إنعاش الذاكرة العربية الإسلامية 1-4

النفط يحدّد مصير المشرق العربي وإيران!

بقلم: نصر شمالي/كاتب وباحث من سورية

تقع المفاتيح الرئيسية لحوض المحيط الهندي عموماً في مشرق الوطن العربي الكبير، وتشكل فلسطين بوابة أولى من بوابات هذا الحوض، لم يقلل من أهميتها اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح في أواخر القرن الخامس عشر، الأمر الذي يفسّر لنا إصرار الولايات المتحدة على تقديم الدعم المطلق لقاعدتها الصهيونية، ويفسّر أيضاً هذا التمادي بلا حدود في محاولات استئصال الشعب الفلسطيني، فواشنطن تعتبر فلسطين المحتلة مركز الانطلاق الأهم، سياسياً وعسكرياً، على طريق السيطرة على مجمل منطقة حوض المحيط الهندي، حوض الثروات الأزلية!

لقد أعطت الثورة العاصفة في ميدان الصناعة، وفي وسائل المواصلات والاتصالات، أهمية متعاظمة للخليج والمشرق العربيين، لأن ثلثي الموارد المكتشفة من نفط العالم تقع في هذه المنطقة وما حولها، ولذلك فإن الأحداث هنا تجتذب الاهتمام الرئيسي لجميع القارات، حيث هذه الأحداث تعطي تأثيراً مباشراً وغير مباشر، بصورة تكاد تكون فورية، على وتائر النمو الاقتصادي للدول الاحتكارية الكبرى، وعلى موازين مدفوعاتها، وعلى مستوى التضخم فيها، وأيضاً على دول العالم الأخرى الخاضعة لشبكتها الربوية الدولية. والأهم والأخطر، من دون مبالغة، أن مصير النظام الاحتكاري الربوي العالمي يبدو مرهوناً بمستقبل أمم حوض المحيط الهندي، وعلى الأخص منه منطقة شرق المتوسط، وخاصة فلسطين والخليج العربي!

من أين يبدأ تغيير العالم؟

إن التطلع المنطقي المشروع إلى نظام عالمي عادل، نظيف من سرطانات الاحتكار الربوي، لا يمكن أن يكون واقعياً وعملياً وجدّياً إذا لم ينطلق من مسألة تحرّر أمم حوض المحيط الهندي، وبخاصة في الخليج والمشرق العربي، فالاحتكارات سوف تحتفظ بشبكتها الدولية العنكبوتية عاملة وفاعلة ما دامت سيطرتها مستمرة على مفاتيح حوض المحيط الهندي!

لقد توهمت الأمم المعذبة، في لحظة تاريخية مضت، أن قوة الاتحاد السوفييتي الجبارة كفيلة بردع الاحتكاريين، أو بالحدّ من عدوانيتهم الشرهة على الأقل، غير أن تلك القوة، كما ثبت لاحقاً، ما كانت كافية لتشكيل عامل التغيير العالمي الإيجابي الحاسم، لأن عملية تغيير العالم، نحو الأفضل أو الأسوأ، لا يمكن أن تنطلق من ثلاجات سيبيريا، ولا من الصين سقف العالم المعتزل، ولا من اليابان طبعاً. إن عملية التغيير التاريخية، النوعية وليس الكمية، تنطلق موضوعياً من منطقة حوض المحيط الهندي، حيث مناجم العالم وأسواقه، وحيث الأكثرية الساحقة من البشرية التي لها مصلحة مصيرية بالتغيير، أما المدخل فهو بوابات هذا الحوض بالمعنى الروحي والثقافي والمادي والجغرافي، أي الخليج والمشرق العربيين، وبما أن كل جهد واع ومخلص يرتجى أن يصب في خدمة هذا التغيير لصالح الإنسان عموماً، فإن المطلوب دائماً هو إبراز الصورة الواضحة عن أوضاع حوض المحيط الهندي المتكاملة، وفي مقدمتها منطقة الخليج والمشرق العربي، في الماضي وفي الحاضر، حيث مثل هذا الإبراز يساعد على تشكيل رؤية منطقية مشتركة بصدد مستقبل العالم، وعلى هذا الأساس سوف نعرض بإيجاز شديد جانباً من أوضاع بعض بلدان ما يسمى حسب المصطلحات الاحتكارية "منطقة الشرق الأدنى والشرق الأوسط" ابتداء من نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

نفط إيران يحدّد مصيرها!

في عام 1872 كانت إيران في قبضة بريطانيا، باستثناء بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة روسيا القيصرية، وفي ذلك العام بالذات حصل البارون جوليوس دي رويتر (مؤسس وكالة الأنباء البريطانية رويتر في ما بعد) من شاه إيران على امتياز مدته سبعين عاماً، وشمل حسب الاتفاق:" جميع بلاد فارس، وجميع الموارد المعدنية، ماعدا الذهب والفضة والأحجار الكريمة"!

غير أن الروس اعترضوا على ذلك الامتياز البريطاني، ونجحوا في إيقاف تنفيذه، لكن رويتر عاد في عام 1889 وحصل على امتياز جديد بمساعدة الوزير البريطاني المفوض في طهران، وبالفعل انطلقت شركة رويتر في عمليات التنقيب، فأنفقت نصف مليون دولار في البحث عن البترول، ثم توقفت!

في عام 1901 حصل رجل يدعى وليم نوكس دارسي على امتياز مشابه لامتياز رويتر، لمدة ستين عاماً، وقد استبعدت شركة دارسي من امتيازها المقاطعات الشمالية الخمس المتاخمة لبحر قزوين تحاشياً لاعتراضات روسيا، وشمل الامتياز مناطق لا تقل مساحتها عن 480 ألف ميل مربع من إيران، وبعد أن أنفق دارسي ما يزيد على مليون دولار في عمليات التنقيب والحفر وجد نفسه بحاجة إلى مساعدة آل روتشيلد، وإلى مساعدة السير أرنست كاسل، وغيرهم أيضاً، وبينما كان يتفاوض مع البارون روتشيلد في مدينة "كان" استدعته البحرية البريطانية إلى لندن، حيث صار اللورد فيشر قائداً للبحرية، وكان متحمساً جداً لتسيير سفنه وأساطيله بالبترول، وهو أراد من استقبال دارسي أن يطمئن إلى إمكانية تأمين مصادر نفطية ثابتة، فأمر بالفعل بتشكيل لجنة للبحث عن مورد مضمون لتزويد الأسطول البريطاني بحاجاته من النفط، فقد كانت بريطانيا في ذلك التاريخ تحصل على كميات لا تفي بالغرض من بورما وآسام!

بعد مرور سبع سنوات، وبرعاية ودعم الحكومة البريطانية التي هي حكومة رجال المال والأعمال، حقق امتياز دارسي النتيجة المنتظرة منه عندما اكتشف البترول الإيراني في "مسجدي سليمان" على عمق 1180 قدم، واتضح أنه كان أكبر حقل تم اكتشافه حتى ذلك التاريخ في أي مكان في العالم، بما في ذلك حقول الولايات المتحدة، وسرعان ما تأسست شركة البترول الإنكليزية الفارسية!

تشرشل يعرض خصائص البترول!

كان سباق التسلح قد بدأ في أوروبا منذراً بقرب نشوب الحرب العالمية الأولى، حيث الاحتكاريون الألمان يتطلعون إلى احتلال موقع القيادة الأول في النظام العالمي، أو إلى شراكة متكافئة مع الاستعمار البريطاني والفرنسي في الاستيلاء على المستعمرات ونهبها! غير أن الصهيوني البريطاني الأعظم ونستون تشرشل كان يشعر بقدر كبير من الاطمئنان وهو يراقب التهديدات الألمانية، لأنه كان راضياً عن أوضاع قواته ومصانعه وجاهزيتها بفضل النفط الإيراني، وقد عرض تشرشل خصائص البترول في كتابه "الأزمة العالمية" على النحو التالي :" كانت المزايا التي يحققها الوقود السائل لا تقدّر بثمن، وأولها سرعة الحركة، ففي السفن المتساوية الحجم كان البترول يمنح تلك التي تستخدم النفط زيادة كبيرة في السرعة قياساً بتلك التي تستخدم الفحم، فالنفط يجعلها قادرة على بلوغ سرعة فائقة في وقت أقصر بكثير، ويعطيها 40 % زيادة في حركة نصف المدى للمعدل نفسه من الفحم، وقد صار بالإمكان إعادة تزويد الأسطول بالوقود السائل وهو في عرض البحر بسرعة عظيمة، والأسطول الذي يستخدم البترول يمكنه عند اللزوم، في المياه الهادئة، الاحتفاظ بموقعه في البحر مغذياً نفسه بنفسه من ناقلات البترول دون الحاجة إلى إرسال ربع قواته إلى الميناء بصفة مستمرة لطلب الفحم، مبدّداً الوقود في رحلتي الذهاب إلى أرض الوطن والإياب منها إلى عرض البحر، ثم إن استخدام البترول جعل من الممكن في كل طراز من السفن تسليح السفينة بمدفعية ذات قوة أكبر، وأن تجتاز بسرعة أكبر، مع حجم أقل، ولهذه الأسباب، ولأن البترول لم يعثر عليه بكميات ذات قيمة في جزيرتنا (بريطانيا) أصبح ضرورياً العثور عليه في الخارج! وهكذا ساقتنا سلسلة متصلة الحلقات من الأحداث المتتابعة إلى اتفاقيات البترول الأنكلوفارسي"!

كيس نقود كبير وعميق!

لقد نهضت شركة رويال دوتش النفطية كإمبراطورية حقاً، ووقف إمبراطور الشركة، اللورد فيشر، ليخبر مزهواً ومنتشياً أوساطه من المرابين النهابين بغرائب عالمه التجاري، فقال ما يلي :" إن البترول هو أغرب بضاعة في عالم التجارة. إن الشيء الوحيد الذي يعرقل بيع هذه البضاعة هو التعثر في إنتاجها، فليس في العالم مادة غير البترول يمكنك ضمان استهلاكها ما دمت تنتجها، وليس من داع للقلق بشأن الاستهلاك، فأنت كبائع لا تحتاج إلى إبرام عقود آجلة، لأن البترول يبيع نفسه بنفسه. إن ما تحتاج إليه هو كيس كبير للنقود، عميق عميق عميق، كي يكون بوسعك أن تهزّ إصبعك في وجه كل إنسان من دون أن تبالي بشيء"!

كان الإمبراطور الآخر،مستر ديتر دينغ الذي قاد الشركة الهولندية البريطانية المندمجة رويال دوتش – شل، تاجراً نموذجياً، فهو صاحب فلسفة في ميدان الأعمال الشايلوكية تقول أن المارك الألماني صحيح في نظر شركته مثل الجنيه الإنكليزي!وخلال الصراع الضاري بين بريطانيا وألمانيا كان همه الوحيد الأساسي هو بيع أكبر كمية من البترول لكلا الأسطولين المتحاربين بأعلى سعر ممكن! لذلك عرض تشرشل على البرلمان البريطاني، في عام 1914، مشروع قانون يتضمن اقتراحاً بدعوة الحكومة للحصول على حق السيطرة على الشركة الأنكلوفارسية، عن طريق استثمار مليارين من الجنيهات، الأمر الذي أثار، بالطبع، دهشة النواب المحافظين، رجال المال الحرام والأعمال الشائنة!

لقد دخلت الحكومة البريطانية بالفعل مباشرة كشريك في الأنكلوفارسية، فكان لذلك الحدث طعماً غير مستحب عند الأوساط المالية البريطانية التي وجدت فيه لوناً من ألوان الاشتراكية! ومن جهة أخرى، لم يكن ذلك الدخول الحكومي البريطاني مستحباً في أوساط الدول الربوية الأخرى المصدّرة للنفط من مستعمراتها، لأنها باتت تشعر أنها تتعامل مع الحكومة البريطانية مباشرة، لكن تشرشل المحافظ حتى النخاع كان راضياً عن مشروعه انطلاقاً من تصوراته الإمبراطورية العالمية، وقد راحت حكومته تتعامل مع شيوخ عربستان، الذين يقع النفط في بلادهم، متجاهلة طهران تجاهلاً تاماً!

واشنطن وباريس على الخط!

بعد انتصار الثورة الروسية، عام 1917، تطلعت بريطانيا إلى بسط سيطرتها على مجمل إيران، حيث كانت حتى ذلك الحين تتقاسم السيطرة مع حكومة روسيا القيصرية، لكن الولايات المتحدة، وكذلك فرنسا، كانتا لها بالمرصاد، فواشنطن تخشى أن يحرمها النفوذ البريطاني من الحصول على أية امتيازات نفطية في المستقبل، ولذلك أوعز وزير خارجيتها إلى سفارته في طهران بعرقلة وإفشال أعمال المجلس الإيراني والحكومة الإيرانية في سعيهما لاتخاذ قرارات هيأتهما لندن لاتخاذها! أما الفرنسيون فرأوا في التحرك البريطاني محاولة لاحتكار النفط والتحرر من الاعتماد على النفط الأميركي! وقد جاءت الخطوة الفاصلة، التي وضعت حداً لمحاولات الإنكليز، من لواء القوزاق الفارسي الذي يقوده ضباط من الروس المناوئين للثورة، على رأسهم رضا خان شاهاً لإيران عن طريق انقلاب عسكري. إنه والد شاه إيران الثاني والأخير محمد رضا بهلوي!

امتيازات خرافية وصراعات ضارية!

كان قد حدث في عام 1916، أن شخصاً جيورجياً، هو مجرّد مغامر، حصل على امتياز مدته سبعين عاماً في مناطق إيران الشمالية، ولما كان ثمة خطر على تلك المناطق بعد دخول جيوش الثورة إلى أذربيجان فقد سارع ذلك المغامر المدعو أكاكي إلى بيع امتيازه للشركة الأنكلوفارسية مقابل مائة ألف جنيه فقط دفعتها له الشركة بلهفة، غير مصدّقة أن هذه النعمة هبطت عليها من السماء، وسمحت لها قانونياً ببسط نفوذها على شمالي إيران! فثارت ثائرة الأميركيين، وأبرق وزير خارجيتهم للبريطانيين قائلاً بنبرة حانقة أن حكومته استقر رأيها على أن "احتكار إنتاج أية مواد أولية جوهرية يتعارض مع سياسة الباب المفتوح"! وفي الوقت نفسه رفض المجلس الإيراني التصديق على الامتياز البريطاني في الشمال، فسحبت شركة النفط البريطانية أقساط الرسوم المستحقة لطهران ولم تدفعها في محاولة لإرغام طهران على الرضوخ، وطالبت الصحافة الإيرانية باتخاذ إجراءات تمنع الشركة من "ابتلاع بلاد فارس كلها"! وعندما تقدمت الشركة الأميركية ستاندرد بطلب للحصول على الامتياز، وافق المجلس الإيراني متلهفاً على وجود قوة مناهضة للبريطانيين! وقد ذهب السير جون كادمان، عضو مجلس إدارة الشركة البريطانية، إلى نيويورك للتفاوض مع ستاندرد، وفي نهاية عام 1921 توصل الطرفان إلى اتفاق تعترف ستاندرد بموجبه بصحة امتياز الشمال الذي اشترته الشركة البريطانية من أكاكي! هذا أولاً، وثانياً تدفع ستاندرد مبلغ 178 ألف جنيه ثمناً لحصة النصف في ذلك الامتياز! أما المجلس الإيراني البائس فقد راح يعترض بدوره، لأنه لم يخوّل ستاندرد سلطة تحويل أي جزء من امتيازها إلى الشركة البريطانية.. الخ!

في خضم ذلك الموقف المتشابك تقدم هاري سنكلر، رجل الأعمال الأميركي الذي يشتغل بالنفط، وعرض قرضاً قيمته عشرة ملايين دولار مقابل الحصول على امتياز لمدة خمسين عاماً يكفل للحكومة الإيرانية عائدات مقدارها 20%، وتعيين خمس عدد المديرين، وملكية ربع كمية الأسهم! لقد كان، بالطبع، حسماً خلبياً للموقف المعقد على الطريقة الأميركية، وجاءت مبادرة سنكلر بإلحاح من وزير التجارة الأميركي هربرت هوفر! وقد صادق المجلس الإيراني على طلب الامتياز الأميركي في عام 1924، غير أن سنكلر "عجز" عن تسليم القرض حسب الاتفاق متذرعاً بشتى الذرائع، لكنه ويا للعجب بدأ فعلاً أعمال الحفر! ولم يكن ذلك كله سوى مظهراً من الصراعات الضارية، الغامضة المعقدة، التي لم تحسم!

لقد كان هذا كله، وغيره كثير، يحدث بينما الشعب الإيراني المعذّب بعيد تماماً، يتحرّق غيظاً وهو يرى بلده وثرواته ومصيره في أيدي المرابين والمغامرين واللصوص، فالأموال التي لا يستولي عليها الشاه القوقازي، الذي لم يقبل بأقل من عرش الطاووس، كانت تذهب لسداد الديون الملفقة، المستحقة لأصحاب المصارف الأوروبيين والأميركيين الذين لا يشبعون أبداً، والذين يأخذون دائماً ودائماً، ولا يعطون أبداً أبداً، وإذا ما أعطوا القليل ففي معرض أخذ الكثير!