الثورة العراقية تسقط أوهام المخمورين

صلاح المختار/أكاديمي وباحث من العراق

معارك العراق تتصاعد وتتسع وتزداد خطورة وتعقيدا وتتخذ آليات التطور فيه منحى صعوديا لا يقبل التراجع أو الانكفاء، رغم أن الاحتلال الأمريكي يبذل جهودا جبارة لعرقلة تصاعد الثورة العراقية المسلحة، اذ بعد تحرير اغلب مدن العراق، مثل كل مدن محافظة ديالى وكل مدن محافظة الأنبار والموصل وسامراء وبيجي (وتكريت وكركوك نصف تحرير بسبب تمركز قوات الاحتلال في الأولى ووجود الاحتلال والعناصر العميلة في الثانية ) والدور وبلد والتاجي والمشاهدة وبغداد بكل مناطقها باستثناء (المنطقة الخضراء)، وشملت عملية التحرير مدن المحمودية واليوسفية واللطيفية والمسيب والزعفرانية وبابل (الحلة)، وبدء عملية تنظيف كربلاء والنجف والكوفة من العملاء وتكثيف العمليات في البصرة والعمارة والناصرية، بعد تحرير هذه المدن والمحافظات أو بدء ذلك، و تتصدر مدينة تلعفر واجهة الأحداث لقيام المقاومة الوطنية العراقية بتحريرها بعمليات بطولية فاجأت الاحتلال ووجهت له ضربات موجعة، فكان طبيعيا أن تتصدر الأحداث بصفتها آخر المدن التي تم تحريرها.

تلعفر: كيف تأكل الخروف على الطريقة الصينية؟

تأتي معركة تلعفر في سياق الاستخدام المكثف لأحد أهم أساليب حرب الشعب وهو التهام الخروف لقمة بعد لقمة، لأن التهامه مرة واحدة سيؤدي لاختناق من يلتهمه . في تحليله لآليات وقواعد حرب التحرير الشعبية في الصين قال قائدها ماو تسي تونغ إن الثوار يجب أن يدمروا قوات العدو جزء بعد آخر وفق سياسة النفس الطويل، لان محاولة تدميره مرة واحدة قد يؤدي إلى تعريض الثورة المسلحة لخطر الموت اختناقا تماما كما يحدث لمن يحاول التهام الخروف بلقمة واحدة، لأنه كبير الحجم قياسا بحجم الإنسان. وكان ماو يحاول تأكيد أن العدو قوي ولا يجوز أن نفكر بدحره بمعركة واحدة بل يجب أن يستدرج لسلسلة معارك كبيرة وصغيرة تقوم كل منها بتدمير جزء من قوته، وهو وضع يؤدي إلى تدمير معنوياته تدريجيا أيضا وهذا الإنجاز هو الأهم، ومع تصاعد العمليات تزداد عملية القضم التدريجي وتؤدي كل واحدة منها إلى تقليص حجم الخروف والى انحطاط معنوياته أيضا، وهكذا يكون الثائر قد هيأ المناخ المناسب لإنهاء الخروف كليا بعد التغلب على مشكلة حجمه الكبير.

وإذا نظرنا لحرب تحرير العراق وجدنا أن المقاومة الوطنية العراقية تطبق هذه القاعدة الذهبية، لأنها ابتدأت بمعارك كان الهدف منها هو إنهاك الخروف وإرباكه وجره إلى معارك متعددة ينتف فيها صوفه ثم تقتطع من جسده أجزاء معينة وأخيرا يبدأ التهام قطع أكبر في كل معركة. والآن وبعد عام ونصف على اندلاع الثورة المسلحة نلاحظ أن الخروف الأمريكي قد فقد صوفه كله وقطع من جسده واصبح يئن من الألم ويحاول الابتعاد قدر الإمكان عن خوض معارك مع المقاومة، لذلك انشأ جيشا عميلا وشرطة عميلة لتجنب الاستمرار في قضم لحمه، وتلك كانت اللحظة التي انتقلت فيها المقاومة إلى مرحلة تحرير مدن وإجبار العدو على دخولها بين فترة وأخرى كي يتعرض في كل مرة إلى فقدان جزء من لحمه فيصغر حجمه، وكانت الفلوجة أول المدن التي تحررت وتبعتها الرمادي وبعقوبة ثم كرت السبحة وأصبحنا الآن نعرف أن أغلب مدن العراق قد تحررت، وان كل عملية تحرير كانت عبارة عن قضم لقمة كبيرة أو صغيرة من جسد الاحتلال حتى وصلت المقاومة إلى حد إقناع كل فرد عراقي أن العدو الكبير الحجم اصبح اصغر واضعف وانكشفت عيوبه ونقاط ضعفه التي كان يخفيها.

ماذا ترتب على ذلك؟ لقد انقلبت الآية فبدل شعور المقاوم وكل عراقي (أن العدو قوي ولا يقهر) أصبح العدو ذاته متيقنا أن المقاومة قوة لا تقهر، وهو ما اعترف به كبار المسؤولين الأمريكيين، وتلك هي البداية الحتمية للنصر، كما تجلت في معركة تلعفر التي هرب فيها الاحتلال ولجأ الى القصف الجوي والصاروخي بدل الاشتباك الجبهي، اي القتال بين جنود ومقاومين، بعد أن أوقع في فخ مميت خسر فيه 215 جنديا وضابطا قتلوا في تلعفر فقط وثمانية طائرات مروحية!

حيفا: كيف تعد المسكوف على الطريقة العراقية؟

بعد ان يدرك الخروف انه يتعرض لالتهام قاتل وتدريجي يبدا خوفه بالتحول إلى رعب يفقده عقله بإدراكه أن المقاومة العراقية تعده ليشوى كالمسكوف، والمسكوف هو الأكلة العراقية السمكية الفريدة في طريقة طبخها حيث يتم الشواء على نار شديدة ولكن من بعد، أي أن السمكة تتعرض لسخونة النار وليس النار ذاتها بفعل هبات الريح التي تنقل السخونة إليها لذلك يصبح طعمها فريدا، وهذه الفرادة هي التي جعلت الرئيس الفرنسي جاك شيراك يصاب ب( جنون المسكوف) حينما زار العراق بدعوة من الرئيس صدام حسين! كيف ذلك ؟ لتجنب التهامه قطعة قطعة لجأ الاحتلال إلى محاولة حماية جنوده بإرسال الدبابات وأوقف إرسال المدرعات أولا، كما كان يفعل حتى نيسان الماضي، فالدبابات تتقدم وبعد أن (تدمر) قسما من المقاومين تتقدم المدرعات التي تحمل الجنود كي يقاتل هؤلاء وتمسك المواقع المطلوب الإمساك بها.

ومع هذا الاستخدام المكثف للدبابات تقوم الطائرات المقاتلة والسمتيات بإسناد القطعات الأرضية بقصف شديد جدا. لكن المقاومة التي تدرك جيدا أنها يجب أن تتجنب تعريض نفسها للإبادة تناور وتداور، وهي تواجه دبابات متطورة، فتقوم مجموعات منها بضمان تدمير الأفراد والمدرعات القريبة لجعل الدبابة دون حماية بشرية خارجية، وعندها تنطلق عملية إعداد المسكوف بالمناورة حول الدبابة والوصول إلى مناطق الضعف فيها وضربها هناك فتحترق وتبدأ عملية شواء من فيها لان من يحاول الخروج سيقتل فورا برصاص المقاومين أو قناصتهم . كما تستخدم المقاومة قنابل حارقة ترميها على الدبابات عن قرب فتشتعل النار فوق بدن الدبابة وتدريجيا ترتفع الحرارة في الداخل ويأخذ المسكوف بالتعرض لحرارة الدبابة التي تسخن من الخارج، وهذا الشواء يختلف عن شواء (الباربكيو)، والباربكيو هي طريقة إعداد الأكل المفضلة لدى الأمريكيين في (الويك اند) حيث يشوون الدجاج والصوصج ولحم الضلع في الحديقة او البارك على منقلة تعرض اللحم للنار مباشرة!

بين التهام الخروف الأمريكي على الطريقة الصينية وشواءه على الطريقة العراقية في إعداد المسكوف يجد القادة العسكريون الأمريكيون في العراق أنفسهم في ورطة لا أمل في الخروج الأمن منها أبدا! وحينما أرادوا استخدام عملاء من العراق وجدوا أن العميل لا يقاتل وإن فعل مات مقتولا قبل أن يكتشف أن رصاصة مقاوم تأتيه من أي مكان، وهكذا تجبر القوات الأمريكية على الاختيار فقط بين الطريقة الصينية والطريقة العراقية في الشواء والأكل. في شارع حيفا وفي الرمادي والفلوجة وبعقوبة والموصل وعشرات المدن الأخرى رأينا، ورأى العالم كله، عروضا احترافية لأعداد الخرفان الأمريكية المصدرة من مزارع تكساس، أو السمك الأمريكي المصدر من نهر التوماهوك إلى عراق لا يوجد شعب في العالم يتقن افضل منه صنع القوزي (الخروف المشوي) والمسكوف، كل ضيوفنا يشهدون على ذلك أيام كان يأتينا الآلاف لحضور مهرجانات المربد وبابل والموسيقى ومسابقات القرآن الكريم وغيرها، فيصابون بالتخمة وهم يرددون: لم نتناول أطيب من هذا الطعام! هؤلاء، وفي مقدمتهم شيراك، لا يتذكرون القوزي ولا المسكوف الآن وشعب العراق يواجه محنة الغزو الصهيو-أمريكي، بل يتسابقون، مخمورين بعقار الـ(ل. س. دي)، لالتهام قطع (كنتاكي فراي جكن) ودهنها يسيل على ربطات أعناقهم! أو على عمائمهم المستلقية في أحضانهم لتسهيل التهام الطبخة الأمريكية!

إسقاط أوهام مخمورين

إن معارك العراق التي وصلت ذروة تاريخية يوم الأحد (12/9/2004) تسقط مرة أخرى وأخرى أوهام وافتراضات وتمنيات أطلقها أناس مخمورين أرادوا استبدال الواقع العراقي بسلسلة تمنيات وأكاذيب حول ما يجري في العراق لكن المقاومة المسلحة، وليس المخمورين، هي التي تحسم الأوضاع وتقرر المسارات، ففي يوم واحد فقط خسرت القوات الأمريكية 437 جنديا وضابطا قتلوا في المعارك الشاملة التي تصاعدت في مختلف أنحاء العراق بالتزامن مع قصف النجف، وهذا الرقم هو الحد الأدنى لخسائر أمريكا فيما أطلق عليه الإعلام تسمية يوم (الأحد الدامي)، فقط دققوا أرقام الخسائر الأمريكية التي نشرتها وكالات الأنباء الأجنبية، وأعادت نشرها مواقع انترنيت مثل البصرة ودورية العراق، واجمعوها، ستجدون أن الرقم الذي ذكرناه هو الحد الأدنى وذلك لعدم تضمين الخسائر الأمريكية في مدن عديدة وحتى إذا قيل انه رقم مبالغ فيه دعونا نقسمه ومع ذلك ستبقى خسائر أمريكا كارثية لأن 200 قتيل في يوم واحد كارثة حقيقية بالنسبة لأمريكا حتى لو كان القسم الأكبر منهم من المرتزقة الذين لا يحسبون ضمن قتلاها. إن ما جرى ويجري في العراق منذ الاتفاق بين مقتدى الصدر وقوات الاحتلال يشكل تطورا بالغ الأهمية في مجرى تصاعد الثورة العراقية المسلحة، إذ لم يسبق أن خسر الأميركيون في يوم واحد هذا العدد من القتلى منذ بدء غزو العراق، وإذا أضفنا رقم الحد الأدنى لخسائر أمريكا في الأسلحة تتضح صورة كارثة أمريكا في العراق بشكل افضل، فلقد تم إسقاط وتدمير41 سمتية (في قاعدة الحبانية فقط دمرت 15 سمتية) من مختلف الأنواع بما في ذلك شينوك الحاملة للجنود، ودمرت او احرقت 43 دبابة، و62 مدرعة، وفي كل تلك الحالات كان الجنود والضباط الأميركيون يموتون شويا كما في الباربكيو، إذا أردنا اعتماد (الطريقة الأمريكية) في الشواء، أو يتحولون إلى قوزي يشوى في تنور مغلق، أو مسكوف إذا أخذنا الطريقة العراقية في الشواء، حيث تأتي فيها إلى السمكة ريح ساخنة تطبخها على نار هادئة ! هذه المعارك الضخمة والشرسة على امتداد العراق ماذا تعني ؟ ما هي أهم الأوهام التي أسقطتها؟

وهم معركة بغداد الكبرى

من بين أهم ما أسقطته المقاومة وهم يقول بأن العالم ينتظر حصول (معركة بغداد الكبرى) فلقد استغل الكثير من الطفيليين ما أعلنه أحد قادة المقاومة قبل مسرحية (تسليم السلطة) لعراقيين من أن التسليم هذا سيشهد وقوع (معركة بغداد الكبرى)، وبسرعة بادر بعض المشبوهين بالكتابة عن هذه المعركة وكأنه عارف بها وعلى صلة بالمقاومة لخداع البسطاء! إن معركة بغداد الكبرى لم تعد حدثا متوقعا وسيحدث في المستقبل لأنها ببساطة تجري الآن تحت بصرنا ونشاهد آثارها من شاشات التلفزيون. لقد ابتدأت في تموز وزامنتها معارك ضخمة على امتداد العراق، وهي مستمرة حتى الآن، رغم أن أحد أسباب إشعال معارك النجف كان التعتيم عليها، ففي بغداد نجدها في شارع حيفا والاعظمية والدورة والعامرية وحي الخضراء (الشرطة) والمنطقة الخضراء ومدينة صدام والعامرية وفي مطار صدام الدولي ومطار المثنى والتاجي وغيرها، ويعبر عن وقوعها حجم العمليات العسكرية الأمريكية في بغداد، حيث تقوم قوات الاحتلال بالاستخدام الواسع النطاق للطائرات المقاتلة والسمتيات والدبابات وتكثيف استخدام القنابل العنقودية ضد المدنيين وتعمد قتل اكبر عدد منهم، ففي شارع حيفا فقط استشهد 92 عراقي خلال يومين، ومقابل ذلك تعرضت المنطقة الخضراء، التي يسيطر الاحتلال عليها فقط من كل بغداد، إلى القصف بصواريخ غراد ونزل إلى ساحة المعركة بكثافة ملحوظة مؤخرا صاروخ طارق المدمر (في تحية واضحة للمناضل طارق عزيز فك الله أسره)، واستخدمت قذائف الهاون ولكن بأعداد هائلة وغير مسبوقة وصلت المئات كل ساعة فأشعلت حرائق حولت ليل بغداد إلى نهار شاهده العالم من شاشات التلفاز! وفي معركة حيفا التي ما زالت مستمرة زحفت قوات المقاومة باتجاه المنطقة الخضراء وأخذت الدبابات الأمريكية تهرب بذعر واضح واستخدمت المدفعية الثقيلة لضرب مقر نيغروبونتي بقوة أدخلت الرعب في نفوس قادة الاحتلال! أما حكومة علاوي فقد اختبئ أركانها في أنفاق تحت الأرض حفرها الاحتلال مؤخرا.

كان تكتيك الاحتلال الجديد (والقديم) هو فرض تعتيم شديد جدا على عمليات المقاومة ومنع الفضائيات من تغطيتها وإعطاء انطباع بأنها تراجعت وأخذت تسير باتجاه الانطفاء، لكن حدة المعارك واتساعها وضخامتها وارتفاع خسائر الطرفين فيها جعل مستحيلا تجاهلها، خصوصا وأن الإعلام الذي يحترم نفسه ويتمسك بحريته في الغرب، وبالذات هيئة الإذاعة (والتلفاز) البريطانية، قام ويقوم بتغطية فيها قدر من المعلومات يكفي لتقديم أدلة جديدة على خدمة الفضائيات العربية للصهيونية الأمريكية، لذلك لم يكن ممكنا تجاهل هذه الفضائيات للحرب الدائرة بشراسة في العراق فقدمت بعض المعلومات الناقصة. لقد اختارت المقاومة أن تفجر معركة بغداد في تزامن مخطط مع التصعيد الشامل في كل العراق والذي تجلى في شن هجمات منسقة وكبرى على قوات الاحتلال الاستعماري في البصرة وغيرها من مدن الجنوب مما أدى إلى اختباء القوات البريطانية والبولندية والإيطالية وغيرها في معسكراتها التي تعرضت لمئات الصواريخ والقذائف ولم يكن أمامها من خيار سوى طلب النجدة من القوات الأمريكية، فتصوروا حجم الكارثة التي تتعرض لها أمريكا في العراق لأنها جلبت تلك القوات لنجدتها وتخفيف الضغط عليها فاصبح الأمر معكوسا تماما بعد تحويل ما كان نزهة في جنوب العراق إلى جحيم لا يطاق! الآن على القوات الأمريكية حماية القوات الحليفة وهذا يعني خوض الأمريكيين القتال في الجنوب أيضا، وتلك من اعظم إنجازات المقاومة في الشهرين الأخيرين ما دام أهم هدف قتالي تكتيكي لها هو تكبيد الاحتلال أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية مقابل هدف الاحتلال وهو تجنب التعرض لتلك الخسائر.

وهم استحالة انضمام الأقليات للثورة المسلحة

بعد محاولات يائسة لتلفيق أكاذيب من قبل الاحتلال والحكومة العميلة لترويج أكذوبة أن المقاومة تتراجع وأنها في طريقها للزوال انتقلت حرب التحرير إلى منطقة لم تكن تخطر ببال الاحتلال ابدا لا زمانيا ولا مكانيا وهي أقصى شمال العراق: تلعفر. وعنصر المفاجئة بالنسبة للاحتلال ليس المكان فقط بل طبيعة المكان أيضا، فهذه المدينة الصغيرة تضم تناسبا سكانيا اعتقد العدو أنه يخدمه، فهي تضم تركمان وعرب وليست عربية خالصة، كما أن تركمانها ينقسمون إلى سنة وشيعة، وفي إطار مخطط الاحتلال المعروف القائم على إثارة صراع طائفي وعرقي، من خلال نظام المحاصصة الاستفزازي، لم يخطر على باله (الاحتلال) أبدا أن تصل ثورة التحرير إلى هذه المدينة، وكان أقسى ما أدركه هو أن تركمان العراق جزء أصيل من المقاومة والثورة المسلحة ضد الاحتلال، فلقد راهن على استخدامهم ضد وطنهم العراق ونجح في تجنيد عملاء منهم تماما كما جند عربا وأكراد، لكن الصفعة التركمانية الوطنية العراقية كانت من الشدة بحيث أفقدته العقل فلجأ لأسلوب إبادة السكان هناك مركزا بشكل خاص على قتل التركمان والتمثيل بجثثهم الطاهرة مستخدما القصف الجوي وصهاينة العراق: "البيش مركة" الكردية.

ورغم ان انتقال الثورة الى تلعفر هوثمرة قرار القيادة المركزية للثورة العراقية المسلحة بايصالها الى كل شبر في العراق إلا أن تلعفر المتحررة، والتي صارت راس حربة في النضال الوطني التحرري العراقي، هي رسالة أخرى للعالم تؤكد أن الثورة العراقية متجذرة في نفوس كل العراقيين وأنها ليست فورة عاطفية أو قرارا فرديا أو فئويا أو حزبيا فقط بل هي إرادة شعب حر بكافة مكوناته تعرض للاستعباد الاستعماري الأمريكي فقرر نسيان خلافاته الداخلية مهما كانت حدتها وطبيعتها، كما يفعل أي شعب حي، واللجوء للثورة المسلحة، في إطار تحالف وطني عريض، بصفتها الخيار الوحيد لأي وطني عراقي يريد تحرير وطنه، لأن أي خيار سلمي في مناهضة الاحتلال ليس سوى دعم مباشر له مهما غلف ذلك بتبريرات أيا كانت، إذا لم يكن الخيار السلمي أحد الطرق الفرعية لدعم النضال المسلح، وليس بصفته الطريقة الوحيدة لمقاومته.

وما جري في معركة تلعفر أمر يؤكد وحدة المقاومة المسلحة ومركزية قيادتها وشمولها العراق كله وفق مخطط عسكري مدروس ودقيق لاستكمال متطلبات المرحلة الرابعة من حرب التحرير الوطنية وأبرزها تحرير مدن العراق وتحويلها إلى مناطق آمنة للثوار، فبعد قيام "البيش مركة" بجرائم إبادة في تلعفر تسندها القوات الأمريكية قامت قوات المقاومة بتدمير الشرطة والجيش العميلين وقبلهما القوة الصهيونية المسماة "البيش مركة" وإجبار قوات الاحتلال الأمريكية على الهرب من المدينة بعد تكبيدها خسائر فادحة فأحكمت المقاومة سيطرتها على المدينة. وحينما أرادت قوات الاحتلال استعادة السيطرة على المدينة، بعد قصف جوي مدمر قضى على حياة عشرات العراقيين وجرح الآلاف واعتقدت أن المقاومة قد سحقت، تقدمت أرتال الدبابات الأمريكية مسنودة بـ"البيش مركة" والقصف الجوي الشديد ولم تجد مقاومة فاستمرت بالتقدم حتى وصلت نقطة يصعب الانسحاب منها دون التعرض لخسائر بشرية فادحة، عندها شرعت قوات المقاومة بفتح نيران كثيفة على الأرتال الأمريكية والصهاينة المرافقين لها فتم قتل عشرات الأمريكيين وعشرات "البيش مركة" وأحكمت المقاومة قبضتها على المدينة بعد انسحاب من بقي حيا من قوات الاحتلال و"البيش مركة"، وعندها طوقت المدينة من الخارج ومنع الدخول إليها والخروج منها وابتدأ قصف جوي ومدفعي شديدين كان الهدف منه هو القتل المجرد للمدنيين، وهو وضع يتطلب انسحاب المقاومة لتجنب خسارتها أفراد ومعدات اكثر مما خططت، واستعدادها للعودة إلى السيطرة على المدينة في إطار عملية غسل دماغ الاحتلال وإقناعه بترك هذه المدينة والبقاء خارجها تماما كما حدث في مختلف المدن التي تحررت.

إن أهم دلالات معركة تلعفر هي تأكيدها إن كل مكونات العراق الدينية والاثنية تشارك في الثورة المسلحة وان كل الدعاية وصرف مليارات الدولارات رشاوي من أجل إشعال صراعات عنصرية وطائفية قد فشلت تماما، فبعد الفشل الذريع في إشعال فتنة طائفية في الجنوب ها هي أمريكا الآن تلعق جراح الفشل في إشعال فتنة عرقية بواسطة عناصر تركمانية عميلة.

وهم استحالة تشتيت قوة العدو

مع تصعيد معركة بغداد الكبرى تفتح المقاومة جبهات أخرى للحرب وبمستوى كبير جدا يجبر الاحتلال على إرسال قوات كبيرة إلى تلك الجبهات القتالية . والمقصود بالجبهة هنا هو تحويل مدينة أو منطقة إلى ساحة قتال رئيسي مستمر حتى لو توقف لأيام أو ساعات ووضع كهذا يجبر الاحتلال على تخصيص قوات لتلك المنطقة بشكل دائم وبذلك تستقطع هذه القوات من الجسم الكلي للقوات المحتلة ويصبح اصغر واضعف، وهذا بالضبط هو أحد أهم متطلبات انتصار أي ثورة مسلحة تنتقل إلى مرحلتها الرابعة، لأن مدن عديدة كانت تجري فيها عمليات منذ وقع الاحتلال لكنها كانت متفرقة وليست مستمرة بنسق قتالي مضبوط أو شبه مضبوط. ومن أهم الجبهات الجديدة التي فتحت هي الصقلاوية واللطيفية والزعفرانية والمسيب والحلة (بابل).

وقد ابتدأت المعارك تشتد وتتسع في البصرة والنجف (حينما وقع مقتدى الصدر اتفاقية هدنة استمرت المقاومة الوطنية الأصلية بعملياتها في الجنوب ولم توقفها وتوقف أنصاره فقط) وكربلاء والكوفة والعمارة والناصرية. وإذا أضفنا هذه المدن التي تحررت مؤخرا، أو التي تسير على درب التحرير، إلى الأخرى التي تحررت قبل شهور، مثل مدن محافظات الأنبار وديالى والموصل وسامراء وبيجي وصلاح الدين وغيرها تتكون لدينا صورة واضحة ومهمة ابرز ما فيها حقيقة أساسية وهي أن قوات الاحتلال تجبر على نشر أفرادها ودروعها في مختلف مدن وقرى العراق وبذلك يعد المسرح بصورة أنموذجية لتحقيق أقوى واخطر استنزاف للعدو، وزيادة أزمة نقص الجنود التي يعاني منها بشدة، ومنعه من حلها عبر إجباره على الاستمرار في نشر القوات وتوسيع نطاق النشر بتحرير المزيد من المدن والمحلات والقرى. إن نشر قوات العدو يعد من أهم مصادر ضعفه وتسهيل وتسريع عملية استنزافه، ولذلك لا مفر من تأكيد أن المقاومة قد نجحت بشكل هائل في تحقيق واحد من أهم أهدافها الرئيسية الواردة في برنامجها القتالي والسياسي الذي أعلن في أيلول/سبتمبر الماضي.

وهم استحالة فقأ (عيون) العدو

كان هناك من يروج لفكرة أن للاحتلال عيون متلصصة في كل مكان وانه يرصد كل الناس، وأن إغراء الدولار قوي وخطر وقادر على تجنيد العملاء بسهولة ...الخ من هذه الدعايات الأمريكية التي إن نجحت إلى حد ما في أفغانستان فإنها واجهت فشلا ذريعا في العراق، لأن المقاومة المعتمدة على تنظيمات البعث المنتشرة في كل مدينة وقرية وحارة، والتي تضم جهاز مخابرات قوي جدا وفعال، كانت ومازالت قادرة على متابعة وكشف وتصفية العملاء، بل اكثر من ذلك عانى الاحتلال من القدرة الفائقة لمخابرات المقاومة على اختراقه وتنفيذ عمليات خطيرة بناء على الحصول على معلومات (بالغة السرية) عن تحركات المسؤولين الأمريكيين الذين زاروا العراق وتعرضوا لمحاولات أسرهم أو قتلهم، كما حصل للجنرال جون ابي زيد في الفلوجة أو كما حصل لبول ولفووتز نائب وزير الدفاع الأمريكي عند قصف غرفته في فندق الرشيد، وأخيرا وليس أخرا تنفيذ واحدة من اخطر واهم العمليات الاستخبارية مؤخرا بوصول مخابرات المقاومة إلى داخل القصر الجمهوري المحتل، والذي يتخذ مقرا لقيادة الاحتلال، بما في ذلك مقر (السي. آي. أي)، فلقد دخلت عناصرها ذلك المقر وأحرقت ملفات تخص الرئيس صدام حسين واستولت على وثائق مهمة أخرى من بينها قوائم بأسماء العملاء الكبار للمخابرات الأمريكية غير المكشوفين في العراق والذين تعد بعضهم لحكم العراق بعد استنفاد الغرض من اياد علاوي وغيره من العملاء المكشوفين!

والتفوق الاستخباري للمقاومة اعترفت به قوات الاحتلال مرارا وعدته من اخطر التحديات التي تواجهها في العراق، وهكذا تكون العيون، التي يفترض أن تمتلكها قوات الاحتلال داخل العراق لاستغلالها لكشف المقاومة وتصفيتها، غير قادرة على الرؤية والتلصص وذلك لوجود مناخ مجاف لها وخطر عليها ومقابل ذلك توجد عيون المخابرات الوطنية العراقية التي تعمل ليل نهار لحماية المقاومة والشعب العراقي من مؤامرات أمريكا و"اسرائيل" وبريطانيا.

وهم القضاء على ثورة النجف الأشرف

منذ البداية كانت المقاومة الوطنية تدرك الأبعاد الحقيقية لما كان يعد للنجف وفيها، فلقد كان واضحا أن التعاون بين الحوزة وقوات الاحتلال والعملاء المعروفين مثل الجلبي والجعفري والحكيم كان يقوم على تكتيك تقاسم الأدوار بحيث تضمن هذه العناصر السيطرة على العراق ومستقبله من خلال تقديم الدعم المطلق لقوات الاحتلال من جهة واستمرار الولاء لايران من جهة ثانية، رغم ما قد يبدو من تناقض شكلي بين هذين الهدفين. وكان إنشاء ما سمي بـ(البيت الشيعي) خطوة أمريكية-"اسرائيلية" مهمة على طريق تفتيت العراق طائفيا . وفي إطار هذا المخطط كان يجب احتواء وتصفية العناصر الوطنية الشيعية التي تشكل قوة حاسمة داخل المقاومة الوطنية المسلحة، خصوصا في البعث، والتي نجحت في إيصال المقاومة المسلحة إلى الجنوب رغم الحملات الفاشية التي شنت لاغتيال وتصفية كوادر البعث والمقاومة الوطنية هناك، والتي وصلت حد اغتيال ما بين 40- 50 مناضلا يوميا حتى شهر أيار /مايو الماضي، وهو ما اعترف به مدير معهد الطب العدلي في بغداد.

لذلك وضعت خطة أمريكية - ايرانية لجر مقتدى الصدر رغما عنه إلى معارك مع قوات الاحتلال لأجل تحقيق هدفين أساسيين، الأول هو امتصاص نقمة الأغلبية الساحقة من شيعة العراق الرافضة للاحتلال والضاغطة من اجل الالتحاق بالمقاومة الوطنية المسلحة والتي أدانت الموقف الذي تبنته الحوزة والقائم على الاكتفاء بالمقاومة السلمية للاحتلال، وقد نظر شيعة العراق إلى هذا الموقف بصفته سياسة تلحق العار بالتاريخ النضالي للشيعة، لأنه يتطابق مع أهم ما طالب ويطالب به الاحتلال هو مقاومته سلميا وعدم اللجوء للسلاح (أليست تلك هي ديمقراطية الاحتلال؟)، أما الهدف الثاني فكان تصفية التيار الشيعي الوطني جسديا وسياسيا وحرقه معنويا وبلورة موقف (شيعي ) عام متوافق مع الاحتلال وداعم له وضمان القضاء التام على المقاومة المسلحة في الجنوب، وفي هذا السياق اهتم الجميع بشكل استثنائي بما أعلنته الإدارة الأمريكية من أنها تدعم تيار السيستاني ووصفته بـ(الاعتدال) وأنها تسعى للتعاون معه من اجل رسم صورة العراق الجديد! وفي ضوء هذه المعادلة الأمريكية – الايرانية اتجهت المقاومة العراقية إلى دعم مقتدى الصدر عسكريا وماديا على الأقل لضمان تغلب التيار الشيعي الوطني ولمنع تصفية الثورة المسلحة في الجنوب، وهذا الموقف مكن المقاومة من إنهاء تذبذب تيارات معينة وضمها إلى صف الثورة وترسيخ قاعدة استمرار المقاومة المسلحة وانتشارها في كل مدن الجنوب والقضاء على العناصر العميلة لأمريكا وايران بنفس الوقت، أو على الأقل إضعافها.

وحينما اجبر تيار الصدر على التراجع والقبول بالهدنة والتخلي عن خيار الكفاح المسلح استمرت المقاومة الوطنية في عملها المسلح ووسعته في الجنوب وأمسكت بالوضع هناك بقوة تتزايد يوما بعد آخر، مقابل انحسار نفوذ الداعين للمقاومة السلمية خصوصا بعد اجتياح قوات الغزو للنجف الأشرف وتدنيس مرقد الإمام علي كرم الله وجهه. لقد كانت معركة النجف تستهدف من وجهة نظر أمريكا والحوزة، بالإضافة لما تقدم، لفت النظر عن بدء معارك التحرير الأعظم والأكبر في مختلف مدن العراق والتعتيم عليها ومنع ذيوع أخبارها والمساعدة على خنقها، لكن هذا الهدف هو الآخر لم يتحقق لان الثورة المسلحة امتدت بزخم لا يصد لتشمل كل العراق مكتسحة العوائق المصطنعة التي وضعها الاحتلال بالتعاون مع الحوزة ورموز العمالة، فأسقط وهم أن بالإمكان فصل شيعة العراق عن وطنهم وواجبهم الوطني، وتعزز وتعمق اندفاعهم القتالي بقوة ليخطوا بدمائهم الطاهرة مآثر وطنية جديدة تضاف إلى دورهم الوطني في ثورات العراق التحررية، كثورة العشرين، وفي بناء تنظيمات الحركة الوطنية العراقية خصوصا دور الشيعة المتميز في إنشاء (الفرع العراقي) للبعث في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي.

وهم تعاون (جنرلات) صدام

بذل الاحتلال ويبذل جهودا تضليلية جبارة لتشويه صورة الجيش العراقي الباسل قبل وأثناء وبعد حصول الغزو، ولكن واقع هذا الجيش العظيم نسف وبدد كل الأكاذيب التي روجت حوله، مثل اتهامه بعدم القتال وسوء أداءه ولا مبدأية ضباطه، فها هي عروسة كل مقاومات العالم ( المقاومة الوطنية العراقية) تزهوا بانتصاراتها على أقوى إمبراطورية في التاريخ بفضل ضباط هذا الجيش الذين نهضوا منذ اليوم الأول للغزو الاستعماري للقيام بواجبهم الوطني واستمروا حتى اليوم وهم يقودون التشكيلات الأساسية في المقاومة العراقية مستخدمين خبرتهم العسكرية في تنظيم اعظم واخطر مقاومة ناجحة في التاريخ كله. ومن بين الإشاعات البائسة واليائسة التي روجتها أجهزة الاحتلال عبر الإعلام الأمريكي اتهام من أسمتهم (جنرالات صدام الأربعين) بالتعاون مع الاحتلال في مدينة بعقوبة من اجل القضاء على المقاومة المسلحة لقاء مائتي دولار عن كل اجتماع يحضرونه!!! وان هذا التعاون قد أدى إلى انخفاض كبير في عمليات المقاومة في بعقوبة المجاهدة ! كيف رد الجيش العراقي على هذه الروايات ؟ لم يكد يمضي يوم واحد على نشر هذا التقرير حتى شهد العالم كله أن مقاومة بعقوبة قد تطورت على نحو مدهش وغير مسبوق، إذ لم تكتفي المقاومة بمضاعفة عملياتها كميا بل عمدت للقيام بتصفيات جماعية لقوات الاحتلال وللمتعاونين معه وحولت بعقوبة إلى جهنم بالنسبة للاحتلال وعملاءه . لقد أكد جنرلات صدام، مرة أخرى وأخرى، انهم الاخوة الأوفياء لهدلة وأنهم كانوا ومازالوا قرة عين العراق وأمله في التحرير الكامل من الغزو الاستعماري، فكل عراقي يراهم يوميا من خلال أعمالهم وإنجازاتهم رغم انهم يعملون تحت الأرض، فالأسلحة الجديدة وتطويرها وحسن استخدامها وقدرتهم الفائقة وغير المسبوقة في تاريخ الثورات المسلحة على تقليص خسائر المقاومة إلى حد مدهش وعدم سماحهم بوقوع المقاتلين في الأسر رغم أن العمليات قد وصل عددها إلى اكثر من 300 عملية رئيسية يوميا في مختلف أنحاء العراق، كل ذلك أجبر العدو يوم السبت 11/9/2004 على الاعتراف بأن عدد عمليات المقاومة اليومي قد بلغ مائة عملية، وحتى إذا قبلنا هذا الرقم فأنه يؤكد أن المقاومة العراقية هي الأنشط والأقوى في تاريخ الثورات المسلحة المعروفة، بما في ذلك الثورة الفيتنامية العظيمة.

وهم التقدم النمطي للثورة المسلحة

يخطئ من يظن أن التأكيد على أن الثورة المسلحة تتقدم ولا تتراجع يعني أنها عند تحرير المدن تمنع العدو كليا من دخولها وان كل شيء قد استتب للمقاومة! إن هذا التصور هو تصور ينمط تطور الثورة المسلحة بصورة آلية لا خلق فيها، أي يدخلها في قناة مستقيمة ضيقة وخانقة بنفس الوقت، فما دام العدو يمتلك وسائل التفوق المطلق عسكريا وماديا فمن المستحيل الإمساك التام والنهائي بالمدن المحررة وعدم السماح له بدخولها مجددا. إذن ما المقصود بتحرير المدن؟ إن تحرير مدينة في ظل اختلال موازين القوى لصالح العدو يعني تحديدا منعه من التمتع بامتياز البقاء في المدينة بلا خسائر فادحة لا يستطيع تحملها، لذلك يضطر للانسحاب منها وقصفها من المحيط أو الجو، ثم يحاول العودة إليها لجس النبض، فيواجه برد مكلف يجبره على الانسحاب مجددا، وبتكرار هذه العمليات يقتنع العدو بأنه يجب البقاء خارج المدينة، وعندها تتم شروط اعتبارها مدينة محررة ويعاد تنظيمها بطريقة تخدم عمل المقاومة خصوصا من الناحية الأمنية، دون أن يعني ذلك عدم دخول العدو إليها مجددا، لأنه يستطيع ذلك بفضل تفوقه التام ماديا، لكنه في هذه الحالة يتعرض لهجمات مكلفة جدا.

في ضوء ما تقدم يتضح إن معنى تحرير المدن في حروب الشعب لا يعني المنع التام للعدو من دخولها بل هو يعني أن المدينة لم تعد مكانا آمنا للعدو وان بقاءه فيها سيعرضه لخسائر بشرية ومادية لا يستطيع تحملها لزمن طويل، ومن ثم اقتناعه بأنها أصبحت (منطقة قتل) له، لذلك يضطر لتركها والخروج منها وتطويقها من الخارج (في الحالة العراقية)، وقصفها على أمل إضعافها ومعاودة محاولة احتلالها. وتنطوي هذه البديهية في حرب الشعب على معنى محدد: إن دخول قوات الاحتلال إلى مدينة محررة بأرتال دبابات كثيرة وغطاء جوي لا يعني استعادتها لأن تلك القوات ستواجه مقاومة استنزافية مكلفة تعيد قيادة الاحتلال إلى المربع الأول! أي أنها ومهما عملت ستضطر للانسحاب مجددا.

ويترتب على هذه الحقيقة إدراك ضروري وهو أن الاحتلال، ومهما حشد من قوات، لن يستطيع تغيير الموازنة القتالية على الأرض، لأن الأرض المحررة صارت زئبقا ساخنا، وذلك يعني إنها كالزئبق في إفلاته من اليد وعدم إمكانية الإمساك به من مكان محدد لأنه سيتحول باتجاه آخر غير متوقع، ويفلت من اليد، وهي كذلك، أي الأرض المحررة، ساخنة كالزئبق، ومن ثم فإنها تلتهم وتحرق فجأة من يقف عليها جاهلا طبيعتها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة أصبحت ثابتة ومعترف بها من قبل الاحتلال وهي أن المقاومة تتقدم باستمرار وتتعاظم وتنتشر أفقيا وعموديا، رغم محاولاته المستميتة لخنقها، ولم تتراجع منذ الانتقال من الحرب النظامية إلى حرب الشعب يوم 9/4/2003 ندرك أن ما يخطط له الاحتلال لن يكون سوى عبث مقرون باليأس، بل إن اللجوء لخيار القسوة المفرطة سيحول المزيد من العراقيين إلى صف المقاومة المسلحة.

إن الثورة تتقدم بلا أي تراجع، وهي تكتسح اي عقبة يضعها الاحتلال معتمدة على أنماط من العمل بالغة المرونة وقادرة على استيعاب كل المفاجآت الممكنة التصور أو غير المتصورة، فهي تتقدم حينما ترى أن ذلك يقرب يوم النصر لكنها تتراجع حينما تدرك أن العدو قد حشد قوات قادرة على إلحاق أذى خطير بالمقاومة . وهذا التراجع مصمم للحفاظ على كادر وطاقات الثورة وعدم السماح للعدو بفتح جبهة لا تريدها المقاومة.

الخاتمة

بكل فخر يمكن لأي عراقي أن يقول إن يوم التحرير قد أصبح اقرب مما كنا نتصور، فهاهي الثورة تتقدم وتحرر الأرض والعرض والإنسان المدافع عن العرض، وهاهو العدو يترنح كالمخمور الذي لم يعد يستطيع الوقوف باستقامة، وهاهي قيادة الثورة تعزز دورها الريادي والقيادي وتحول المقاومة إلى صورة لمستقبل العراق، ولذلك نرى العدو يلجأ لمحاولة تفتيت المقاومة وشق القوة الضاربة التي تقودها وفبركة أسماء وأحزاب لا وجود لها في الواقع، كل ذلك من أجل تأجيل يوم التحرير، ولكن هيهات فالمارد انطلق من القمقم ولم يعد بإمكان أحد أن يعيده إليه.