مذبحة بيسلان.. وقوننة المذابح!
عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في دمشق
ستمر على الروس فترة زمنية ليست بالقصيرة وهم يعيشون تداعيات مذبحة بيسلان الأوسيتية الفظيعة، ومن الآن فصاعداً على الدب الروسي، الذي أطلق في شمالي القوقاز العنان لغرائز توجهها روح الانتقام لا منطق الدولة وحكمة صاحب القرار فيها المفترضين، أن يلعق جراح جسده الغائرة مكابراً، كما أن على سيد الكرملن أو قيصره الحالي، المترع بعقدة الإحساس بكبرياء مهدورة لدولة عظمى غدت الأشبه بعزيز قوم ذل بعد انهيار الحقبة السوفيتية، أن يجد تبريراً مقنعاً ليس للعالم فحسب وإنما حتى للروس والأوستيين تحديداً، لهذا الاستخفاف المرعب بأرواح مواطنيه، وهو يعالج مسألة احتجاز رهائن بمثل هذه الطريقة القاسية، أو الحماقة الدموية في أحسن الأحوال، مهما كان نوع الخاطفين أو هويتهم، أو دوافعهم واستهدافاتهم، أكانت سياسية أم مافاوية، أيحسن الاستجابة لمطالبهم أم لا مفر من رفضها. إذ كيف يمكن قبول اقتحام أمني أرعن، إن أحسن الظن، وبهذه الطريقة الفجائعية، لمدرسة تعج بمئات الأطفال وذويهم المحتفين ببدء العام الدراسي، من أجل قتل أو القبض على حفنة من محتجزيهم المزنرين بالمتفجرات، ومجهولي الهوية بحجة عدم جواز التفاوض مع الإرهابيين. ونقول مجهولي الهوية، لأنه حتى الآن لم يقدم الروس دليلاً مقنعاً واحداً على انتماءاتهم الحقيقية أو هوية من أرسلهم، سوى معزوفة الإرهاب الدولي، أو الإسلامي، أو الشيشاني، أو أن من بين جثث القتلى من لهم سحنة عربية، وتكرار حكاية بساييف التي غدت أشبه بحكاية أبو مصعب الزرقاوي الأمريكية في عراق ما بعد الاحتلال.. ونقول مجهولي الهوية، أو غير المؤكدة، أيضاً، لأن الروس لم يكتشفوا، أو يكشفوا حتى الآن، هوية من فجر الطائرتين الروسيتين، أو ارتكب جريمة التفجير قرب محطة قطارات الأنفاق في موسكو، وجميعها وقع قبل أسابيع قليلة. ثم هل هناك ما يقطع بأن الحدث الأوسيتي وما سبقه ليس من فعل مافياوي في بلد غدت المافيات ترتع بين ربوعه وتصوغ أساليبها وتقاليدها الخاصة فيه، أو أنه من تدبير مراكز القوى المتطاحنة في إمبراطورية متهالكة تتنازعها المنازلة الدائرة بين الجموح الليبرالي المتوحش والحنين إلى الماضي القريب الذي غدا في ذمة التاريخ؟!
إنه، ومهما كانت هوية أو نوعية هؤلاء المختطفين، والذين أقدموا على عمل لا يمكن تبريره مهما كانت دوافعهم، أكانوا حفنة من المجرمين أو المأجورين، أو من المقاتلين الشيشان اليائسين المنتقمين لفعل الإبادة الروسي اليومي في بلادهم، لا يمكن أبداً فهم انتهاج سلوك روسي معاكس تماماً لتوخي سبل حل أزمة من هذا النوع، وهو سلوك أقل ما يقال فيه أنه أشبه بالخروج عن الطور، أو الاندفاع في تصرف يذكرنا بطرق الكاوبوي الأمريكي، أو ما يعني عدم استفادة الروس من الدروس البوشية التي راكمتها إخفاقات ما تسمى الحرب على الإرهاب.
لكن أما وقد وقع ما وقع، فإن ما يزيد الطين بلة، هو أن تصريحات المسؤولين الروس، وعلى رأسهم الرئيس بوتن نفسه، الذي رفض تشكيل لجنة تحقيق حول المذبحة، يحكمها الهاجس الأمني فحسب، بل إن الرئيس تصرف في مثل هذه الحالة على خطورة تداعياتها، وكأنما هو وزير داخلية أو مدير للكي.جي.بي لا رئيس دولة كانت عظمى، كما لاحظ الكثيرون بحق، ومن لا يرى حلاً للمسألة الشيشانية وما يجره عدم حلها من مآسي للشعبين الروسي والشيشاني، سوى التبشير بنظام أمني أشد صرامة، بل وصل الأمر برئيس الأركان الروسي الجنرال يوري بوليوفسكي أن يظهر بمظهر الاستباقي وفق الموضة لأمريكية، فيهدد بضرب أو كار الإرهاب في أربع جهات الأرض، لكن ليس بالأسلحة النووية! وأن تعلن الإدارة الروسية عن جائزة قيمتها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومة تساعد على القضاء على الرئيس الشيشاني مسخادوف الذي نفى علاقته بالعملية أو القائد الشيشاني الشهير شامل بساييف الذي تطالب موسكو برأسه منذ أعوام، في حين تم دفع رئيس تحرير صحيفة أزفستيا إلى الاستقالة، لأنه سمح بنشر صور كبيرة للمذبحة على الصفحة الأولى، وكشف أن الرهائن كانوا آلافاً وليسوا ثلاثمائة كما زعمت الحكومة في روايتها التي لم يصدقها الشارع الأوسيتي، وأن يتم اعتقال العديد من أقارب الرئيس الشيشاني... أي كل ما يعد هروباً إلى الأمام أمام ضرورة السعي لحل سياسي للمسألة الشيشانية التي فشل الكرملن في حلها، وبغض النظر إن كان الخاطفون شيشاناً أم لا، وأولى خطوات هذا الحل تقتضي الاعتراف بأن هناك شعب صغير رفض طيلة ثلاثة حقب روسية امتدت لأكثر من ثلاث قرون، هي الحقب القيصرية والسوفيتية وما بعد السوفيتية، التسليم بالهيمنة الروسية ونزع طيلة هذا التاريخ، من أيام الإمام شامل وحتى شامل بساييف المطلوب رأسه راهناً، نحو الاستقلال، ودفع عبر هذا التاريخ الدامي من أجل حريته تضحيات تفوق التصور، حتى ليقال أن هذا الشعب المقهور فقد نصف عديدة إبان عملية محاولة نفيه بالكامل في عهد ستالين إلى سيبيريا.
بيد أن أخطر ما تنم عنه المواقف الرسمية الروسية هو هذا التطابق في الخطاب الروسي مع الخطاب الشاروني، والتلاقي بين منطقيهما، والذي يترجم إلى نوع من بوادر التحالف ضد ما يسمى الإرهاب الدولي أو (الإسلامي) ضمناً، وكل هذا يأتي بالتساوق مع ذات المنطق الذي يوالي التـأكيد عليه وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد، الذي لا يرى في مذبحة بيسلان إلا كونها تندرج في إطار النزاع الشامل مع الإسلام المتطرف، رابطاً إياها بالعملية المعروفة التي وقعت ضد قوات المارينز في بيروت عام 1983!
والأدهى أنه، في حين غدت مقولة الإرهاب الدولي والحرب عليه ذريعة لحجب الحقائق الكامنة وراء مشاكل العالم، والتغطية على الاستهدافات الاستعمارية، وتبرير سياسات التسلط والهيمنة والقهر التي تتسبب عن انتهاج سبل تحقيق هذه الاستهدافات، وأصبحت فزّاعة لكبت تطلع الشعوب نحو الحرية والاستقلال، أصبحت مذبحة بيسلان، وقبلها مذبحة ملعب الشجاعية وما سبقها أو تلاها من مذابح "إسرائيلية" ضد الشعب الفلسطيني على مر أعوام النكبة التي فاقت نصف قرن، وما يجري راهناً في الفلوجة وقبلها النجف الأشرف، خطوات لتثبيت قوانين مذابح في حقبة شرائع غاب بديلاً للقوانين والأعراف الدولية، التي دفع العالم قروناً من المعاناة لتثبيتها.
ففي حين يحض "الحاخامات الإسرائيليون" على سحق المدنيين الفلسطينيين، ويصدرون فتوى تقول: "في أوقات حرب كتلك الجارية الآن لا ينبغي التفريق بين السكان المدنيين والجيش، وحيث هناك خطر على جنودنا ومدنيينا، يجب عدم انتهاج الأسلوب المتبع اليوم، والمعروف بالأخلاق المسيحية".
تعطي واشنطن الحق لروسيا فيما تصرفت إزاء مسألة رهائن بيسلان، أما بريطانيا فقد تفهمت ذلك، وأفتى وزير الخارجية جال سترو بأن ما فعلته قوات الأمن الروسية لا يتعارض مع القوانين الدولية!
أما أوروبا التي تضامنت مع أطفال بيسلان دونما إدانة واضحة للاقتحام الدموي الروسي للمدرسة المحتجزين فيها فقد حصدت انتقادات "إسرائيلية" وروسية واسعة من بينها على سبيل المثال اتهام صحيفة "هآرتس" للأوروبيين بالنفاق والازدواجية والمداهنة. وإمعاناً في التحريض على الإسلام وقلب الحقائق على الطريقة "الإسرائيلية" زعمت الصحيفة أن "من يقود تفشي الإرهاب إلى أحجام وحشية وقتل بلا تمييز وإطلاق النار على الأطفال والأبرياء والأهداف التي لا توجد لها أية صلة، هم المسلمون، وذلك من أجل تحقيق هدف ليس مفهوماً بصورة تامة"!!!
الأمر الذي يتطابق مع نصائح شارون لسيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي القادم لفلسطين المحتلة حول التعامل مع المسألة الشيشانية، في خطوة تعكس تحالفاً أمنياً بدأ ينسج بين الطرفين، والتي اختتمها شارون بالقول: "يحظر التفاوض والمساومة مع الإرهاب، بل يجب مكافحته وتركيعه"!
وحيث أن الإرهاب المقصود هنا هو النضال الوطني الفلسطيني والشيشاني، وحيث يطبق شارون نصائحه للروس عملياً يومياً في فلسطين، يبدو أن الروس قد أخذوا بالنصيحة سلفاً فيما يتعلق بالشيشان، لكن لم يلتفتوا لا هم ولا شارون لما تعنيه مقولة قائد عسكري "إسرائيلي" كانت قد نقلتها عنه صحيفة "يدعوت أحرونوت الإسرائيلية": "بالأمس قتلنا خلية من خمسة مخربين في رفح، وبالأمس قتلنا خلية من ثلاثة مخربين في نابلس، واليوم قتلنا خلية من أربعة مخربين في جنين. والآن لم يتبق لنا إلا خلية واحدة من ثلاثة ملايين ونصف فلسطيني."!