إعادة الإعمار ماذا تعني؟!
محمد سعيد طالب: نقلا عن موقع (كلنا شركاء) 8/9/2004
للجواب على التساؤل ماذا يعني أن تستخدم الولايات المتحدة في غزوها للعراق عراقيين من حاملي الجنسية الأمريكية والبريطانية في إدارة شؤون العراق وتشكل منهم مجلساً انتقالياً لحكم العراق تحت مظلة الاحتلال الأمريكي-الإنكليزي لإعادة ما أطلقت عليه (إعما ر العراق). وكانت قد استخدمت حامد قرضاي الأفغاني حامل الجنسية الأمريكية ونصبته رئيساً على أفغانستان بعد أن احتلتها. ومن قبل جاء رئيس وزراء بولونيا المنافس لتحويل بولونيا إلى الرأسمالية من الولايات المتحدة، كما أن زعيم المعارضة الجيورجية (ساكشيفللي) التي أسقطت شيفارندزة الرئيس الجيورجي الموالي لأمريكا هو أيضاً من حاملي الجنسية الأمريكية وقد عمل محامياً في الولايات المتحدة قبل أن يعود عام 2000م، ويصبح وزيراً للعدل في حكومة شيفارندزة، وهو اليوم مرشح المعارضة لانتخابات الرئاسة الجيورجية. والجواب هو أن مرحلة جديدة قد بدأت تفصح عن نفسها لبناء الإمبراطورية وقد أخذت تتحقق على الأرض وترتسم ملامحها في الواقع.
كان هدف الغزو العسكري الاستعماري الذي قامت به أوروبا لقارات العالم القديم والجديد منذ القرن السابع عشر وحتى القرن العشرين هو احتلال دول وبلدان وشعوب وأمم هذه القارات، وجعلها مستعمرات ترسل إليها بفائض السكان وممن يعتبرون خطراً على أمنها الداخلي، ولجعلها سوقاً لتصريف منتجاتها الصناعية ومجالاً لتصدير الرساميل إليها لاستثمار ثرواتها الطبيعية وخامات المعادن وأراضيها الزراعية الغنية، واستغلال اليد العاملة الرخيصة فيها،وتحويلها إلى قواعد عسكرية لحماية طرق التجارة الدولية البحرية والبرية واستخدامها في الصراع على النفوذ والهيمنة على الأسواق والمناطق الغنية بالمواد الأولية.
المرحلة الجديدة الثالثة في الغزو الإمبريالي في عصر العولمة غيرت من الأهداف والوسائط وإن ظل الجوهر واحداً، ويمكننا تلمس ذلك في إعلانات الغزاة الأمريكيين والإنكليز للعراق، بأن هدفهم الاستيلاء والاحتلال و"إعادة إعمار العراق، وتحريره من الاستبداد وأسلحة الدمار الشامل"!! والحقيقة التي لم يفصحوا عنها هي احتلال العراق والسيطرة على ثرواته النفطية ومؤسساته العلمية وعلمائه لجعلها في خدمة بناء الإمبراطورية. بالتأثير المباشر في إعادة تشكيل وتكوين الوطن العربي، وقد صرح بذلك وزير خارجية الولايات المتحدة –كولن باول-أمام مجلس الشيوخ الأمريكي في آذار 2003م. وتحديد مكانة الوطن العربي في النظام العالمي الجديد كمنطقة هيمنة ونفوذ للتحالف الأنغلو-أمريكي- الصهيوني. و"مشروع الشرق الأوسط الكبير" و"الإصلاح" المقترح والذي أقرته قمة الدول الثمان في الولايات المتحدة (حزيران 2)004م.
إذن تتطلب إعادة الإعمار أكثر من الاحتلال العسكري والاقتصادي والسياسي،تتطلب تغيير الفكر والثقافة والتاريخ وسلم القيم ومفاهيم الدين الإسلامي والجغرافيا لبناء وطن جديد هو "الشرق الأوسط الجديد" كما عبر عنه شمعون بيرتس رئيس وزراء الدولة الصهيونية المحتلة الأسبق في فلسطين في كتابه المعنون بهذا الاسم "الشرق الأوسط الجديد".
إن استراتيجية التأهيل والتكييف الإمبراطورية لتغيير الثقافة والفكر والعقل ومنظومة الدين الإسلامي وتعميق الإلحاق والتبعية تقتضي جعل النخب الحاكمة أمريكية الجنسية كي تكون إعادة الإعمار في العراق سياسة أمريكية داخلية، وكي يكون العراق الجديد جزءاً عضوياً من الإمبراطورية. وقد صرح نائب وزير الدفاع الأمريكي وولفويتز بأن مسألة إعادة العراق هي مسألة تخص الأمن القومي الأمريكي، ولذلك ستُحرَم الشركات والمؤسسات التابعة للدول التي عارضت الحرب الأمريكية على العراق وبالأخص (فرنسا وألمانيا) من العقود والعطاءات الخاصة بإعادة إعمار العراق، وستقتصر على الشركات الأمريكية والشركات التي تنتمي إلى العراق والدول الحليفة التي ساهمت في دعم الحرب الأمريكية لاحتلال العراق.
فالعراقي حامل جنسية الإمبراطورية والموظف في وزارة الدفاع الأمريكية والذي يساهم في حكم وطنه الأصلي كممثل للإمبراطورية يشبه تماماً ولاة سوريا والعربية ومصر وأفريقيا في الإمبراطورية الرومانية الذين كانوا قد حصلوا على المواطنة الرومانية وتسموا بالأسماء الرومانية، وتثقفوا بالثقافة اللاتينية. فالإمبراطورية على طريق التحقق تستخدم نفس الأساليب في إخضاع الوطن العربي الحديث، وهذه إحدى اختراعات الفكر الاستراتيجي الصهيوني الباحث عن سبل لكسر إرادة القومية العربية وكنس الفكر القومي العربي، وتدمير الإسلام الجهادي.
فحاملو الجنسية هؤلاء اعتبروا احتلال الغزاة الأمريكان والإنكليز لوطنهم انتصاراً لهم وتحريراً. وقرروا اعتبار يوم سقوط بغداد بيد الجيش الأمريكي في 9 نيسان 2003م عيداً قومياً، وهم يحلمون بالانضمام إلى الإمبراطورية الأمريكية التي تعدهم بجعلهم قادة وحكاماً، بينما تفرض على الشعب العراقي نمطاً أمريكياً للعيش والمعايير الأخلاقية يتعارض والمعايير العربية الإسلامية، تماماً كما كانت روما أيام ازدهار إمبراطوريتها في القرون الأولى للميلاد تمنح رعويتها للقادة العسكريين والبارزين في جيوشها (وقد يذكرنا اسم الجنرال جون أبو زيد الذي أصبح قائداً للقيادة الوسطى الأمريكية الذي تتبع لقيادته القوات الأمريكية في العراق، والوطن العربي وأفغانستان، وهو لبناني الأصل بقادة الفيالق العرب في الجيش الروماني)، وللعلماء ورجال الأعمال والتكنوقراطيين والمثقفين الذين يحصلون على الجنسية الأمريكية ليقوموا بأدوار مشابهة في المستقبل في الأقطار العربية الأخرى، عندما تستدعي حاجة الإمبراطورية ذلك.
فقد يصبحون أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين أو حكاماً للولايات الأمريكية أو رؤساء على الإمبراطورية أو قادة جيوش، مثلما استطاع قادة الفيالق العرب في الجيش الروماني أن يتوصلوا لتنصيب أنفسهم أباطرة في روما.
لقد جاء في الأخبار المتداولة أن أكثر من أربعين ألف جندي ممن شاركوا في غزو العراق في عداد الجيش الأمريكي كانوا من طالبي الجنسية الأمريكية، وأن الإدارة الأمريكية قد جعلت الشرط الأول أمام هؤلاء للحصول على الجنسية هو تطوعهم في الجيش الأمريكي كمرتزقة للقتال في غزو العراق. ويذكرنا هذا بما كانت تفعله روما لتجنيد جيوشها بعد تحولها إلى الإمبراطورية،وذلك بمنح المنخرطين في فيالقها الرعوية الرومانية أي الجنسية.
إننا أمام استراتيجية إمبريالية جديدة كوسموبوليتية المظهر، حداثية المضمون إمبراطورية تجعل في الجوهر أمن الإمبراطورية، فوق كل الاعتبارات الأخرى الاقتصادية والسياسية،وتحشد له جميع الموارد والإمكانيات والحلفاء والتوابع، وتخضعهم لهذه الغاية، وهذا من علامات الوهن والضعف مما سيفاقم من مشكلاتها الاقتصادية والسياسية، ويعجل في انهيارها كقوة عظمى وحيدة. وستكون من نتائجه القريبة على المستوى العربي، ظهور طبقة سياسية جديدة عربية اللسان أمريكية الجنسية والولاء من التكنوقراط والعسكريين ورجال الأعمال ومديري الشركات متعددة الجنسيات ومن المثقفين، ستقوم بدور الحليف والتابع للإمبراطورية والناطق باسمها والنخبة التي تتولى إدارة الأقاليم التابعة لها، والجيش المرتزق الذي يحمي احتلالها، وهذا تحول نوعي علينا أن نتهيأ لفهمه وكيفية مواجهته.