سيوف "الشرعية" والرقاب العربية!
نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين يقيم في الأردن
خلال فترة لم تزد على الثلاثين يوماً، إلا ببضعة أيام، استطاعت الإدارة الأمريكية تمرير قرارين في مجلس الأمن الدولي، أحدهما يحمل تهديداً للسودان والآخر يحمل تهديداً لسورية ولبنان معاً.
وإذا كان القرار الخاص بأزمة دارفور في السودان قد منح الحكومة السودانية شهراً، ثم - بعد انتهاء المدة أخذت إدارة بوش بالبحث عن قرار آخر يمكن أن يمهد للعدوان العسكري المباشر على السودان، فإن القرار الثاني (1559) الموجه ضد سورية أبقى باب العدوان على سورية موارباً إلى حين، لأن الكيان الصهيوني يريد "أمراً" ما خلال فترة الشهرين المقبلين، وعلى إدارة بوش أن تبرهن أنها جديرة بأصوات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية.
وإذا كان القراران قد اتخذا ضد ثلاثة أقطار عربية، ومعهما سيف مرفوع فوق أعناق هذه الدول العربية، فإن المهزلة تتبدى جلية حين تتم عملية مقاربة بين ما ينال العدو الصهيوني من الأمم المتحدة ومجلس أمنها، وبين ما ينال العرب من المؤسسة الدولية المختصة بالشرعية.
إن الكيان الصهيوني قد تجاهل إرادة المجتمع الدولي على مدى أكثر من خمسة وخمسين عاماً. وهذا الكيان تجاهل وداس القرارات التي كان يحلم ببعض منها، نعترف مثلاً بالقرارين 242 و338 لعامي 1967 و1973 وهما - في حقيقة الأمر - قراران في صالح الكيان الصهيوني من جميع الوجوه، إذ أن كلا منهما يدعو لاعتراف متبادل وعلاقات طبيعية بين العرب والكيان المحتل، وكان العرب قد قابلوا القرار 242 بالرفض في مؤتمر قمة الخرطوم، بعد هزيمة حزيران 1967 لكنهم عادوا فقبلوا القرار بعد صدور القرار 338 في اثر حرب تشرين/أكتوبر لعام 1973.. لأن القرار 338 تضمن توكيد ما ورد في القرار 242 مع ذلك فإن الكيان الصهيوني وبعد مرور سبعة وثلاثين عاماً على عدوان 1967 لم يلتزم بالقرار 242 وبعد مرور واحد وثلاثين عاماً، لم يلتزم او ينفذ القرار 338 وبعد مرور ستة وخمسين عاماً لم يلتزم بتنفيذ القرار 194 الخاص بحق العودة والتعويض للاجئين الفلسطينيين الذين شردتهم عصابات الهاغاناه والشتيرن والارغون من فلسطين في عام 1948.
ويبدو جلياً أن جميع القرارات الصادرة بشأن القضية الفلسطينية، حتى تلك التي خلت من ذرة إنصاف لشعب فلسطين، لم يلتزم بها الكيان "الاسرائيلي"، ولم يطالبه مجلس الأمن الدولي بالالتزام بها، كما أن هذا المجلس لم يمهل الكيان الغاصب ولا مرة مدة زمنية محددة "وإلاّ".. لأن هذه العملية (عملية الإمهال وإلاّ..) مخصصة للعرب وحدهم دون أمم الأرض بدليل أن هذه "وإلا: طبقت أكثر من مرة ضد أكثر من بلد عربي - في العراق مثلاً، وفي الصومال، كما أن النية المبيتة تنبئ بأن القرارين المذكورين بشأن (سيادة لبنان) و(دارفور) سوف يكونان مقدمة تمهيدية ضرورية من اجل أن تفرض الشرعية الدولية قراراتها بالقوة الأمريكية - التي يمكن أن تسمى فيما بعد القوة متعددة الجنسيات!.
ومن المؤسف إن اعتماد العرب كان دائماً على أن يتوجه طرف دولي - مهم - خاصة من ذوي حق النقض "الفيتو" فيمنع عنهم صدور قرار يشرع العدوان الصهيو- أمريكي ضدهم، وفي معظم المرات كان العرب يمنون بالخيبة، حتى في مواجهة المشروع الأمريكي الخاص بسورية ولبنان، فإن جورج بوش استطاع أخيراً أن يضع صوت فرنسا (في خرجه) مع أن العرب "يقتتلون الآن - من اجل إنقاذ الروح الفرنسية لصحفيين - هما مواطنان فرنسيان".. ولكن الإجابة الفرنسية العجيبة جاءت لتصطف مع قوة البطش والعدوان الأمريكية - المتصهينة ضد ملايين العرب!.
مع الأسف فإن العرب يمنون دائماً بالخيبة في اعتمادهم على قوى دولية أخرى.. كما حدث أيضاً في الموقف الروسي.. وحتى الألماني.. من مشروع العدوان على لبنان وسورية الذي اصبح قراراً هو 1559 ولو كان للعرب مواقف ذات وزن في السياسة الدولية لما حدث لهم ما حدث.. "جزاء" ثقتهم بالوعود واعتمادهم على (حسن النوايا) المعلنة في هذه العاصمة أو تلك، إن (براقش) تجني على نفسها.. وإذا كانت قصة المثل (عربية) فإن عرب الوقت الراهن باركوها ونأوا بأنفسهم عن العظة الكامنة وراءها!.
لو
كان للعرب جامعة فعلية ومواقف محددة وقاطعة وواضحة لما صاروا "نهباً" لكل ذي طمع..
أو نية عدوان..
الفرصة السانحة الآن- ربما تفوت بعد أيام أو أسابيع - تقول للعرب: حركة.. تحركوا
قبل أن تنزل سيوف "الشرعية" على رقابكم.. جميعاً من دون تمييز.