لا خطة سوى فك الارتباط

نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين يقيم في الأردن

بينما يعتبر غلاة المستعمرين الصهاينة عملية الانسحاب من قطاع غزة بأنها جريمة ضد الإنسانية، فإن شارون وأركان حكومته يدركون تماماً أن عليهم تقديم شيء ما يرضي هؤلاء الصهاينة، ويقلل من الخسائر البشرية والمعنوية التي يمنى بها الكيان الصهيوني جراء استمرار احتلال غزة وسواها أيضاً.

وإذا كان قادة المستعمرين قد هددوا بحرب أهلية لمنع الانسحاب غير التام من قطاع غزة، فإن شارون وأركان حكومته يلوحون لهؤلاء الغلاة ولسواهم بأنهم سيقومون بتحقيق أكثر من أمر في آن واحد:

الأول: تعويض ما يفقده المستعمرين في قطاع غزة بما هو أفضل في الضفة الغربية، والثاني: التهديد بطرد ياسر عرفات من مقره ـ السجن ـ في (المقاطعة) برام الله المحتلة.

تحتدم معركة التصريحات على السطح في الوقت الذي يواصل فيه جيش الاحتلال تنفيذ سياسة القتل والتدمير والاستباحة والإغلاق والمحاصرة ـ إن في قطاع غزة أم في الضفة الغربية. والمعادلة الصهيونية تساوي بالأرض في كل يوم الجثث الفلسطينية الشابة والطرية واليابسة في آن معاً، مع إسمنت وصخر البيوت الفلسطينية في الضفة كما في القطاع. سجلّ الشهداء يتزين في كل يوم بمزيد من السطور والأسماء، وفرجة العالم مستمرة، بل هي أخذت مسألة اعتيادية القتل وكأنها نشرة إخبارية اقتصادية للمختصين فقط، وأقل من ذلك.

الاحتدام الراهن سوف يتصاعد مع دنو موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية، بل ربما أقدم شارون على تنفيذ أكثر من خطوة من خطوات مسلسل تثبيت الكيان الصهيوني وحمايته والتخلص من كل ما يخيف مستقبل هذا الكيان إن كان ذلك متعلقاً بالإنسان الفلسطيني أم كان ذلك متعلقاً بمخاطر يراها الكيان الفلسطيني، أم كان ذلك متعلقاً بمخاطر يراها الكيان الصهيوني مقبلة عليه مستقبلا من هذه الدولة العربية أو تلك أو من هذا الإنجاز في هذه الدولة أو تلك في المحيطين الإقليمي والدولي.

ويمكن لهذه الفترة أن تكون الفرصة المناسبة لكي يتمسك شارون بما أعلنه من أنه ليست هناك سوى خطة وحيدة هي فك الارتباط بما يعني إن "خارطة الطريق" ليست تلك الصادرة عن اللجنة الرباعية ولا هي المتفق عليها في شرم الشيخ، ولا هي ما يتصوره الطرف الفلسطيني وهو يحاول إقناع المجتمع الدولي، والدول الأربع، بأن السبيل إلى الحل هو تنفيذ "خارطة الطريق". بل إن الأجندة الصهيونية، في هذه المرحلة، تتضمن خطوات يراها شارون و"الليكود" كما يراها "العمل: ضرورية لبث الطمأنينة في نفوس الصهاينة وخاصة نفوس المستعمرين، ومن ذلك الاتجاه الاستباقي شمالاً وشرقاً في آن واحد، نحو سوريا ولبنان، وربما امتدت الذراع الصهيونية إلى ما هو أبعد من العراق حتى يقول لغلاة المستعمرين إنه على مصالحهم أشد حماساً مما هم يتصورون، وأنه يبذل هذا كله لكي يرتاح ضميرهم المعذّب وهم يعتبرون أن إخلاء جزء من قطاع غزة جريمة ضد الإنسانية، والإنسانية المسكينة تعاني من سكرات الموت بفعل ضربات يومية تكال لها كمطر من سهام الموت، من الصهاينة وأمثالهم في عالم لم يعد فيه الإنسان سوى وسيلة مهمة حيناً ومهمّشة حيناً آخر، وبحسب الفائدة التي يجنيها صاحب القدرة والقوة على حساب الحق والعدل.

وواضح أن الطرف الصهيوني يستغل أكثر من بادرة أو وحدة قوة لصالحه، ومن ذلك القرار (1559) الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن العلاقة السورية ـ اللبنانية، ومن ذلك احتدام الجدل في الداخل الفلسطيني بشأن الإصلاح ومدياته، وخطواته وضروراته ـ الدولية والمحلية ـ والأولويات الراهنة في معركة الداخل الفلسطيني حيث يطالب الجناح العسكري لحركة فتح قيادته بالعودة إلى خيار المقاومة وكأن الحديث الصهيوني عن طرد أبي عمار من رام الله المحتلة ليس سوى جزء من رد جاهز على مطالبة فلسطينية أشمل بحقوق مراجعة شاملة لما تحقق في مسار مدريد ـ أوسلو منذ أكثر من عشر سنوات، سوى المزيد من الدمار والقتل والاستباحة ومصادرة كل حق من حقوق الإنسان والحياة ذاتها وبحيث ضاقت سبل الحياة على شعب فلسطين من جهة، وضاقت مساحة المناورة السياسية أمام القيادة الفلسطينية من ناحية ثانية، ووصل أمر الحل السلمي إلى زاوية مهلكة من ناحية ثالثة.

بل يخيّل للمتابع منذ أيلول/سبتمبر 1993 أن التصاعد الذي حدث، آنذاك، إنما كان بهدف أن يكون الارتطام نزولاً أعنف وأثره أكبر، وإلى درجة ضيق مساحة الخيارات المتاحة أو سد منافذ هذه الخيارات. فما كان ممكناً قبل 13/9/1993 صار الآن مستحيلاً أو شبه مستحيل، بعد أن كبلت السلطة الفلسطينية الشعب الفلسطيني بعدد من الاتفاقيات - القيود، وتظل تعلن أنها ملتزمة بها، في حين يضربها الطرف المعتدي الصهيوني عرض الحائط، ويدفع السلطة الفلسطينية إلى مزيد من التنازلات حتى لم يتبق لدى هذه السلطة ما يمكن أن تتنازل عنه. حتى الحديث عن أن الانسحاب من قطاع غزة هو (الحل) ليس سوى بالون اختبار، بمعنى أن يكتفي المحتل بتقديم هذه الهدية للشعب الفلسطيني وقيادته وهو المسكين يغامر بحرب أهلية كما يغامر باقتراف جريمة ضد الإنسانية لأن هؤلاء الصهاينة المحتلين سيفقدون أراضيهم وحقوقهم وكذلك مستقبل أولادهم وأجيالهم وحتى قبور أجدادهم إن هم اجبروا على إخلاء قطاع غزة..! أية جريمة هذه إذ تقارن بالجريمة الأكبر في التاريخ الإنساني لشعب فلسطين منذ عام 1948..؟!

وهل أن المستعمرين سوف يغادرون فعلاًَ أراضيهم بالقوة المسلحة لكي يمنحوها مجانا ولوجه الإنسانية لشعب فلسطين..! ومن أين جاء هؤلاء المستعمرون..؟ أين حق البولندي والنمساوي والأميركي والروسي وسواهم في فلسطين..؟

إن ما يجري تعهير للتعليم وللمبادىء وهو (تعهير) يراد له أن يصبح حالة دائمة وعامة وسبب ذلك كله، في الأساس هو التنازل عن الحق المقدس المضمون في المقاومة لقاء عهود ووعود اشتهر بالدوس عليها (...) الصهاينة دائما، وما أحلى فعلاً أن يعيد الجانب الرسمي الفلسطيني النظر في مسار التنازلات التي لم تؤد إلى الوصول لشبر واحد من 27 ألف كيلومتر مربع، هي مساحة فلسطين.

وإذا قيل أن شعب فلسطين قد (تعب) فليعلم القائلون أن التعب ما نال من هذا الشعب إلا جزئياً وبسبب المسار المهلك الذي أجبر هذا الشعب على السير فيه.. لكي يتأكد الجميع أن لا خطة سوى خطة شارون ولا خريطة سوى خريطة شارون وما يمثله شارون.

أما التهديد بالإبعاد.. فلربما كان هو الأفضل.. لأن أبا عمار ـ آنذاك ـ سوف يكون أكثر حرية واكثر حركة ولربما استدار هو بقيادته بمعدل مائة وثمانين درجة عن مسار (أوسلو).