أسر المناضل الكبيسي:

الاحتلال مستمر وأكذوبة الديموقراطية تتجسد والإرادة الوطنية تتجلى موقفاً باسلاً

باقر الصراف/كاتب عراقي مقيم في هولندا

قبل أيام أعلن بيان سياسي صدر عن التحالف الوطني العراقي عن مداهمة قوات الاحتلال الأمريكي المنازل المجاورة لـدار المناضـل عبد الجبار سليمان الكبيسـي، رئيس التحالف الوطني العراقي، واعتقاله، والتوجه به إلى مكان مجهول، فما هي الدوافع، والمبررات، والدور، والمهمة الملقاة على جميع الوطنيين؟.

1 - لقد كرس الاعتقال الإرهابي قولاً وفعلاً، حقيقة تفرد الاحتلال الأمريكي للعراق، في التصرف الشامل بشؤون الوطن كلها، وهو ما سبق لجريدة ((نداء المقاومة))، التي يصدرها إعلام التحالف الوطني العراقي في الخارج، أنْ اعتبرته أحد المعايير المهمة لرؤية الوضع السياسي العراقي الراهن، وأكدت أنَّ تصرفات المحتلين ستكون هي الأساس، بالرغم من لبس العدو المحتل ((القفازات العراقية)) بذرائع شتى، بغية تنفيذ قواته الأهداف السياسية، المرسومة في خططها الإستراتيجية، قالت تلك الجريدة بتاريخ 15/6/2004 وفي عددها الثالث والعشرين: ((بإمكان الأمريكيين إسداء الوعود السياسية الكثيرة لجهات عالمية وإقليمية وعربية وعراقية، وتنصيب عملائهم على مختلف المقاعد التي تحكم بصورة معلنة فيما ضبوط عمل القرقوزات بيدها تسيِّرها أينما تريد وتتوجه وتعمل، على ضوء أهدافها السياسية ومصالحها الإستراتيجية، بهدف محاولة خداع الرأي العام العالمي (...) ومن أجل تطبيق رؤية كيان الاغتصاب الصهيوني السياسية))، واعتبرت أنَّ طابع المرحلة القادمة هي الأخطر.

 ويمكننا قراءة تلك الإستخلاصات، على ضوء التطورات السياسية الراهنة للمحتلين، حيث القصف المستمر والقتل الجماعي : العشوائي والمقصود، والهجوم الشامل بمختلف الأسلحة المتطورة، والإعتقالات الجماعية التي ينفذها المحتلون : التي تعد استباحة منطقة اللطيفية، أبرزها وأقربها لتاريخ أسر المناضل : رئيس التحالف الوطني العراقي الذي يمارس ((جهاده الأكبر)) في حضرة جيش محتل، ويأتي اعتقال الشخصية الوطنية الجسورة: عبد الجبار الكبيسي في سياق تلك الآلية القمعية الشاملة لقوات الاحتلال!.

2 - بينَ الاعتقال عدم التقيد بأية معايير في التعامل مع آراء الوطنيين الفعليين، فالسـيد المناضل الكبيسي، رئيس التحالف الوطني العراقي، سجل موقفه المبدئي ضد كل أشكال الاحتلال الأجنبي للوطن، بمقال إفتتاحي كتبه لجريدة ((نداء الوطن)) التي يشغل رئاسة مجلس إدارتها، وموقع رئاسة تحريرها، وهي التي صدرت ببغداد بتاريخ : 28 / آذار 2004، والتي تضمنت رؤيته السياسية، ورؤية التحالف التالية :

 ((إنَّ التاريخ لم يحكم على أمة بالزوال أياً كان هول المحنة التي تمر بها، طالما أنها تقدر على استخلاص دروس هذه المحنة وتجميع ما تبقى منها سليمة، واستنفارها للقضاء على أسبابها. إنَّ استخلاص دروس المحنة أثمن ما يمكن أنْ تعطيه أمة لنفسها، لأنه وحده الذي يقود إلى طريق الخلاص، لكنه أيضاً أصعب ما يمكن التوصل إليه، فالثابت تاريخاً أنَّ أوقات المحن تزدحم بالأدعياء المزيفين، وبائعي الترياقات عديمة النفع بل السامة، ومروجي الأكاذيب والأوهام التي تساق على أنها حكمة العصر، وفي أيام المحن يكثر فاقدو التوازن وسريعو التقلب من حال إلى حال... لكن أخطر هؤلاء جميعاً وأكثرهم شراً مَنْ يتقدم وقت الهول ماداً يده بالدروس المخادعة أو ساعياً إلى طمس الوعي بالدروس الحقيقية، لقد أكدت المسيرة النضالية لشعبنا في العراق، إنَّ التشرذم والانقسام في الصف الوطني يكون دائماً مصحوباً بالهزائم والنكسات للقضية الوطنية، بينما تكون وحدة القوى الحية في الأمة مقرونة بالانتصارات وتحقيق المكاسب الوطنية)).

إنه الوعي الفكري والسياسي، باعتباره التجسيد الأعلى للثقافة السياسية الملتزمة، والإخلاص الفكري الأمين مع الذات ومع الآخر، الذي يعتمد القراءة الواعية... المدققة... المتبصرة للتاريخ العراقي والعربي والحضاري الإسلامي، والعالمي تجاه أمتنا العربية منذ الحروب الصليبية الأوربية وحتى الزمن الحاضر، والالتزام بمعايير الصدق وشروط التحليل الملموس للموقف الملموس...  للمواقف السياسية الراهنة والحية والمتجسدة، في الآني وليس الماضوي والحالي وليس المستقبلي، الشروط المستمدة من الممارسة العملية وليس المستنسخة عن بطون الكتب الأجنبية، الميتة أفكارها أو التي ما تزال تُتداول في الحياة، والاستنتاج للدروس المفيدة في العمل اليومي، التكتيكي المرحلي المرتبط بالرؤية السياسية الإستراتيجية، والاستفادة من دروس التجربة الفردية الخاصة، والتجربة الوطنية العامة، وتوظيفهما في النشاط الفكري والممارسة السـياسـية، وجسارة الإعلان عن الموقف السياسي، والتذوب في الروح الوطنية الفعلية، الحقة، المبادرة، المتفانية، التي لا تأخذها في قول الحق لومة لائم.

وتلك فضائل بشرية لا تبحث عن المجد في استرضاء المحتلين والطائفيين والانعزاليين، وتسول مساعداتهم المالية سواء عن طريق التقارير أو ((التبرع)) بالمعلومات الأمنية للأعداء، أو أداء المهام العملية المرتبطة باحتياجاتهم، بله حتى مشـاركتهم المباشرة كأدلاء في الغزو وقتل أشقاء((هم)) من أنصار الإسلام مثلاً. إنَّ قراءة ((تراث فكري وسياسي)) دعائي مديد مما أصدروه قبل الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 / 4 / 2003، يبين مدى صدقية ادعاءاتهم، ومدى صدقية أفكارهم، ومدى صدقية برامجهم، ليس على الصعُد الوطنية الفعلية فحسب، بل حتى على صعيد مقولات كانوا يرددونها في كل يومياتهم ومطبوعاتهم: شعارات الحرية ودعايات الديموقراطية وفذلكات حقوق الإنسان، الذي أوضحته عملية الاعتقال الإرهابية للمناضل الأستاذ عبد الجبار الكبيسي، وفضحته الأفعال الخسيسة لجرائم سجن أبو غريب وغيرها، التي أعلنتها على الملأ وبصوت عالٍ المنظمات العراقية المخلصة، قبل أنْ تتلقفها الصحف الأمريكية، ومن بينهم ما نشرته البيانات الإعلامية لتلك المنظمات وما نشرته مطبوعات العمل الوطني المقاوم.

3 - ذلك ما تضمنته مبررات إصدار الجريدة : جريدة ((نداء الوطن)) ذات الثمان صفحات، وبالقطع الكبير، التي جاء فيها وتحت عنوان : لماذا نداء الوطن ؟ ((نداء الوطن تعود للصدور في بغداد بحلة جديدة مع متابعة لذات الطريق والرؤية والتمسك الحازم والمبدئي بالنهج الوطني الذي لا يعرف التورية ولا المخاتلة، ونسعى أن نكون إضافة نوعية للجهد الإعلامي الوطني، الذي يبذله كثير غيرنا، لإعادة الاعتبار إلى الوطن كقضية عامة تمس كل مواطن)). تصدر((نداء الوطن)) مفعمة بأمل (( برؤية الوطن وقد تحرر من الاحتلال وتحقق الاستقلال الوطني الناجز، وستكون صوت الذين لا صوت لهم، صوتاً للحرية والعدل والمساواة، وسوطاً على سماسرة بيع الوطن)). ومن أجل إسكات هذا الصوت الوطني الواضح، المعلن والصريح، لا الموارب والنص ونص، الذي يمد حبال العلاقات ((الدبقية)) مع المحتلين عبر التواصل مع عملائهم وتلقي رشوات خدمتهم التزينية لمواقفهم السياسية، وامتداح علاقاتهم السابقة مع مَنْ أعلن عن تعاونه مع الغزاة المحتلين في السابق واللاحق... من أجل كل ذلك، قرر الأعداء المحتلون إعتقال المناضل الكبيسي، فاختفاء الرمز السياسي الشـامخ سـيميت النهج الوطني المقاوم، كما يتصور الأغبياء الذين لا يقرؤون التاريخ ويستخلصون عِبَره، ولا يجوسون مساراته بغية الاستفادة من منطقه العادل : ((العراقُ باقٍ والاحتلال إلى زوال)) وهو الشعار الذي اعتلى الذروة العليا من رأس الصفحة الأولى من جريدة ((نداء الوطن)) لسان حال التحالف الوطني العراقي، الجريدة الأسبوعية التي تصدر في بغداد، حيث المقاومة الوطنية العراقية الشاملة : عنوانها الأبرز والأكثر إضاءة.

4 - إنَّ إطلاق أوسع حملة تضامنات وطنية مع المناضل الوطني المبدئي والجسور الأستاذ عبد الجبار الكبيسـي: رئيس التحالف الوطني العراقي، ورئيس تحرير جريدة ((نداء الوطن)) البغدادية، والإدانة الحازمة لنهج تكميم الأفواه، ومحاولة إلغاء إرادة المواطنين الأحرار عبر الاعتقال، والسجن، والقتل، هي الأثمان الأبسط التي يمكن أنْ يؤديها المناضلون: الوطنيون العراقيون، والقوميون العرب، الحضاريون الدينيون، والمسلمون منهم على وجه الخصوص، والأمميون في العالم كله. وإنَّ إلتزام رفاق المناضل الوطني الشجاع، المبدئي، المبادر، غير الهياب.. التزامهم بالمباديء السياسـية والفكرية التي وقف حياته في سـبيلها منذ نعومة أظفاره، وسنوات ترعرعه الأولى، هو أدنى ما ينبغي تقديمه كواجب وطني عراقي وقومي عربي وحضاري مسلم وأممي فعلي، من خلال مضاعفة الجهد والعمل والإخلاص، وارتياد طريق: العراق باق والاحتلال إلى زوال.

8/9/2004