متى تستوعب الفصحى مفردات العصر؟!

منير درويش/دمشق

إن أبرز ما يحتاجه العرب الآن هو التحول إلى قوة عالمية ربما فضل البعض أن يسميها بالعولمة العربية، بينما فضلت تسميتها (بالعوربة) أي دخول العرب في المجال العالمي.

في البداية يمكن القول أن مفهوم (العوربة) ينطلق من ضرورة أن يشكل العرب قوة فاعلة في السياسة الدولية لما يملكونه من إمكانيات بشرية ومادية، وثروات طبيعية، تؤهلهم لخلق (عولمة عربية) تعمل مع الشعوب الأخرى على بناء حضارة إنسانية متفاعلة تسعى للتحرر من الاستلاب والنهب والسيطرة التي تفرضها العولمة الحالية في تفكيكها للشخصية الوطنية والقومية تحت شعارات اقتصادية لتحرير التجارة، ورأس المال، والمنافسة، دون أن تخفي نواياها السياسية التي تهدف في النهاية إلى تحقيق تلك العولمة. وبما أن هذا المفهوم سيحتاج إلى مساحات واسعة فإننا سنبدأ بالثقافة وبالتحديد موضوع إصلاح اللغة العربية كمدخل (للعوربة)، فالثقافة العربية لم تستطيع حتى الآن أن تجد مكانا متميزا وسط التطور الثقافي الذي تشهده شعوب العالم، رغم الضغوط التي تتعرض لها هذه الثقافات، ومحاولات التخريب التي تمارسها قوى الهيمنة، وخاصة الولايات المتحدة لتحولها من ثقافات إنسانية متحررة ومتمسكة بقيمها الحضارية، إلى ثقافة استهلاكية يستلبها الجنس والمال. وتبحث كل ثقافة عن وسائل حمايتها من هذه الضغوط بينما تضيع الثقافة العربية وسط الزحام. وإذا كنا نعتبر أن أحد مفاتيح (العوربة) هو إصلاح اللغة فذلك لسببين، الأول: هو الرد على الدعوات التي أطلقها مجددا عدد من المثقفين العرب والتي تدعو لاستخدام اللهجات العامية بدلا من الفصحى بحجة أنها عائق أمام التطورات في الثقافة والعلوم المختلفة. ولم تستطيع أن تتحول إلى وسيلة شعبية وديمقراطية للتخاطب. والسبب الثاني: هو أن اللغة التي هي وسيلة للتفاهم بين البشر، نحن الذين نستخدمها، وليست هي التي تستخدمنا، ويمكن القول أن من لا يفهم الكلمات لا يفهم البشر، وكي نتفاهم مع العالم علينا أن نمتلك الأداة التي توصلنا معه، وأن يفهم لغتنا كما نفهم لغته، وألا لن يكون سهلا عليه أن يفهم أهدافنا ويتفهم حقوقنا، إلا إذا حدثناه بلغتنا، وجعلناه يفهم مقاصدها ومفرداتها. وإذا كانت الدعوة لتبني العامية قد أطلقها في بداية القرن العشرين الاستشراق والمستشرقين، والذين لم يستوعبوا على نحو كامل مجمل الظروف العربية، أو كانت لهم أهداف أخرى، إلا أن عددا من المثقفين العرب البارزين تبنوا هذه الدعوة وروجوا لها في ذلك الوقت مدعين أن سبب التراجع الذي تتعرض له الثقافة العربية يعود إلى استخدام الفصحى. ولكن اللافت أن هذه الدعيات عادت من جديد وهي تحمل في طياتها أهدافا تدعو لتفكيك الوطن العربي الذي تلعب اللغة العربية دورا أساسيا في تماسكه، وطمس الحضارة العربية والقضاء على هويتها فضلا عن عزل الوطن العربي عن محيطه الإسلامي، بل إن الدعوة لاستخدام العامية وتفريغ اللغة العربية إلى عاميات إقليمية إنما يستند إلى نزعات إقليمية معادية للوحدة، ذلك لآن تكريس اللغات المحلية الإقليمية أو العامية يسبغ ضربا من شرعية ليس على واقع التجزئة كما يقول ياسين الحافظ. بل ضربا من التفتيت الداخلي لكل قطر. وإذا كان أصحاب هذه الدعوات يعتقدون بصعوبة الدور الذي تلعبه الفصحى في تطور الثقافة فإن هذا الدور يصبح مستحيلا باستخدام العامية. وإذا كان من الصعوبة التفاهم بالعامية بين أبناء المحافظات في كل قطر (في سورية وهي ليست المثال الوحيد هناك ثلاثة محافظات على الأقل لهجاتها العامية غير مفهومة تماما بالنسبة لبقية المحافظات). فإن هذه الصعوبة تصبح أكبر عندما يتعلق الأمر بالتفاهم بين مشرق الوطن العربي ومغربه. ولكن ذلك لا يعني أن تبقى الفصحى على حالها، لغة للشعر والأدب والصالونات، بل الهدف الأول هو إصلاحها، أولا بجعلها اللغة المحكية لكافة أبناء الأمة. وثانيا عولمتها، أي جعلها عالمية تتلاءم مع تطور العلوم والتكنولوجيا بكافة الفروع. في المجال الأول، هناك فرقا كبيرا بين اللغة المحكية، واللغة المكتوبة، هذا الفرق يخلق حالة من عدم التوازن بين الحالتين وتجعل المواطن يهرب من الفصحى إلى العامية بل إلى عاميته الخاصة كي يتخلص من الصعوبات اللغوية التي غالبا ما يتعثر بها، وبالتالي فإن هذه المهمة تتطلب إخضاع اللغة إلى مراجعة شاملة قادرة على إحداث هذا التوازن وملبية لحاجاتنا وأهدافنا، إن عدم التوازن هذا هو الذي يجعل المثقفين الكبار منهم يخطئون باللغة أثناء قراءتها. أما المجال الثاني فإن إصلاح اللغة سيدفع للاعتراف بها على صعيد العالم، وفي كل المحافل والمنظمات الدولية، وإدخالها في مشاريع الترجمة منها وإليها، حيث لا زالت في هذا المجال تلقى صعوبات كبيرة بسبب العجز عن استخدام المصطلحات والمفردات التي تعزز هذه الترجمات وتسهلها وتجعلها أكثر وضوحا، كي لا نبقى نتحدث مع أنفسنا، ولن نصبح كذلك إلا إذا أصبحت لغتنا ملبية لحاجات ومتطلبات الغير الذي لم تعد تعنيه الجماليات كثيرا بقدر ما تعنيه الفائدة ولا يمكن للغة أن تحقق هذه الفائدة إلا إذا أصبح العرب قوة سياسية واقتصادية منافسة للقوى الأخرى. لنأخذ على سبيل المثال دليل الشركات الصناعية التي تعمل في مجال إنتاج الأجهزة والمعدات وتجارتها، هذه الشركات تستخدم لغات متعددة في إعدادها لبيانات هذه الأجهزة ودليلها (الكاتالوكات) الخاصة بالتشغيل والصيانة والمواصفات دون أن تكون العربية بينها حتى التي تصدر منها للبلاد العربية بكميات كبيرة، ليس إهمالا لها أو تجاهلها، بل لأن نقلها إلى العربية لن يلبي الحاجة لها بشكل واضح. وقد عبر أحد الخبراء الأجانب أنه حاول نقل تلك البيانات إلى العربية مستخدما آليات متقدمة في الترجمة، ولكنه لم يستطيع أن يحصل على نصوص ملبية للمطلوب، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح، عند نقل تلك البيانات على الحواسب مترجمة للعربية كيف أن اللغة المستخدمة لا تستوعبها وتدلل عليها بخطوط ملونة، مما يدلل على أنها خارج المحتوى اللغوي. هذا فضلا عن أن البعض يرى أن ما يستوعبه الوطن العربي من هذه الأجهزة لا يعادل الجهد الذي يمكن بذله في هذا المجال، وتقول اختصاصية لبنانية في مجال الحواسب تعيش في فرنسا أن ما يباع من حواسب في حي كبير من أحياء باريس يعادل ما يباع منها في سورية ولبنان، أو أن ما تستهلكه روما من جهاز تنتجه شركة واحدة يعمل في مجال التحليل للعناصر الكيميائية يعادل ما يباع في مصر من جميع الشركات التي تنتج نفس النوع. إن تطور اللغة واستيعابها لمفردات العصر ليس أمرا جديدا على الثقافة العربية لقد استطاعت في عصر المأمون وبحكم احتكاكها بالحضارات الأخرى، ومع تطور العلوم المختلفة في ذلك العصر أن تدخل إليها مفردات عديدة لا زلنا نستخدمها كما استطاعت أن تصدر مفرداتها إلى اللغات الأخرى دون أن يؤثر ذلك على جماليتها وينقص من شأنها. ولكن إصلاح اللغة لا يعني أبدا أن نلجأ إلى عدد من الاختصاصيين في اللغة العربية وقواعدها للقيام بهذه المهمة لأن مثل هذا الفعل لن يكون له إلا دورا سلبيا في عملية الإصلاح هذه، لأن النتيجة التي سنتوصل إليها هي شد الحبل إلى الماضي، وتعزيز الجذور اللغوية التي لم تعد مفهومة تماما ليس على صعيد العالم بل على صعيد العرب أنفسهم، ويجب أن يعتمد إصلاح اللغة على اختصاصات مختلفة في مجالات العلوم المتنوعة ذلك لآن إصلاح اللغة ليس عملية تقنية بحتة، وعندما تتحول هكذا ستفقد مبرراتها بل هي مسألة سياسية بالأساس لأنها ستضع العرب في قلب الأحداث وتجعلهم أقرب إلى العالم، ولنا في تجربة الصين والهند مثالا واضحا في ذلك. ولا زال لدينا جوانب أخرى نتحدث عنها لاحقا.