حوار مع الشاعر المهندس عبد الجبار الكبيسي

رئيس التحالف الوطني العراقي

أجرت الحوار الزميلة سميرة رجب

تأسس التحالف الوطني العراقي عام 1992، وعقد مؤتمره الأول، في السويد، من القوى والأحزاب التي رفضت العدوان الإمبريالي على العراق عام 1991 ونددت بتلك الحرب وكذلك بذلك الحصار غير المسبوق في التاريخ الذي فرض على العراق.

الأحزاب المؤسسة للتحالف هي أحزاب معارضة وموجودة في الساحة العراقية قبل عام 1968، وقدمت جميعها تضحيات كبيرة من أجل تحقيق الحريات والتعددية السياسية والفكرية. تطور موقف قوى التحالف الوطني بعد عدوان عام 1991، فطرح عام 1993 مشروع للحوار الوطني الشامل والمصالحة الوطنية على قاعدة الموقف الوطني المناهض للعدوان والحصار.. وتم عقد المؤتمر الثاني للتحالف في لندن عام 2000، والمؤتمر الثالث في باريس عام 2003 بحضور (234) مندوب عراقي، وأكثر من ثلاثين شخصية عربية وأجنبية حضروا المؤتمر الأخير كضيوف.

وعلى هامش اجتماعات المؤتمر القومي العربي الرابع عشر الذي عقد في صنعاء للفترة من 23-26 حزيران/يونيو 2003 كان لنا فرصة الحوار مع المهندس عبدالجبار الكبيسي، الذي حضر من منفاه في باريس يحمل هم وطنه المحتل ليطرح، مع باقي الفريق العراقي القادم من مختلف انحاء العالم، نداء العراق للعرب لدعم المقاومة العراقية في وجه المحتل.

والسيد الكبيسي قضى أغلب سنوات حياته العملية في العراق بالعمل في مختلف المناطق خارج مدينة بغداد، مما أكسبه روابط وعلاقات جيدة مع القبائل والعشائر العربية في تلك المناطق، وأكسبه معرفة جيدة بتاريخها وممارساتها وارتباطاتها وحقيقة دورها على الساحة السياسية في العراق، ذلك الدور الذي جعل هذه العشائر والقبائل تأخذ طابعاً مميزاً ومختلفاً عن تلك القبائل الموجودة في المنطقة العربيـة، كما جعل لها تاريخاً مشـهوداً في إدارة دفة المقاومة الوطنية ضد المسـتعمر والمحتل في العراق منذ عشرات السنين. إن هذه المعرفة التاريخية بدور وأصول هذه القبائل والعشائر العراقية من أهم الأمور التي يجب أن يكتسبها كل من يحاول تحليل الشأن العراقي اليوم، والتنبؤ بمستقبل العراق القريب والبعيد..

* هل يمكن أن نتعرف على هذه العشائر العربية في العراق، إضافة إلى تلك الممارسات والتقاليد الخاصة بها والتي تتميز بها دون غيرها من القبائل العربي.

- القبائل والعشائر العربية في العراق كبيرة في تكوينها، وانتشارها يغطي كل العراق، وعرف تاريخياً عن هذه العشائر تمسكها بأروتها العربية ولم تتأثر عبر الحقب بالدعوات المذهبية والطائفية، ولها تاريخ مجيد في مقاومة الأجنبي، حيث شكل الشيخ شعلان بن الجويد في الجنوب والشيخ ضاري المحمود في الأنبار مثلان ناصعان في تاريخنا الوطني، وكان لهما دور ريادي في مقاومة الإحتلال البريطاني في عام 1945. عشائر السواعد وتميم وربيعة وبني كعب وبني لام والعبود والبزون والبومحمد والبوصالح وحجام والشريفات وآل سكر وبني ركاب والبدور وغيرهم شهد لهم تاريخهم بمقاتلة الفرس والأتراك وأخيراً الانجليز في المناطق الجنوبية من العراق. وفي الوسط في النجف والديوانية والسماوة وكربلاء والحلة فإن عشائر آل فتلة والتوبة والظوالم وخزاعة وبني حجيم والبودراج وعنزة والمعامرة والمسعود وبني حسن واليسار والدعوم والصفران وآجياش إشتهروا بالبسالة في ثورة العشرين المجيدة. والعشائر القاطنة في الأنبار وديالى وتكريت وكركوك والموصل شاركت في كل الثورات ضد المحتلين، فالشيخ ضاري في قبيلة زوبع هو الذي قتل الجنرال (الجمن) قائد القوات البريطانية في العراق في تلك السنوات، والشيخ أبو ريشة من قبائل الديلم والشيخ حبيب الخيزران شيخ عشيرة العنزة كانوا جميعاً من قيادات ثورة العشرين، فقبائل العنزة والشمر وطي والجبور والعبيد والبوناصر والبيات والجفانية والبومحل والبونمر والبوحمد والبوحيدر والدريعات وبني يوسف والبوعساف والبوعلوان والبوفهد وزوبع والجميلات والمحامدة والبوعيسى والحالبسة ، هؤلاء دوخوا الإنجليز في ثورة عام 1941. من المهم التنويه إن القبائل الكبيرة تمتد جغرافيتها من الموصل حتى البصرة مثل الشمر والجبور وطي وآخرين، والقبيلة الواحدة فيها أتباع أكثر من مذهب إسلامي، ودائماً كانت الرابطة القومية والقبلية أكبر وأشد من الانتماء المذهبي أو الطائفي.

* ماذا عن الوضع الحالي في الجنوب العراقي حسب اتصالاتكم مع الداخل، وحسب معرفتكم بتاريخ المنطقة، ولماذا هذا التعتيم الشديد على وضع المقاومة في الجنوب العراقي؟

- الجماهير وإبناء العشائر وغالبية رجال الدين في جنوب العراق عبّروا بشكل واضح عن رفضهم للإحتلال الأمريكي، وأدانوا بشكل لا لبس فيه تلك المجموعات التي تساند الإحتلال وجاءت مع دباباته، وهذا الموقف المناهض للاحتلال ينسجم مع التاريخ المجيد لإبناء ورجال هذه المنطقة، فثورة العشرين انطلقت من النجف والديوانية والسماوة وقلعة سكر، وقدّم أهلنا في الجنوب تضحيات كبيرة في ثورة شعبنا ضد الإحتلال الانجليزي. إن الأصوات التي تساند الإحتلال مقتصرة على المجموعات المرتبطة بإيران وذوي الرؤية الفارسية، وهناك تعتيم مقصود على عمليات المقاومة الوطنية في جنوب العراق لإعطاء إنطباع خاطئ بأن المقاومة محصورة في بغداد وشمالها. لا ننكر بأن عمليات المقاومة المسلحة ليست بالمستوى المطلوب في المنطقة الجنوبية، وهذا يعود إلى أن المجموعات المسلحة التي جاءت من إيران دعماً للاحتلال، قامت بتصفيات كبيرة للقوى المناهضة للعدوان، فإقتحموا المنازل وقتلوا الآلاف بذريعة تعاونهم مع النظام السابق، وهذه التصفيات الدموية تمت بتشجيع القوات البريطانية والأمريكية. هذه الأجواء دفعت الآلاف إلى مغادرة منازلهم في الجنوب العراقي والرحيل إلى بغداد للتخلص من ملاحقة المسلحين المرتبطين بالقوى التي تساندها إيران وقد نالت التصفيات المئات من أبناء عربستان المقيمين في العراق. لكن ومع كل ذلك هناك أكثر من عملية مسلحة ضد المحتلين كل يوم في الديوانية والحلة وسوق الشيوخ والكوت والشطرة، إضافة للمظاهرات الكبيرة ضد الإحتلال في النجف وكربلاء والناصرية والبصرة، وكل المؤشرات والمعطيات لدينا تشير أن المقاومة المسلحة ستتصاعد وتشتد في الجنوب خلال الأسابيع القادمة. ومن الضروري أن نوضح أن المقاومة في بغداد يشارك فيها أبناء الجنوب وأبناء الشمال.

* وماذا عن تلك المقابر الجماعية في تلك المناطق؟

- بعد نهاية العدوان على العراق عام 1991 ودخول أكثر من (93) ألف عنصر من الحرس الثوري الإيراني ومن سموا أنفسهم بالتوابون إلى الجنوب العراقي أثناء الغارات الأمريكية، وبعد أن عمت الفوضى في المحافظات الجنوبية فقد قتل آلاف من أنصار النظام على أيدي المجموعات التي دخلت من إيران، وهؤلاء دفنوا في مقابر جماعية وبضمنهم المئات من العرب العاملين في المحافظات الجنوبية، وبالمقابل فإن القوات العراقية وأثناء عملية استرجاع هذه المحافظات قتلت في القتال آلاف المسلحين والكثير منهم من حرس الثورة الإيراني، وكل القتلى دفنوا في مقابر جماعية.

* هل يمكن أن ينقسم العراق على نفسه، ليصبح الجنوب موالياً لإيران؟، وهل "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" يملك قاعدة واسعة في الجنوب العراقي؟.

- إنه لوهم أن يفكر أحد بأن العراق سينقسم على نفسه، ولا يمكن للعشائر العربية في المنطقة الجنوبية أن تقبل بالإرتباط بإيران.. إن القبائل متداخلة بين الشمال والجنوب وكل عشيرة فيها "شيعة" وفيها "سنة" وهناك تزاوج بين العائلات في الجنوب والشمال وهذه الموجة الطائفية طارئة ولا يمكن أن تدوم رغم إن الإحتلال والمجموعات القادمة من الخارج تسعى لتأجيج ذلك. إن المراجع الدينية الوطنية في النجف وكربلاء، وعلماء الدين السنة في الموصل والفلوجة وسامراء وبغداد يجمعون جميعهم على نبذ الدعوات الطائفية. أما "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" فهو تنظيم إيراني في جوهره وتموله إيران ودولة خليجية مجاورة، وبدأ ينحـسر نفوذه بعد تأييده للإحتلال والاشـتراك في المؤسسات التي أوجدها الإحتلال، والجماهير في الجنوب تلتف حول الحوزة العلمية في مواجهة أتباع إيران وأمريكا.

* وماذا عن المقاومة العراقية المتصاعدة، ورؤيتكم في هذا التصعيد المستمر؟

- المقاومة الوطنية وبكافة الوسائل هي الخيار الصحيح والوحيد لتحرير الوطن من الإحتلال، وهذا حق مشروع كفلته القوانين الدولية والشرائع السماوية. وبالنسبة للمقاومة الوطنية العراقية فقد اشتدت وتوسعت في فترة زمنية قصيرة وفاجأت الجميع في قوتها وحيويتها، وإن عمليات المقاومة ضد الاحتلال هي أكبر بكثير مما يعلن في الإعلام ويكفي أن نشير أن الجنرال تومي فرانكس اعترف بأن المقاومة تشن ما بين 15-25 عملية ضد القوات الأمريكية كل يوم، وجاء ذلك في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس الأمريكي يوم 10 يموز/يوليو 2003.

بدأت العديد من القوى ومن كل أطياف العمل الوطني تنخرط في صفوف المقاومة، وهناك جهود مكثفة لتشكيل جبهة موحدة للمقاومة والتحرير تنتظم فيها كل الفصائل الوطنية المناهضة للإحتلال وعملائه. فالشرعية الوحيدة الآن هي شرعية المقاومة ضد الإحتلال لإنجاز الاستقلال الوطني، والقوى التي ستساهم في التحرير هي التي ستنال ثقة الشعب ويضفي عليها شرف قيادة العراق إلى مستقبل يتحقق فيه العدل والمساواة والتقدم.

* لماذا أنتم لا زلتم في خارج العراق؟

- نحن لا زلنا غير قادرين على دخول بلدنا العراق لأن القوات الأمريكية رفضت ولم تسمح لنا بالدخول عن طريق أي منفذ إلى داخل العراق، ولا زلنا نحاول معهم، ونوفر لهم جميع المستلزمات التي يطلبونها للحصول على إذن بدخول بلدنا، ومؤخراً انهينا هذه المعاملات وسوف نكون في العراق قريباً للعمل على بناء وحدته.

* وماهي أولويات التحالف الوطني العراقي ضمن الظروف التي تمر بها العراق؟

- التحالف تبنى أولوية بناء جبهة وطنية واسعة للمقاومة والتحرير، فتحرير بلادنا من الإحتلال الأمريكي- البريطاني هو في مقدمة أهداف التحالف في هذه المرحلة، والتحالف يدعو ويعمل على مقاومة الاحتلال بكل الأساليب الممكنة.