احترام الذات.. واحترام التاريخ
سميرة رجب/كاتبة من البحرين
رغم كل الأحداث البشعة التي أثبتت عدم مصداقية وعدم ديمقراطية الإعلام الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً، ورغم كل الأكاذيب التي مارستها القيادات والمؤسسات الأمريكية والإنجليزية للوصول إلى هدف احتلال العراق، ورغم بشاعة ممارسات المحتل الغربي وسلوكه اللاإنساني واللاديمقراطي واللاحضاري في السجون والمعتقلات والمدن والأحياء العراقية، وبعد كل تلك الصور التي نشرت في صحافة العالم لعمليات الاغتصاب والممارسات السادية الأمريكية، وتلك التسجيلات التي لم تنشر بعد لصرخات الأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب في السجون الأمريكية في العراق (المصدر: تقرير جلسات التحقيق الأمريكية).. رغم كل ذلك لا يزال بعض كتابنا وإعلاميينا الأفاضل يستقون معلوماتهم من مصادر الإعلام الغربي المعادي وغير المحايد والمنحاز بشكل كامل ضد مصالحنا، دون بذل أقل عناء في البحث عن الحقائق من مصادر إعلامية أخرى من خلال مختلف وسائل الاتصال كالإنترنت والفاكس والهاتف والأقمار الصناعية وغيرها، ومختلف وسائل التواصل كحضور، أو متابعة، المؤتمرات والمنتديات والحوارات الفكرية والسياسية والعلاقات المهنية والشخصية، محلياً وإقليمياً ودولياً، التي من شأنها أن توسع الإدراك الفكري والمعرفي والثقافي للإعلامي، ولكل من يريد التصدي للشأن العام وقضايا الأمة.. وهذا ما يستدعي تذكير أولئك الذين يمارسون عمل الكتابة والصحافة لمجرد أداء عمل وظيفي يستحقون عليه راتباً في نهاية كل شهر، وأولئك الذين يكتبون وهم لا يبرحون مكاتبهم وأماكنهم طوال اليوم، وأولئك الذين كثيراً ما تصدر مقالاتهم وكتاباتهم من وحي مجالس الأصدقاء ومجالس الأنس، تذكيرهم بأنه بقدر ما يحتم الواجب الوطني على الإعلامي العمل جاهداً لتوسيع مداركه الفكرية والمعرفية والمجتمعية، فإنه أيضاً يحتم عليه ألا يتخطى في كتاباته حدود مداركه المعرفية عندما تكون ناقصة ومتدنية.. لما يمكن أن يسببه ذلك النقص المعرفي من كوارث وأزمات مهلكة. وهكذا نجد إعلامنا يخطو خطوات سريعة في الاتجاه المخالف تماماً لمصالح هذه الأمة.. فبعد سنوات طويلة من المطالبة بإنصاف المقاومة الفلسطينية التي عانت الأمَرّين من الزمر المسيطرة والنافذة في الإعلام العربي، أصبحنا اليوم نتلمس طريقاً لإنصاف المقاومة العراقية التي بدأ التكالب عليها بواسطة إعلامنا وأقلام كتابنا (الدعاة) نزولاً على إرادة المحتل الذي يدعوها إرهاباً... حيث اصبح الإرهاب تهمة كل مقاوم للاحتلال أو معارض لسياسات الإمبراطورية الاستعمارية الجديدة. إن احترام الذات واحترام العقل واحترام الفكر الحر يدعونا إلى شيء من التعمق في كل ما يجري من حولنا، وخصوصاً في أهم القضايا الإنسانية التي أصبحت قاسماً مشتركاً بيننا وبين باقي شعوب العالم.. فبينما بدأت المقاومة العراقية تحوز الاهتمام السياسي والبحثي والدراسي على المستوى العالمي لخصائصها الإنسانية، ولإنجازاتها التي بدأت تعمل على قلب موازين أكبر قوة في العالم.. كما بدأت تحوز مساندة ودعم مختلف التكتلات الجماهيرية الرافضة للسياسات الأمريكية في العالم.. وبينما يتحرك المفكرون والسياسيون والصحفيون الأحرار في مختلف أنحاء العالم لمساندة وتأييد المقاومة العراقية من خلال المشاركة المباشرة والأنشطة والفعاليات المختلفة، إذا بكتابنا وإعلاميينا يبدون ضيق أفق وتدنيا كاملا في معرفة هذه المقاومة، وعدم اهتمام حتى بملاحقة الحقائق التي يفرض المحتل حولها طوقاً إعلامياً و"بوليسياً" جائراً.. لا، بل لا يتردد أولئك الكتاب في ترديد الأكاذيب التي يرددها المحتل في معرض نقدهم لهذه المقاومة وكأنهم خبراء في تحليل شؤون المقاومات وحركات التحرر العالمية، لا بل كأنهم يملكون الحقيقة الكاملة حولها.. فهل هناك إهانة للذات أكثر من إهانة كهذه؟ "ويل لأمة تحسب المستبد بطلاً وترى الفاتح المذل رحيماً، وويل لأمة سائسها ثعلب وفيلسوفها مشحود وفنها فن الترقيع والتقليد" (جبران خليل جبران).