في ذكرى أوسلو .. بيرس يعترف...!!

جميل حامد عبد الله/كاتب وصحفي من فلسطين المحتلة

أحد عشر عاما مضت على توقيع "اتفاقية أوسلو" في النرويج بين منظمة التحرير الفلسطينية، التي اعتبرت إلى حين توقيع الاتفاق الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وبين الاحتلال "الاسرائيلي" الذي كان إلى حينها المسؤول الأول أمام العالم عن مصير مليوني فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ففي الثالث عشر من أيلول/سبتمبر عام 1993، وقعت منظمة التحرير الفلسطينية "إعلان المباديء" المعروف بـ"اتفاق أوسلو" المنسوب لمدينة أوسلو النرويجية التي احتضنت المفاوضات السرية الماراثونية بين الجانبين الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية وأمين سرها محمود عباس (أبو ما زن) الذي لعب الدور المركزي في إرساء دعائم هذا الاتفاق الذي أتاح المجال لآلاف الكوادر  من منظمة التحرير عموما ومن حركة (فتح) والمستقلين خصوصا للعودة إلى قطاع غزة ومدينة أريحا (كتوجه أولي).. يسبق إعادة انتشار هؤلاء الكوادر  الذين انضووا تحت مظلة وراية قوات الأمن الفلسطيني وما تفرع عنها من أجهزة أمنية واذرع عسكرية لاحقا.

السيد محمود عباس الذي اعتبر (مهندس أوسلو) وشريكه في الوصول إلى "إعلان المباديء" زعيم "حزب العمل" الحالي ووزير خارجية "اسرائيل" شيمون بيرس لم يتوانى عن الدفاع عن أول اتفاقية رسمية بين ممثلين  رسميين عن الشعب الفلسطيني وحكومة "اسرائيل" منذ "نكبة فلسطين" التي قامت على أنقاضها  دولة الاحتلال "اليوم"..

وفي ذكرى توقيع هذا الاتفاق الذي حمل معه بشائر "السلام للشعبين" الفلسطيني و"الاسرائيلي"، وآمال إنهاء الصراع الدموي الذي واكب اليوم الأول للاحتلال "الاسرائيلي" لفلسطين التاريخية عام 1948، وما سبقها من   عمليات مقاومة لهجرة اليهود لفلسطين وخاصة انتفاضة عام 1920، دافع شيمون بيرس في هذه الذكرى عن  اتفاق الأحلام (أوسلو) وأعلن بأن هذا الاتفاق الذي يعتبره الساسة والمحللون على السواء في عداد الموتى.. "سيتم  تطبيقه بحذافيره"!؟..

بيرس في حديثه مع الصحافة "الإسرائيلية" بمناسبة ذكرى الاتفاق، أرجع خطة الانفصال الشارونية إلى "مباديء أوسلو" وقال لصحيفة "يديعوت أحرنوت" "إن الانفصال يعني استكمال لما بدأه في (أوسلو)".. وهذا يضعنا في تساؤل  يشمل كافة الإجراءات الاحتلالية على الأراضي الفلسطينية، من إقامة نقاط العبور على مداخل المدن، إلى شق الشوارع الالتفافية وإقامة الجسور والأنفاق التي فصلت المناطق الفلسطينية المصنفة ضمن مناطق النفوذ الفلسطيني حسبما نص عليها اتفاق "إعلان المباديء" وعزلتها عن الحدود المتاخمة للمستوطنات ومراكز الثقل "الاسرائيلي".

بعبارة أخرى إن ما يحصل اليوم من تقسيم وهتك للأراضي الفلسطينية هو من ضمن "استحقاقات أوسلو"، إذا ما أخذنا أقوال بيرس بشيء من الصدقية، والتي قال فيها إن الفارق بين حزبي "العمل والليكود" فيما يتعلق "باتفاق أوسلو" لا يتعدى لغة الحديث الذي ينطق به "الليكود" خلافا لما يتبناه مشيرا إلى الانسحاب من الخليل على عهد نتنياهو وتنظيم شارون لحملاته الانتخابية على أسس تقوم على "مباديء أوسلو".

اليوم 13 أيلول/سبتمبر 2004، يعترف بيرس لأول مرة بدور "اسرائيل" في تدمير"السلام الشمعوني الشجاع"، فمنذ تفجر انتفاضة الأقصى بعد إبرام صفقة توحد اليمين واليسار في "اسرائيل" التي منحت شارون الضوء الأخضر لاقتحام المسجد الأقصى المبارك بتأشيرة من ايهود باراك "العمالي" يقر ويعترف شيمون بيرس بالمسؤولية "الاسرائيلية" عن "تصاعد العنف".. هو نفسه بيرس الذي عبر عن الشق الثاني في "معادلة المائة يوم لإنهاء الانتفاضة" والتي تبناها شارون من خلال "حكومة الوحدة الوطنية" التي تزعم  بها المذكور وزارة الخارجية وبن العازر وزارة الحرب لم ترمش له عين وهو يحصد بطائراته أرواح الفلسطينيين!!.. وهو اليوم يمجد "أوسلو" ويحاول إحياء ما أفسده دهر الدبابات الذي ما زال دماره مخيما على الضفة الغربية وقطاع غزة.

بعيدا عن التنظير والشعارات هنا، ما من شك بأن "الإيجابية" الوحيدة التي احتواها حديث بيرس هي اعترافه  بانتهاك وقف إطلاق النار مع الفلسطينيين، وبوجود مجرمين ساهموا في تدمير "الاتفاق السلمي" من أمثال باروخ غولدشتاين، وهو بالتالي يرفع صفة "الإرهاب" عن الفلسطينيين ولو جزئيا ويضعها في السلة "الاسرائيلية" إن جاز التعبير.. ولو افترضنا أن الفلسطينيين يملكون الشجاعة والقدرة على مخاطبة العالم الغربي الذي طالما ندد بالمقاومة الفلسطينية ونعتها "بالإرهاب" لسارع الإعلام الرسمي الفلسطيني لتبني أقوال بيرس واعتبارها وثيقة اعتراف بالجرم، كون الأخير كان أحد أقطاب الحكومة "الاسرائيلية" التي أقرت القصف الجوي والبحري والبري، والاجتياحات، والاغتيالات، وهدم المنازل، وتشديد الحصار، والتجويع، والاعتقال، ومصادرة الأراضي، وأحد مهندسيي "جدار الفصل" العنصري وغيرها من الممارسات القمعية الكثير..

اليوم في الثالث عشر من أيلول/ديسمبر، بعد أحد عشر عاما من "الاتفاق العليل" يتباهى الزعيم اليساري باتفاق حقق "لاسرائيل" ما لم تحلم به أو تفكر به من قبل، وهو محق تماما، ولو أن أحدا ما من العالم غير تيري رود لارسن أو خافيير سولانا عبروا حاجز قلنديا إلى رام الله أو العكس، ورأوا بأم أعينهم الإجرام العنصري والإذلال الذي أقره (بيرس – شارون) على هذه الحواجز، عبر البوابات الدوارة، والكلاب التي تخترق طوابير الفلسطينيين المصطفين أسراباً تحيط بها الجدران الإسمنتية، والأسلاك الشائكة من كافة الجوانب، للعن السلام "الاسرائيلي" ألف مرة "ولكفر" بكل الشموع التي  قد تجلب الأمل من مستودعات الذخيرة في "اسرائيل".

في هذا اليوم ظهر "المهندس العمالي" معتليا صهوة الإعلام "الاسرائيلي" وغاب المهندس الفلسطيني عن الأنظار، كما غاب في بداية (أوسلو) التي شهدت إخفاء الحقائق والبنود التي قام عليها الاتفاق، والتي لا يتوانى بيرس في إبرازها اليوم كعلامة فارقة في تاريخه الأسود والملطخ بدماء الفلسطينيين واللبنانيين.. حضر الإعلام "الاسرائيلي" بقوة وأعلن أن اليمين "الاسرائيلي" اعترف بالخطأ في بنائه للمستوطنات في غزة، وهو اليوم حائرا في كيفية الخروج من مأزقه ومن صنيعة يده.. حضر الإعلام "الاسرائيلي" ليزيف الحقائق وليبرر الدم ويظهر "اسرائيل" "كحمامة سلام" كما هي العادة، وغاب إعلامنا المرئي والمقروء والمسموع عن هذه الذكرى.

لا أعرف إن كان الغياب الفلسطيني هو تعبيرا عن الندم؟ أم هو استخفافا بما أفرزه هذا الاتفاق من  الممارسات "الاسرائيلية" أحادية الجانب على الأرض الفلسطينية؟ أم أن غيابنا هو أحد بنود هذا الاتفاق ويفترض بنا  الاستسلام  للأحياء منهم والأموات؟!

هنا نتوقف عند  عبارة "سيتم تطبيق اتفاق أوسلو بحذافيره" التي أعلنها بيرس، ونتساءل كيف ومتى ومع من...........؟ إذا كانت حكومة "اسرائيل" ترفض الاعتراف بالسلطة الفلسطينية كشريك تفاوضي، وكيف يمكن أن يطبقه بيرس في وقت تعلو به صيحات الرفض للانسحاب من غزة، وأصوات أخرى تنادي بقتل شارون، ومتى يا سيد بيرس وأنت تلهث وراء كرسي في حكومة شارون التي تبنت الفكر الإجرامي كمنهج بديل للسلام و"لاتفاق أوسلو" حتى "لخارطة الطريق" التي لا تمنح الفلسطينيين الحد الأدنى مما منحه أوسلو لهم؟!! أم أننا بصدد "أوسلو2" قريبا يحمل رؤية اليمين وبصمة اليسار....؟!