نفسها تزرع الخوف والرعب في نفوس الأميركيين بفعل الإعلانات اليومية التي تبثها عن احتمال إقدام "الإرهابيين" على تنفيذ عمليات جديدة داخل الولايات المتحدة أو ضد أهداف أميركية في دول أخرى. وهذا سبب كاف، في حد ذاته لجعل الأميركيين قلقين باستمرار ولا يستطيعون ممارسة حياتهم في صورة طبيعية.
وفوق ذلك فإن إدارة بوش تتصرف وكأن ما يحدث للجنود الأميركيين في العراق أو في أفغانستان ليس جزءا من المشكلة، وبالتالي لا يجب أن يثير قلق الأميركيين في الداخل. فهل يمكن أن يكون الموت في العراق من أجل إرضاء نزوات "المحافظين الجدد" ومصالح "اسرائيل"، أهون على الأميركيين من الموت في أمكنة أخرى؟!
هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن ما يحدث في روسيا وفي مواقع أخرى من العالم، لا يشير أبدا إلى نجاح أميركي في مكافحة الإرهاب، بل على العكس من ذلك يؤكد اتساع نطاق هذه الظاهرة واتخاذها منحى أشد خطورة من السابق.
ويتفق المحللون على أن السبب الرئيسي في هذا التطور السلبي يعود إلى رفض الإدارة الأميركية بحث الجوانب السياسية المتعلقة بأحداث 11 أيلول/سبتمبر وبموضوع الإرهاب في صورة عامة فهناك إصرار أميركي كامل على اتباع سياسات معادية لحقوق الشعوب وداعمة لمغتصبي هذه الحقوق، كما هو حال الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لإبادة جماعية من قبل "اسرائيل"، بينما توفر واشنطن حماية كاملة للعدوان "الاسرائيلي".
ويمكن الاستنتاج بأن السلوك الأميركي شجع روسيا على اعتماد سياسة مشابهة في بلاد الشيشان، ما أدى إلى استفحال ظاهرة الإرهاب واتخاذ منحى كارثيا كما حدث في مدرسة بيسلان في أوسيتيا الشمالية. ومع أن بوش قد يشعر ببعض الغبطة وهو يرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يزداد تورطا في المواجهة مع متمردي الشيشان، لكن ذلك يشكل دليلا جديدا على فشل سياساته التي يجسدها شعار "مكافحة الإرهاب". وإن كان الرئيس الأميركي يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة المرة.
إلى ذلك، لابد من القول انه إذا كان اتساع نطاق الإرهاب في العالم هو النتيجة الأولى والطبيعية لسياسات الهيمنة الأميركية في العالم كله بعامة، وفي منطقة "الشرق الأوسط الكبير" بخاصة، فإن النتيجة الثانية تتمثل في تعطيل دور الأمم المتحدة وإلغاء صمام الأمان الذي تشكله حيال النزاعات الدولية. لقد غزت الولايات المتحدة العراق من دون موافقة المنظمة الدولية، لكن الإدارة الأميركية اضطرت للعودة إلى الأمم المتحدة عندما وجدت نفسها محشورة في بلاد الرافدين وبحاجة إلى إخفاء نوع من الشرعية على وجودها الاحتلالي هناك.
بيد أن هذه العودة القسرية لا تحمل أية دلالة على تبدل حقيقي في النهج الأميركي حيال التعامل مع المنظمة الدولية ودورها الأممي المفترض. إذ أن واشنطن كانت ولا تزال تمنع مجلس الأمن الدولي من اتخاذ قرار بتوفير الحماية للشعب الفلسطيني من العدوان "الاسرائيلي" المستمر عليه وبوقف عمليات التدمير المنهجية التي تنفذها قوات الاحتلال ضد منازل الفلسطينيين ومصانعهم وأشجارهم ومصادر رزقهم.
وليس من شك بأن ازدواجية المعايير التي تتخذها الإدارة الأميركية قاعدة لسياساتها الخارجية هي التي أوصلت العالم إلى حالة الفوضى الراهنة، حيث يسود العنف وتتسع دائرته.
فكيف يدعي جورج بوش "أن العالم بات أكثر أمنا" بفضل سياساته؟!