العدوان الأمريكي ـ الصهيوني

الجديد / القديم على العراق

المعايير الفكرية لقناعات الرئيس الأمريكي السياسية

الحلقة الأولى

باقر الصراف/عراقي يقيم في هولندا

ماذا نشاهد في العراق بعد تشكيل حكومة أياد علاوي مباشرةً، التي كان تاريخ تشكيلها الأسبوع الأول من شهر حزيران عام 2004، واِنكشاف زيف التضليل التي مارسته الأمم المتحدة عبر مندوب أمينها العام الأخضر الإبراهيمي، ومجيء ((المتعاون)) مع أجهزة المخابرات المتعددة: المعلن والمعروف على نطاق عالمي، والمعترف على نفسه وبلسانه بالذات السيد إياد علاوي: رئيساً للحكومة، وهي المرة الأولى التي يتبوأ بها ((حاكم عربي)) منصبه بواسـطة القوات الأمريكية المحتلة، أو للمرة الأولى بشـكلٍ معلن، أي بعد العيش غير المباشـر في ظل الاستعمار العالمي، و((إختيار الحاكم)) المتعاون بشكل كلي أو جزئي وصولاً إلى الانتقال لمرحلة العيش تحت ((بركات)) الحكم المباشـر للغزاة المحتلين، وتنصيب الحاكم من قبل المحتلين أمام الملأ وعلى الملأ؟.

هي مرحلة سوداء اِنتهت لفظياً ودعائياً إذ سيحل السفير الأمريكي محل بريمر بعد حكمه الجلف المليء بالسرقات، [1]، ولكن ما سيعقبها يُعَد تطوراً نوعياً في خضوع العراق القسري على يد الغزاة الأمريكيين، أي ربما تكون هي الصفحة الأخطر من التطورات إذ ستلبس قوات الغزو والاحتلال قفازات ((عراقية)) بغية تنفيذ مشـاريعها السياسية وتيسير قمعها وتبرير قتلها المنظم والعشوائي، وتتستر بـ((القوات المتعددة الجنسية)) التي أضفت عليها الأمم المتحدة ورقة التوت لستر عوراتها الكثيرة بحق العراق، من ناحية، وبهدف التضليل السياسي وتمرير الأهداف السياسية الأمريكية، من ناحية أخرى.

لذا، يجدر بكل الوطنيين رصد ما تركه الاِحتلال العسكري المباشر على العراق، لكي تبقى الذاكرة الوطنية العراقية متقدة بأيام كالحة السواد مرت بالعراق، وستمر ذيولها المأساوية على المجتمع العراقي حتماً، بغية وضع بعض العراقيين الحركيين: ـ ومفهوم الحركيين مستمد من واقع عملاء الإستعمار الفرنسي في الجزائر قبل تحريرها ورحلوا بمعيته، وأهملهم الفرنسيون بعد ذلك على ضوء إنتهاء مهمتهم ـ الذين يخدمون القوات الغازية المحتلة، والعرب الرسميين المتآمرين مع أسيادهم الأمريكيين، في تدمير العراق: الحاضر والمستقبل كمحاولة عملية لإدارة الوضع السياسي والإداري في العـراق، والإِسـهام في صياغته رسمياً لصالح الرؤية الصهيونية على ضوء اسـتخذائهم المشين.. وضعهم في صورة الماضي القريب وحاضره المريب، وهو ما يفرض على الوطنيين العراقيين رصد تطورات هذا الواقع على كل الصعد، سيما بعد أنْ سبق لهم أنْ رصدوا واقع المقاومة الوطنية الشعبية العراقية، كما ورد في اِفتتاحيات ((نداء المقاومة)) المناضلة، الذي سنصدره ملحقاً ثانياً للنداء، وكذلك في الملحق الأول لذلك الصوت والمعنون: المقاومـة خيار موضـوعي وليس إِختياراً ذاتياً، [2].

ولكن باديء ذي بدء، وقبل التناول التفصيلي لعمليات تخريب العراق على كل الصُعُد، لا بد من إلقاء نظرة فاحصة على معيارين اِثنين يكشفان الدور الأيديولوجي والسياسي للحرب العدوانية على الدولة العراقية:

الأول ـ للرئيس الأمريكي جورج بوش، الرمز المعبر عن نهج المحافظين الجدد: المسيحيين المتصهينيين، الذين خدموا كيان الاِغتصاب الصهيوني بحربهم على العراق من الألف إلى الياء.

والثاني: النظام الرسمي العربي ودوره في التمهيد للغزو إلى العراق وكم ونوع التسهيل الذي قدمه للجهد الأمريكي على الأرض بغية إِنجازهم الهدف الإستراتيجي الأمريكي ـ الصهيوني.

* ـ المعيار الأول: الإيمان الديني الأيديولوجي لجورج بوش: كونه ذلك ((الإيمان)) أحد سمات القيادة الأمريكية على مر تاريخ صيرورتها السياسية الراهنة، ولكن كيف تكون مفهوم الرئاسة الأمريكية وكيف تبلور دورها السياسي ؟ لقد تشكل ذلك المفهوم من خلال إرتكازه البنيوي على ثلاثة محددات إجتماعية لعبت دوراً كبيراً في رسم وعي الآخرين عن ماهية الحياة الأمريكية ودور رئاستها في الحياة العملية، إذ أنَّ كل شيء ينبغي النظر إليه من موشورها، أما هذه المرتكزات فهي ثلاثة:

الثروة المالية التي يتم جمعها بأية طريقة أتت، سواء عن طريق الغزو والنهب والاستحواذ: الاستيلاء على الغرب الأمريكي ـ وهم المتحدرون من أوروبا ـ ابتداءً، والاستغلال: جلب العبيد من أفريقيا والمتاجرة بهم. والعمل: الرأسمالي حيث سادت النهضة الصناعية والزراعية على خلفية إختلاط معيارين هما المغامرة والتطوير. ومن ثم تطور الأمر إلى الاستيلاء على ((حقوق)) الآخرين من ثروات الشركاء والأشقاء: المستعمرات الأوروبية في القارة الأمريكية الجنوبية، وشركات النفط، ومحاولات الهيمنة العالمية وتيسير سبل إحتكاراتها بعد الحرب العالمية الثانية خصوصاً، وصولاً إلى الهيمنة التامة على العالم عبر نظام العولمة الذي يعني بالنسبة إليها سيادة شركاتها على كل شيء، وجعل الوضع العالمي على الشكل المنفرد من قبلها على ضوء تغييب المعسكر الشرقي بقيادة روسيا.

* ـ ومن الطبيعي أنْ يكون لكل مجتمع إنساني مهما كبر أو صغُر قيادة تسيِّر أموره: قسراً أوتوقراطياً أو تشاركياً ينبني على المساواة عبر إداء الواجبات ونيل الحقوق، كما هو الحال في المجتمعات القبلية القديمة، أو ((النظام السياسي الديموقراطي)) مثلما هو المجتمع الغربي الشمالي والأمريكي، على سبيل التحديد والحصر، أو عبر الإستيلاء على السلطة السياسية من خلال الحزب أو المجموعة الطائفية أو الأثنية أو القبلية، ومثاله الواضح في الدول الشرقية السابقة المسماة إشتراكية، وفي العديد من بلدان العالم المتخلف الذي سميَّ تأدباً أو خداعاً بالعالم النامي. كان مفهوم الدولة هو التطور الأكثر ملائمة لكل الشعوب. وحول هذا المفهوم نمت مفاهيم الاستقلال الوطني والسيادة السياسية الوطنية وإقامة شكل النظام الخاص بها.

لقد ارتبط صعود التيار السياسي المعين في أية دولة تتخذ النظام السياسي الديموقراطي في سدة السلطة على ما يتوفر لذلك التيار من قوة رأس المال في المجتمع: الثابت والمتحول. ونتيجة آليات واسعة وعمليات كثيرة، شابتها العديد من العراقيل وانتابها الكثير من الأزمات، حدث اندماج بين الثروة المالية والسلطة السياسية، ولعب ((الفكر السياسي والفلسفة التي يقوم عليها)) و((التنظيم على كل الصُعد)) و((التطور التقني في المجالات الصناعية والزراعية)) و((نظام الاتصالات عبر الأقمار الصناعية)) و((الإعلام والدعاية وجبروتهما على خلفية تدفق المعلومات)) و((الوفرة الرأسمالية وإحتكاراتها)) الدور المميز في إحداث ذلك الاندماج.

لم تلعب الأيديولوجية الدينية الدور الأساس في وعي ذلك التيار، ولكنه كان ينمو في أحشاء ذلك التطور، حتى مجيء الإدارة الحالية برئاسة جورج بوش التي شكلت تلك الأيديولوجية الدينية طفرة نوعية في موقعها، وكان نصلها الأساس المفاهيم التي أرساها المحافظون الجدد: المسيحية المتصهينة التي يلتزم بها الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش، وهي ما تتعاكس مع مفاهيم البراغماتية الأمريكية التي سادت سابقاً في الوعي الفكري والسياسي الأمريكي العام، مما يجعل هذا الإتجاه يعيش في حالة القلق على موقعه في أمريكا.

[1] ـ ((من منكم لا يتذكر قبلة الغرام الساخنة التي أعطاها السيد، والدكتور، وعضو مجلس الحكم، وعضو المؤتمر الوطني أبو الألف، ووالد الوزير، وعضو المجلس الشيعي الأعلى والقائمة ستطول حتما (محمد بحر العلوم) إلى حبيبه ورفيقه والذي لم يتحمل زعله عندما زعل على عدم اِسـتيزار نجله في أول يومين لتنسيب الوزراء المدعو (بول بريمر)،،،، كانت الولائم على قدم وسـاق من الدولمة، والفسنجون، والتشريب، والعنبر، والفستق الإيراني في منزل السيد بحر العلوم وعلى شرف بول بريمر والجنرال (مجرم أبو غريب) سانشيز.. واليوم فجأة يكشـف لنا بحرالعلوم أن بول بريمر لصٌ محترف، وإنسان ديكتاتور، ورجل غير مهذب، ولم يعرف الإنسانية، واليكم ما جاء على لسان بحرالعلوم إلى صحيفة (البينة) العراقية ((أنَّ السرقات تمت من خلال مسؤولين أميركيين تولوا مناصب رسمية في العراق بعد سقوط النظام .... وأنَّ الحاكم المدني (بول بريمر) الذي انتهت ولايته بعد تسليم السلطة للعراقيين (بالمشمش) قام بسرقة أكثر من (250) مليار دولار من أموال العراق ممثلة بأرصدة نقدية وكميات كبيرة من الزئبق وغيرها من الموجودات.. وقال: غادر بريمر العراق بعد أن حوله إلى دولة خاوية الميزانية.. ويقول صاحب القبلة الساخنة إلى بريمر.. أن بريمر مارس تسلطا وديكتاتورية على أعضاء مجلس الحكم تفوق "ديكتاتورية صدام".. وقال معلقا:،،،،، لو كان بيد بريمر أن يمنعنا من شرب الماء لفعل!!!!!!!!!!!!!!!).. رغبت أن أقول بلا تعليق، لكن لا أحتمل ،،، لهذا أقول للسيد بحر العلوم وباللهجة العاميّة العراقية (وشنو اللي خلاك لازك بالمجلس يا سيدنا.. أين الكرامة والمراجل وحوبة العمامة!!!! ؟).. كيف يُراد من العراقيين احترام هكذا مجلس، وهكذا أعضاء بربكم؟.

وكيف تحتـرمهـم نسـاؤهــم، وقبائلهـم طبعـاً إنْ كانـت هـنـاك قبائـل جرارة ومعـروفـة!!!!!!!!!!)).

عن ((موقع البصرة)) المناضل بتاريخ 16/7/2004 وبقلم الكاتب العراقي السيد سمير عبيد.

[2] ـ صدر كتاب: المقاومة الوطنية العراقية خيار موضوعي وليس إختياراً ذاتياً، للسيد عبد الجبار سليمان الكبيسي، رئيس التحالف الوطني العراقي، ورئيس تحرير جريدة ((نداء الوطن)) العراقية التي تصدر في بغداد، بتاريخ 1/4/2004، ومن منشورات نشرة ((نداء المقاومة)) الدورية التي يصدرها التحالف الوطني العراقي: إعلام الخارج.

 

مفاهيم وخلفيات وإندماج

الحلقة الثانية

ولكن ما يهمنا راهناً هو مدى تأثير ذلك التطور الفكري على بلدنا: العراق، ودرجة إنعكاس تلك الرؤية ((الدينية / السياسية)) على البرامج الأمريكية بخصوص العراق ؛ والملاحظة التي نود تدوينها هنا هو خصوصة المفاهيم الأمريكية وإفتراقها الكلي عن المفاهيم الحضارية العربية الإسـلامية، فالسرقة والإستيلاء والإستغلال والإحتكار والقتل: وهي كلها محرمات معلنة من وجهة نظر ثقافتنا وحضارتنا العربية الإسـلامية، وهي التي دفعت الرسول العربي الكريم (ص) للقول: ((التاجر فاجر حتى يتفقه بالدين))، ولكنها تعد شطارة ونباهة وتنظيماً للحياة وتوفيرَ الفرص للآخرين في عُرف الإمبرياليين المناوئين لحضارتنا وأمتنا العربية النسـيج الأساس في هذه الحضارة، وهنا نقصد الأمريكيين على وجه التحديد، ومن وجهة نظر الثقافة الأمريكية وحضارتها القائمة على الحساب والعد .

رأت عيون الرئيس الأمريكي الحالي: جورج بوش الدنيا خلال عام 1946، وتلقى جرعات وعيه الأول من عائلته التي تلتزم التعليمات المسيحية البروتستناتية التي تبرر فيها سلوكها في المجتمع الأمريكي، ولكن إقترانه بزوجته لورا قاده إلى الأصولية البروتستانية بعد حياة إدمان متواصلة شكلت لطخة سوداء في سجل صفحات تاريخه الشخصي، وجعلت مركب النقص تجاه الفضيلة تتملكه تماماً، إذ كان لعقيلته التأثير الكبير في تحديد تصرفاته المستقبلية، وتشييد مصيره السياسي اللاحق.

وكان بيلي غراهام الذي هو أبرز وجوه اليمين المسيحي المتصهين قد قاد جورج بوش ((إلى الرب)) ـ كما تقول الأنباء التي أرشفت حياة الرئيس ـ وعندما تصل العلاقة بين ((الرب والعبد)) على هذه الدرجة من التماثلية المباشرة، و((اليقينية الكلية)) حول دوره الذاتي المرسوم في طبقات السماء العليا، تصبح عندها المقاييس في عملية قتل النفس البشـرية، وإزالة الآخر مادياً أو تأثيراً، هي إستجابة لواجب ديني وتنفيذ لرغبة إلهية ولا تثير أية حفيظة إنسانية عند جورج بوش، خاصة وإن بيلي خلَّف في أسرته: مَنْ ((يتمتع)) بدرجة كبيرة من الحقد على الدين الإسلامي والرسول العربي الكريم (ص): إبنه الكبير.

كانت عائلته الصغيرة: لا سيما مركز أبيه السابق في جهاز المخابرات الـ(سي آي أي)، والرئاسة الأمريكية، وموقعه في الإحتكارات النفطية، هي العامل الموضوعي الذي سيـبلور وعيه الفكري المرتكز على الرؤية الدينية المتعصبة وذلك من خلال رعايتها التربوية لـه، فمن خلال موقع أبيه الذي أدرك، كما يبدو، أهمية الأيديولوجية الدينية في المجتمع بالإستناد إلى إدراك مبني على معلومات إستخبارية، وحاسة سياسية نفّاذة. تمكن الرئيس جورج بوش الإبن من إكتشاف ((القوة الدينية اليمينية الصاعدة)) في المجتمع الأمريكي، بعد توليه مسؤولية الإتصالات المباشرة بالقسس والوعاظ بغية دعم ترشيح أبيه وذلك في العام 1988. فهل سهلت العلاقة بين الطرفين سيطرة أحدهما على الآخر منذ ذلك الحين ؟ بعبارة أخرى: هل شكلت الهيمنة الأيديولوجية الدينية على وعيه طريقاً لجورج بوش نحو الرئاسة، وبالتالي جعلته المطية المناسبة للحركة الصهيونية ؟ والصـالحة لتأدية المهمات السياسية التي تتطلع لتحقيقها في المدى المنظور الحركة الصهيونية العالمي، التي سـتمتطيها الرؤية الصهيونية وكيانها القائم على الإغتصاب؟.

لا شك أنَّ العلاقة بين ((اليمين المسيحي ـ الصهيوني)) الذي يشكل المرتكز الأساس ((للرؤية الفكرية)) للمحافظين الجدد، من جهة، وبين الدين (الـ..دي)، من جهة أخرى، لاسيما على خلفية الرؤية السياسية للكيان الصهيوني في مرحلته الشارونية بقيادة أرئيل شارون الذي وصفه الرئيس جورج بوش بأنه ((رجل السلام)) وبين الرؤية الصهيونية التي يعد ((الوعد الإلهي)) عمادها الأساس، خاصة كون ((العهد القديم)) الأساس الذي ينبغي تفسير ((العهد الجديد)) على ضوئه، وكونهم [المحافظون الجدد] من وجهة نظر الطرفين يؤمنان بأنَّ ((إسرائيل مشروع إلهي)) ومحطة تاريخية ضرورية ((لعودة السيد المسيح إلى الأرض)).

ولا يغدو الأمر عنها مستغرباً عندما يستخلص الدكتور ضاري رشيد ياسين، على ضوء قراءة مدققة، متبصرة للعديد من الوثائق الأمريكية الأساسية، التي أهمها أربع وثائق أمريكية رسمية صدرت عقب احتلال العراق في 9 / 4 / 2003 ((وثيقة البنتاغون في 2 تموز / يوليو 2003 ؛ وتقرير مجلس الأمن القومي عن حالة العراق في 20 تموز /يوليو 2003 ؛ وشهادة كولن باول وزير الخارجية الأمريكي أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس في حزيران/يونيو 2003، وتقرير لجنة هامر، وجميعها تؤكد أنَّ بقاء القوات الأمريكية في العراق أمرٌ مفروغ منه، وأنَّ تغيير حجم وشكل الوجود الأمريكي في العراق بعد خمس سنوات من الآن، واستقراره على صيغة أربع قواعد عسكرية كبرى، هو على نمط الوجود العسكري في كل من ألمانيا واليابان))، [1]. من أجل تكييف وضع العراق لوضعه على سكة النظام الشرق أوسطي الكبير وفق النظرة السياسية الأمريكية والصهيونية "الإسرائيلية"، ولكن سنرى بالتأكيد الفعالية الكبرى لموقف المقاومة الوطنية العراقية ضد الإحتلال الأمريكي، وعما إذا كان للخطط السياسية الأمريكية / الصهيونية النصيب العملي للنجاح العملي؟!.

[1] ـ راجع مجلة ((المستقبل العربي)) التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية في العدد الصادر بتاريخ الشهر الثالث من عام 2004 والمرقم 301، بيروت / لبنان / ص 232 ـ 233، نقلاً عن تقرير المؤتمر السنوي الثامن لمركز الدراسات الدولية ـ جامعة بغداد حول: ((العراق في ظل المتغيرات الراهنة)) بغداد 9 ـ 10 كانون الأول / ديسمبر 2003))، من إعداد السيد جاسم محمد الحريري: الباحث في الشؤون الدولية والإستراتيجية ـ مركز الدراسات الدولية ـ جامعة بغداد.

 

المسيحية المتصهين + الأصولية (الـ...ية) منظور جديد للمحافظين الجدد

الحلقة الثالثة

وبناء على مسار تاريخي متعرج إنتظم السياسة الأمريكية منذ قيام الكيان الصهيوني في عام 1948، ومنعرجات سياسية طويلة قطعتها القوى الصهيونية في تطوير مواقفها خطوة إثر خطوة، تم التداخل بين القوتين اللتين نهيمنان على الوضع العالمي الراهن. وكان مسارهما في طريق التداخل والتواشج على صعيد المنطقة العربية لا يضيع البوصلة الأساسية التي يغذ السير إليها الطرفان ولا يتوهان عنها أبداً. لقد جرى تطوير الرؤية السياسية المشتركة للطرفين. وكان العراق ـ في هذه المرحلة التاريخية ـ هو الهدف السياسي الذي يركز عليه هذا التيار المسمى بـ((المحافظين الجدد)) ويركز عليه عموم القادة الأمريكيون أنظارهم عليه، لا سيما المتوضعين في الكونغرس الأمريكي، وكذلك كان لا بد للذين يسيرون على هدى تلك البوصلة، لأسباب تاريخية وراهنة، لا يمكن الغرق بتفاصيلها، ويشتركان في ((إيمان)) موحد حول خطة غزو العراق والإحتلال لأراضيه، من توحد الهمين وتكامل الرؤيتين والتنسيق في كل حذافير السياستين.

ونظرة مركزة.. مدققة.. متفحصة حول مضامين مفاهيم الخطابات البوشية تبين مدى البعد ((القدري)) في كلماته ومفاهيمه، وهذا ما يتناقض مع الفلسفة الأمريكية المعتادة في إدارتها للسياسات الدولية {البراغماتية}، فهناك معسكران: الأول يحوز الأول على الخير كله، والثاني ينطوي على الشر بتفاصيله وخلفياته التكوينية، لذلك فالمعسكر الأمريكي ((يجسد الأول لخيراته العميمة))، وتقسيم البشرية إلى معسكرين تعني العودة لمفهوم الصراع بين ((الرؤية الديموقراطية الأمريكية))، وإمبراطورية الشر ((السوفيتية)) التي كانت على قيد الحياة في ظل مرحلة الحرب الباردة + ((تخلف)) النقيض الجديد الذي يدفعه للـ((الإرهاب)).

فالولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة العولمة هي حاملة: ((رسالة الحرية للبشرية جمعاء))، وهي ((منحة الرب المقدسة لكل البشر))، وأنَّ الرب يقف على طول الخط والزمن مع رؤية جورج بوش السياسية على وجه الخصوص وسلوكه العملي الفعلي، كونه يقود ((أمة رحيمة وسخية)) و((أمة مؤمنة وخيرة ومثالية))، وأنَّ الرب ليس حيادياً في صراعات مصيرية بين ((الحرية والخوف)) و((العدل والفظاعة)) و((الإرهاب والطمأنينة))..

تلك هي الأساسيات الفكرية والدعاوية المحرضة والدعائية المعلنة في البنية الأيديولوجية التي تنطوي عليها خطابات الرئيس الأمريكي وتنـتظمها، وهي مقاييس مستمدة من مفاهيم الرؤية الدينية بنسختها ((البروتستانية المسيحية))، وليست المفاهيمة النابعة عن الدين المسيحي السماوي المتسامح المحب للبشر كما أرسى مفاهيمه الإنسانية الرسول عيسى بن مريم: المسيح الناصري عليه السلام، ولكن إذا كانت المفاهيم المسيحية تتسم بالتسامح والمحبة والروح الإنسانية كما برهن عليها تاريخ نشوء الدين المسيحي وصيرورته العينية بأفكاره الشرقية قبل أنْ يأسره الغرب الأوروبي ويوظفه لصالح ((الحروب الصليبية)) المعروفة ضد أمتنا العربية، وتبتعد من الناحية الفكرية عن تفكير المحافظين الجدد الأمريكيين الذين يقودون الإدارة البوشية ونموذجها الرئيس جورج بوش: الرئيس الأمريكي فما هي الرؤية الدينية التي تشَرَبوها تجاه العراق؟.

الرؤية الدينية (الـ...ية) وفكرها الصهيوني هي المرتكز الأساس لمفاهيم المحافظين الجدد، التي تربت على أفكار ((الرؤية المسيحية المتصهينة)) وموقفها تجاه العراق، الفكري والعملي، وهو العنصر المشترك بين الأيديولوجيتين: المسيحية المتصهينة والدينية (الـ...ية)، والأيديولوجيين الذين يحرصون على بثها وتطبيقها سياسياً وعملياً: المحافظين الجدد. وكما تقول (العالمة الـ...ية) الشهيرة الدكتورة شولاميت جيفا أستاذة الدراسات (الـ...ية) في جامعة تل أبيب وبالنص: ((إنَّ علم الآثار الـ...ي) أريد له تعسفاً أنْ يكون أداة للحركة الصهيونية، تختلق بواسطته صلة بين التاريخ (الـ...ي) القديم والدولة "الـ...ية" المعاصرة))، وذلك في تعليقٍ لها على ما كشفته الآثار التي سجل نتائجها أحد العلماء (الـ...د) حول ((هيكل سليمان)) المزعوم والفشل الذي رافق الدعاية "الإسرائيلية" حوله، كون هذه المكتشفات والآثار ((تدحض الدعاوى (الـ...ية) من الأساس ويكشف أنه ليس هناك ماضٍ ينبني عليه حاضر ومستقبل))، [1]، والماضي القريب الذي يتجسد بأيديولوجية صهيونية واضحة الرؤية والطموح يرتكز أيديولوجياً بالإستناد إلى الماضي البعيد يلخصه نص ديني يفلسف الأسطورة التالية: ((في ذلك اليوم قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً، لنسـلك أعطـي هذه الأرض من نهر مصـر إلى النهر الكبير الفرات))، {سفر التكوين 15: 18}، أي جعل الإله منحازاً ((لجنس معين)) من مخلوقاته دون الآخرين، جنس مختار بالرغم من تأكيداته في العديد من أقواله وآياته على كون البشر سواسية، وتقسيم الأرض إلى أجزاء يخصص بعضها إلى أحد أنزاع السكان، وذلك هو الإفتراء بعينه وبالتأكيد، [2 ].

[1] ـ راجع كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل المعنون ((المفاوضات السرية بين العرب و"إسرائيل": الأسـطورة والإمبراطورية والدولة "الـ...ية"))، الكتاب الأول، الصادر عن دار الشروق، الطبعة الثالثة 3 أبريل / نيسان 1996، ص 67.

[2] ـ راجع المصدر السابق، ص 233.

 

الوعي الصهيوني لعراق الماضي والحاضر

الحلقة الرابعة والأخيرة

كان هناك العراق محور مهم في وعي (الـ...د) إنْ لم يكن الأهم في هذه المرحلة ـ إضافة لفلسطين بطبيعة الحال ـ ولكنه وعي ينظر بصورة سلبية لأبنائه وبشكل مطلق، تلخصه ضرورات الانتقام التاريخي من روحية أبناء آشور وبابل ممن لهم أمثلة حسية في كيفية هزيمة (الـ...د) وتحطيم هيكلهم المزعوم بقاء آثاره حتى اللحظة الزمنية الراهنه، ويكثف الدعاء التالي نوايا الأيديولوجين (الـ...د) الصهاينة الذي يرددونه يومياً أمام حائط المبكي: ((هيئوا لبنيه قتلاً بإثم آبائهم)): القصف الأمريكي الشامل والإستخدام الواسع لليورانيوم المنضب دلائل عملية الروجية الصهيونية للمحافظين الجدد الذين الحرب السابقة: 1991 واللاحقة: 2003، و((كل مَنْ وُجد يُطعن، وكل مَنْ إنحاش يسقط بالسيف، ويحطم أطفالهم أمام أعينهم، وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم)): المطاردة الأمريكية الواسعة للعراقيين وتهديم بيوتهم وإرتكاب المجازر الواسعة بحقهم والتفجيرات العشوائية بين تجمعاتهم من بين البراهين على العقلية الإجرامية للمحافظين الجدد الذين تشبعوا بالتعاليم الصهيونية، و((ها أنذا عليك يا نينوى، فأكشف أذيالك إلى فوق وجهك، وأري الأمم عورتك والممالك خزيك، وأطرح عليك أوسـاخاً وأهينك وأجعلك عبرة)): لتلاحظ ماذا جرى في سجن أبو غريب من فضائح أخلاقية أثارت الرعب والقرف في كل العالم، وغيره من السجون الأمريكية الكثيرة في العراق التي كشفها الغرب ذاته بعد أنْ سدَّ آذانه طويلاً عن سماع الحقائق التي تحدث عنها الإعلام العراقي المقاوم والمؤسسات الحقوقية العراقية، و((إقطع بابل اسماً ونسلاً وذرية، واجعلها ميراثاً للقنفذ وآجام مياه وأكنسها بمكنسة الهلاك، لا تعمر بابل إلى الأبد، ولا تسكن إلى دور فدور، بل تربض هناك وحوش القفر ويملأها البوم))، وبالفعل سكنها العسكريون المحتلون: من كل أنواع الوحوش البشرية المدججة بالأسلحة ذات الأنياب القاتلة.

لذا رأينا أنَّ أغلب (الـ..د) الأمريكيين يؤيدون ـ بالأحرى يفكرون ويعملون ـ أيَ عدوان على العراق بشكل مباشر وغير مباشر، ولا نتجاوز على الحقيقة بأي قيراط، عندما نقول أنَّ (الـ..د) الأمريكين الذين هُمْ جزء أساسي وحيوي من المحافظين الجدد كانوا هم أصحاب فكرة غزو العراق الحقيقيين. وإذا أخذنا ما أوردته ((الجزيرة نت)) التالي، لأكتفينا بهذه المؤونة عن طول البحث للبرهنة على ذلك الإستخلاص:

فقد {{تحدث كثيرون عن مجموعة ((ريتشارد بيرل)) وزملائه في ((معهد الإستراتيجيات المتقدمة والدراسات السياسية)) الذين هم أصل فكرة غزو العراق. فقد أعد ريتشارد بيرل منذ أعوام ضمن فريق ترأسه من مثقفي (الـ...د) الأمريكيين دراسة عن ((الإستراتيجية "الإسرائيلية" إلى العام 2000)) قدموها إلى بنيامين نتنياهو فور نجاحه في الإنتخابات "الإسرائيلية"، ودعوا فيها إلى دفع أمريكا إلى غزو العراق بإعتبار ذلك جزءاً محورياً من الإستراتيجية "الإسرائيلية" لإستمرار التفوق العسكري والإستراتيجي في الأمد المنظور. كما دعوا إلى إنتهاج سياسة هجومية عدائية ضد الفلسطينيين، والتخلي عن فكرة ((السلام الشامل)) لصالح فكرة ((السلام القائم على ميزان القوى)) وقد رأينا كيف بدأت هذه الإستراتيجية في التعاطي مع الفلسطينيين، والآن يبدو أنَّ البند المتعلق بالعراق من تلك الوثيقة قد أوشك على دخول حيز التطبيق. وقد ورد في سيرة حياة ريتشارد بيرل الذي ترأس فرق الدراسة آنذاك، أنه عمل عضواً في مجلس إدارة ((المعهد "الـ...ي" لدراسـات الأمن القومي)) ومديراً لصحيفة ((الجيروزالم بوست)) "الإسـرائيلية"، لكن الأهم والأغرب أنه اليوم يترأس ((مجلس سياسات الدفاع)) في الولايات المتحدة، ويعمل مستشاراً لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وليس أقلهم شأناً نائب الوزير ((بول ولفويتز)). وقد قدمت قناة ((سي أن أن)) منذ أيام ريتشارد بيرل في مقابلة معه على أنه ((الرجل الذي ينظر إليه بإعتباره صاحب فكرة غزو العراق)).. ولا يترك ((إفرايم كام)) الباحث في ((مركز جافي للدراسات الإستراتيجية)) بجامعة تل أبيب شكاً في أنَّ "إسرائيل" هي صاحبة المصلحة الأولى والأخيرة في غزو العراق، وذلك في دراسة له منشورة الشهر المنصرم بعنوان: ((صبيحة ما بعد صدام))}}،[1].. من كل ذلك التتبع: نخلص إلى تسليط الأضواء على الوعي الفكري للمحافظين الجدد ودورهم في الإعداد لغزو العراق، وصيرورته الأيديولوجية التي تتحكم في رسم خططهم السياسية وبرامجهم العملية، ولا شك أنَّ الرئيس الأمريكي جورج بوش أبرزهم وأسهلهم إنقياداً لـ((اللوبي الصهيوني "الإسرائيلي" في الولايات المتحدة الأمريكية: ومنظميه المعروفة: "إيباك")).

[1] ـ [راجع ما نشرته ((الجزيرة نت، في 11 / 3 / 2003، أي قبل العدوان على العراق بعشرة أيام)) الذي تمثل بالإسـتعراض النقدي لمجموعة دراسـات حول خلفيات الرئيس الأمريكي جورج بوش، بعنوان: بوش.. طغيان الحماس الديني على البصيرة السياسية، أقدم فيها الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي: الكاتب الموريتاني المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، على رسم لوحة بيلوغرافية مركزة لوعي الرئيس الأمريكي في جانبها الديني الميتافيزيقي من خلال ثلاث مقالات إحداها ـ وهي الأطول والأعمق ـ بعنوان: بوش والرب، بقلم هاوارد فاينمان، والثانية بعنوان ((خطيئة التكبر)) بقلم البروفيسور مارتن مارتي، والثالثة بعنوان: ((البيت الأبيض: إنجيل على تهر البوتوماك)) بقل كينيث وودوارد].