نواقض الوطنية: النزعة القبلية
صلاح المختار/باحث وأكاديمي من العراق
ربما يحصل التباس لدى بعض من قرأ (نواقض الوطنية: الطائفية) نتيجة التأكيد في المقالة على أن القبيلة إحدى أهم مقدمات نشوء الأمة، لذلك من الضروري إيضاح هذه المسألة تجنباً لأي سوء منهم. إن تأكيدنا ذاك على أن وجود تأثير قوي للقبلية بعد ظهور الأمة وتبلور القومية والمفهوم الوطني العام لا يجب أن يقود إلى استنتاج مضلل وخاطئ وهو أن النفوذ القبلي طبيعي وصحيح ويجب إدامته أو تغذيته، فذلك يعد ردة إلى مرحلة ما قبل الأمة والوطنية. فحينما تستقوي القبيلة برابطتها القوية على الوطن ومركزية الدولة تحدث خللاً وتفككاً في بنية الدولة ومجتمع الأمة. لذلك يصبح ضرورياً إخضاعها للصيرورة التاريخية الطبيعية القائمة على حقيقة أن الانتقال من مجتمع القبيلة أو العشيرة إلى مجتمع الدولة الوطنية يحول السلطات الرئيسية من مجتمع القبيلة إلى الدولة ويخضع تلك المجتمعات لقوانين الدولة ودستورها.
ما الذي يعنيه ذلك ؟ ثمة فرق جوهري بين إقرار أن شيئاً ما حالة طبيعة وبين قبول تلك الحالة، فوجود الجراثيم والأمراض والثروة والخلافات والانسجام حالات طبيعية ولكنها ليست كلها مقبولة، فبعضها ضار ويجب التخلص منه، كالمرض مثلاً، وبعضها مفيد ويجب إدامته كالعلاقات الاجتماعية والقبلية، وتفرعها الطبيعي العشائرية، فالقيم القبلية حالة طبيعية وجزء أصيل من مكونات المجتمعات الشرقية بغالبيتها، وهي تتميز بامتلاك قيم بعضها إيجابي وبناء كالكرم والوفاء والشهامة وقوة الروابط بين الأعضاء الخ.. لكنها أيضاً تتميز بظاهرة سلبية وهي (العصبية القبلية) والتي تقوم غالباً على التجاوز على القوانين والمصلحة العامة والحقوق خدمة لأبناء القبيلة والعشيرة، صحيح أن هناك قاعدة طبيعية في المجتمعات كلها، بما في ذلك المجتمعات الصناعية الأكثر تقدماً وهي القائلة (أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب)، لكن صحة هذه القاعدة لها حدود، فالقانون وقيم العدالة والمصلحة العامة يجب أن تقيد تطبيق هذه القاعدة المهمة وإلا أصبحت ثغرة تدمر نسيج الدولة والمجتمع الوطنيين وتحوَّل الوطن إلى جزر منعزلة متضادة أو متعادية يحكم بينها السلاح والتحسب نتيجة غلبة الأنانية القبلية.
لذلك يجب وضع خط فاصل بين (صلاحية) القبيلة ومسؤوليات الدولة لأجل إبقاء الإيجابي في تقاليد القبلية والتخلص من السلبي أو تقليصه، فالقبيلة تملك حق تنظيم شؤون أفرادها الخاصة وليس العامة، مثل بعض الأمور المتعلقة بالزواج والتكافل والحفاظ على العلاقات الرحمية، وفي أحايين معينة حل بعض المشاكل بين أفرادها. لكن حينما يتعلق الأمر بالقضايا العامة، تنتهي (سلطة) القبلية وتبدأ سلطة الدولة، فالجرائم الكبيرة وحسمها وقضايا الملكية والتنظيم العام لحياة الأفراد، مثل قواعد الزواج والوراثة، وإدارة المحافظات والدوائر.. الخ هي صلاحية الدولة حصراً ولا يجوز للقبيلة أن تتدخل للتأثير عليها، ويشمل ذلك التعيينات في الوظائف، خصوصاً العليا، وتقرير كل ما يتعلق بالشؤون المالية والعقود، وتطبيق القانون.
وهنا يظهر الفرق بين دولة فيها قبائل وعشائر تتميز بقوة علاقاتها لكنها تخضع لقوانين وسلطة الدولة دون أي تمييز بين القبائل والعشائر لأنها كلها متساوية أمام القانون سواء أكانت صغيرة أو كبيرة، وهذا النوع من الدول يحفظ حقوق الأفراد، ومن ثم القبائل، ويضمن الازدهار والعدالة والتقدم، ودولة أخرى أيضاً فيها قبائل لكنها لا تستطيع إخضاعها لسلطتها القانونية، أو أنها تخضعها جزئياً وتترك مجالات واسعة لقيام القبيلة أو العشيرة بممارسة بعض صلاحيات الدولة، كبرت أم صغرت هذه الصلاحيات، ومن ثم نواجه دولة ضعيفة وعاجزة عن القيام بأهم واجباتها على الإطلاق: العدالة القانونية والعدالة الاجتماعية، ويترتب على هذا العجز بروز، ثم نمو، الفساد والمحسوبية وفقدان الأمن الوطني مقابل قوة (الأمن القبلي)، والمثال العراقي مهم جداً في هذا المجال، ففي العقود الخمسة الأولى من القرن العشرين كانت هناك ازدواجية في السلطة الاجتماعية فمن جهة أولى كانت هناك سلطة القبيلة والعشيرة القوية في نطاق المجتمع، لان الأفراد ينتمون لعشائر وذلك الانتماء قوي جداً إلى درجة انه كان يسبب شرذمة مكونات المجتمع العراقي، فصدر (قانون تنظيم العشائر) لأجل التخلص من بعض سلبيات العشائرية، ولكن من جهة أخرى، كانت هناك قوى اجتماعية تحررت من القوة المبالغ فيها للرابطة العشائرية واصبح الولاء للمجتمع الكبير ولتنظيمات اجتماعية أهمها الأحزاب السياسية، فمنذ الثلاثينات أخذت الأحزاب الوطنية تستقطب كل عراقي راغب بغض النظر عن انتمائه العشائري، لأن أهداف الأحزاب تشمل مصلحة الوطن كله وليس العشيرة أو القبيلة، وهكذا نشأت أجيال كبيرة وفاعلة جداً أخضعت انتماءها العشائري للمجتمع الوطني وقواعده وضوابطه.
وحينما قامت ثورة 14 تموز/ يوليو من عام 1958م برز اتجاه قوي جداً يدعو إلى القضاء التام والنهائي على النفوذ العشائري لأنه كان أحد أهم القواعد الاجتماعية التي اعتمد عليها النظام الملكي واحد أهم الثغرات التي نفذ منها النفوذ الاستعماري البريطاني إلى العراق، وهذا يعني أن العشائرية قد لعبت دوراً سلبياً عقب (ثورة العشرين) ضد الإنكليز، والتي لعبت العشائر فيها دوراً وطنياً إيجابياً! ورغم هذه الطبيعة المزدوجة لدور العشائر السياسي فإن ثورة 14 تموز ألغت (قانون العشائر) واعتبرت العشائرية داءً يجب استئصاله، فأصبح التفاخر بالانتماء العشائري (شتيمة) أو على الأقل يقلل من (جدية) المناضل (التقدمي) و(الثوري) و(القومي)، واستمر هذا الحال حتى وقوع الحرب العراقية- الايرانية حيث أن تلك الحرب كانت شاملة وقاسية واستنزافية وخطيرة جداً من حيث الآثار والنتائج. مما دفع طرفاها، العراق وايران، إلى استخدام كافة القوى الموجودة في المجتمعين من دينية وطائفية وعشائرية وعرقية..الخ لدعم المجهود الحربي، وهكذا شهد العراق إعادة اعتبار واضحة، وإن كانت جزئية، للرابطة العشائرية لأن أبناء العشائر انطلاقاً من شعور عميق بالخطر على عروبتهم، أخذوا يتطوعون في الجيش النظامي والجيش الشعبي دفاعاً عن العراق واظهر هؤلاء روحاً قتالية عالية وشجاعة فريدة وكانوا اكثر استعداداً للاستشهاد من اجل العراق من أبناء المدن الذين ضعفت رابطتهم العشائرية، وبناء على بروز هذا الجانب الإيجابي من العشائرية قامت القيادة العراقية بتقديم دعم معنوي ومادي لشيوخ العشائر وتم تنظيم العشائر مجدداً على أساس خضوعها لسلطة الحزب والدولة وسجلت هذه الظاهرة نجاحات مهمة في ترسيخ وحدة العراق الوطنية وحمايته، فالقبلية برزت كقوة وطنية طليعية تحمي الوطن وتضحي بالمال والروح من اجله، وهذا يختلف تماماً عن استخدام القبلية لتحقيق منافع مادية أو لخرق القانون والنظام العام من اجل مصلحة القبيلة، أو شيوخها.
لكن هذا الجانب الإيجابي اخذ يفقد بعضاً من قوته بفرض الحصار على العراق في عام 1990م وشن العدوان الثلاثيني في عام 1991م وتحول العراق إلى ساحة أطول واخطر حروب القرن العشرين عسكريا واقتصاديا ونفسيا.. الخ، ولذلك أخذت في النصف الثاني من التسعينات تبرز ظواهر سلبية منها طغيان النفوذ العشائري لدى بعض الإفراد وبعض المسؤولين الوسطيين وبدوافع مختلفة، فبعض الأفراد أراد حماية مصالحه ومصالح عشيرته بالانحياز للأخيرة، وبعض المسؤولين الوسطيين رأى أن اشتداد التآمر وتزايد خطورته وتعدد مصادره أخذ يهدد وجود العراق بالذات، فاختار أن يقدم للعشائرية تنازلاً من اجل أن توفر للوطن أمنه والدفاع الناجح عنه، لكن هذه المعادلة انطوت على خرق سلبي لمفهوم (المجتمع الوطني) ولمفهوم (سيادة القانون) حيث اخذ البعض مستغلاً الظروف (الاستثنائية) يتصرف بوحي مصالح العشيرة اكثر مما يتصرف بدافع القانون أو المصلحة العامة.
ووصلت مخاطر النزعة العشائرية ذروتها بحصول الغزو رغم أن أغلب أبناء العشائر حافظوا على وطنيتهم العالية وقاتلوا ببسالة دفاعاً عن العراق، إلا أن بعض (الشيوخ) اختار التعاون مع الغزاة واستغل أفراد عشيرته في خدمة الغزو، لكن تصاعد المقاومة المسلحة وقيامها بتأديب بعض شيوخ العشائر المتعاونين مع الاحتلال، أعاد للعشائرية دورها الوطني المشرف، حيث أنها تلعب دوراً مهماً جداً في المقاومة المسلحة من خلال تطوع أبنائها بتشجيع من شيوخها وقيام الشيوخ بتقديم المال والحماية للمقاومة ويشمل ذلك الأغلبية الساحقة من شيوخ العراق من البصرة حتى الموصل.
يتضح مما تقدم أن العشائرية، وإطارها الأوسع القبلية، بعد أن برز المجتمع الوطني أصبحت تنطوي على السلبي مثلما تنطوي على الإيجابي، ولضمان تغلب الإيجابي يجب أن تكون للدولة وقيادتها سياسة وطنية واضحة ومقنعة تستطيع استقطاب العشائر والقبائل ضمن أطرها وأن تجعلها تقبل بسيادة القانون والدولة بلا تردد وأن تحدد لها دوراً في بناء الوطن فلولا وجود خطه لدى القيادة للاستفادة من قوة الرابطة العشائرية، لأفلتت الأمور وسادت العشائرية على الدولة والمجتمع، وذلك يعني الخراب لكليهما. لقد استنهضت القيم الإيجابية في العشيرة مثل الشرف والكرامة والعزة والاعتزاز بالأصول القومية والفروسية والكرم والصدق.. الخ فكانت النتيجة أن العشيرة في منطقتها وعلى نطاق العراق كله، أصبحت أحد أهم حماة المجتمع والدولة وسخرت أموال الشيوخ ونفوذهم وأرواح أبنائهم لضمان أن لا ينجح المحتل الأجنبي بتدنيس قدسية العراق، ومع ذلك تبقى العشائرية خطراً على وحدة المجتمع والدولة إذا لم تخضع لمشرف عام قوي وعادل وعارف بحدود الدولة والعشيرة.