تصحيح الأجور: الجوانب، الحجم والتوقيت

بقلم: الدكتور لويس حبيقة/باحث ومحلل اقتصادي من لبنان

من الطبيعي أن تصحح أجور العمال من فترة إلى أخرى تبعا لتطور مستوى الإنتاجية ولزيادة التكلفة المعيشية. تصحيح الأجور هو واجب المؤسسات والشركات وحق للعمال، لذا لا بد من معالجته بأقصى درجات الموضوعية. عندما تتداخل المصالح السياسية بالاقتصادية تتأزم العلاقات الحوارية بين أطراف الإنتاج أي العمال وأصحاب العمل والدولة، وهذا ما يحدث في لبنان. يرتبط موضوع الأجور بمواقف أساسية نلخصها كما يلي: تأثير نسب تصحيح الأجور على أوضاع المؤسسات والشركات وبالتالي على البطالة؟ تأثير رفع الحد الأدنى للأجور على تكلفة الإنتاج وعلى مستوى العمالة؟ هل من واجب الدولة تحديد حجم التصحيح لأجور القطاع الخاص أو يترك هذا الأمر لأصحاب العمل والعمال؟ هل لتوقيت التصحيح أهمية أم يجب القيام به بسبب العدالة والحق أي لأسباب إنسانية اقتصادية دون الأخذ في الاعتبار الأوضاع المالية للشركات والمؤسسات؟ هنالك شرط أساسي، بل أرضية مشتركة حتمية، للبدء بأي حوار بشأن الأجور وهو وجود إحصائيات علمية للتضخم تقوم بها جهات حيادية حكومية أو خاصة موثوقة من الجميع بكفاءتها ونزاهتها.

أولا: في دور الدولة وحقها في فرض نسب زيادات الأجور في القطاع الخاص. في المبدأ لا يجب أن تتدخل الدولة في تحديد هذه النسب التي تتحدد عبر الاتفاق بين العمال وأرباب العمل في القطاعات أو داخل كل مؤسسة أو شركة. يكمن دور الدولة في تسهيل الحوار والوصول إلى نتائج ترضي الجميع. تكمن المشكلة أحيانا في عدم قيام المؤسسات والشركات بواجباتها تجاه عمالها، وبالتالي استغلالها لهم وعدم إعطائهم حقوقهم. من غير المقبول أن لا تقوم أية شركة أو مؤسسة بتصحيح أجور عمالها عندما تكون قادرة عليه. وجود قطاعات خاصة اقتصادية مسؤولة وواعية اجتماعيا وإنسانيا يجنب الدولة فرض تصحيحات محددة عامة للأجور. فهل يدخل القطاع الخاص اللبناني في خانة القطاع المسؤول أم المهمل لأوضاع عماله؟ لا شك أن القطاع بمجمله مسؤول، لكن هنالك دائما مقصرون يجب على تجمعات القطاع الخاص محاسبتهم وربما الإعلان عنهم أمام الرأي العام. هنالك فارق كبير بين الشعور بالمسؤولية والمقدرة على القيام بالواجب المادي. فإذا كان ممكنا تفهم الموضوع الثاني، لا يمكن القبول بالإهمال في أي ظرف من الظروف. يبقى الدور الأفضل للدولة هو دور الوسيط أي المسهل للعلاقات والحوار بين العمال وأرباب العمل. تفرض الدولة زيادات محددة للأجور فقط عندما يتقاعس أي من الفريقين عن القيام بواجبه تجاه الآخر.

ثانيا: الأجور والأوضاع الاقتصادية، بحيث يجب تقييم تأثير الزيادة على ربحية الشركات والمؤسسات وبالتالي على استمراريتها في الإنتاج. تهدف زيادات الأجور ليس فقط إلى تصحيح الأوضاع المادية للعمال وإنما إلى دفعهم لرفع إنتاجيتهم. القطاعات الاقتصادية اللبنانية ليست كلها مصارف مربحة ومطاعم مزدهرة، بل هي أيضا شركات زراعية وصناعية تمر في ظروف صعبة جدا. فرض نسب زيادات أجور موحدة يمكن أن يقضي على حيوية الشركات المتعثرة قبل أن يساهم في رفع الإنتاجية، أي يضيف إلى البطالة ويضر بالعمال. يجب التنبه أيضا إلى إمكانية زيادة الأجور من قبل الشركات والمؤسسات احتراما للقوانين، والى تخفيف المنافع المادية في نفس الوقت كمنح التعليم والتدريب والضمانات الصحية والحياتية وغيرها. فأيهما أسوأ؟ إن التركيز على تصحيح الأجور لا يعطي العمال كامل حقوقهم ولا يفي بالغرض.

ثالثا: الحد الأدنى للأجور وتأثيره على بطالة الشباب. فالحد الأدنى هو اختراع أسترالي - نيوزيلاندي هدف إلى حماية العاملين غير المتخصصين ويدخل في السياسات الاجتماعية العامة المحاربة للفقر. أدخلت فرنسا في سنة 1950 أول قانون يحدد الحد الأدنى للأجور وطورته بدأ من سنة 1970 ليصبح أسمه "SMIC" يرتبط بمؤشر أسعار الاستهلاك. كما أن الولايات المتحدة أدخلته بدأ من سنة 1938 وهو غير مرتبط بمؤشر الأسعار. تدل الدراسات على أن رفع الحد الأدنى يساهم في توزيع الدخل بين الطبقات الفقيرة، فيتحسن وضع الموظفين الحاليين ويخف استيعاب العمالة الجديدة. تعديل الحد الأدنى للأجور لا يساهم في توزيع الدخل بين الطبقات الغنية والفقيرة، لذا يجب تجنب رفعه بنسب كبيرة. من ناحية أخرى، يساهم رفع الحد الأدنى للأجور في تحسين مستوى المرشحين المتنافسين على الوظيفة مما يساهم في رفع مستوى رأس المال الإنساني. ضاعفت إندونيسيا في بداية التسعينات الحد الأدنى للأجر كما زاد متوسط الأجر بنسبة 10%، فخف حجم الأجور بنسبة 2% وتدنت الاستثمارات بنسبة 5%. تأذت الشركات الإندونيسية الصغيرة كثيرا كما تأثرت سلبا الصادرات والاستثمارات. رفع الحد الأدنى في لبنان إلى 600 ألف ليرة شهريا يؤدي إلى تخفيف التوظيف والى تخفيف المنافع المادية للموظفين الحاليين. كما يتجاهل الاقتراح وجود أكثر من شخص واحد في البيت يعمل بالحد الأدنى أو ما يقاربه. لذا من الأفضل رفع الحد الأدنى إلى مستويات مقبولة.

رابعا: في التوقيت الذي يعتبر عاملا أساسيا يساهم في إنجاح أو إسقاط أي قرار اقتصادي واجتماعي وان كان محقا. هل يجب إعطاء الحقوق اليوم أو الانتظار إلى ظروف أفضل شرط وضع سيناريو منطقي أو برنامج زمني محدد واضح للزيادات والمنافع المستقبلية؟ يرتبط التوقيت المناسب بوجود إحصائيات دقيقة مقبولة من الجميع وبوجود آلية دائمة ومنطقية تسهل الحوار بين أطراف الإنتاج.

لم يتم تصحيح الأجور في لبنان بشكل عام منذ سنة 1997، فهذه مشكلة للعمال وللشركات والمؤسسات التي تتأثر سلبا في إنتاجيتها. فالدولة لا تستطيع تصحيح أجور موظفيها قبل أن تقوم بالإصلاح الإداري أو أقله تبدأ به. لا شك أن الشركات والمؤسسات الخاصة القادرة والمسؤولة قامت بواجباتها كاملة على صعيد تصحيح الأجور وتطوير المنافع. أما التي تعجز عن تقديم الحقوق لعمالها، فيجب التعاون معها كي تستمر في الإنتاج لمصلحة الجميع. مجددا الفارق كبير بين ما يقدمه العمال وأرباب العمل بشأن مؤشرات التضخم منذ سنة 1997 وحتى نهاية السنة الماضية. فالعمال يطالبون ب 26% وأرباب العمل يقرون بحوالي 4 % فقط، أما الدولة فتقر بـ 8,6% لفترة 1998-2003. من الطبيعي أن تؤدي هذه الخلافات الإحصائية إلى حوارات ملبدة والى تأزم في العلاقات. تكمن الحلول لمشكلة الأجور في لبنان في تنفيذ الأمور التالية مجتمعة:

أولا: السماح للاقتصاد اللبناني بالنمو. لا يمكن إعطاء كل ذي حق حقه في ظل النمو الضعيف الحالي. "القلة تولد النقارة"، لذا يجب تكبير حجم الاقتصاد لإراحة كل أطراف الإنتاج بما فيها القطاع العام. لن يكبر الاقتصاد إذا لم تأتي الاستثمارات إلينا. ما يجذب الاستثمارات هي عوامل الاستقرار التشريعي والقضائي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيرها. تتوجه الاستثمارات إلى المجتمعات التي تحترم مؤسساتها وقوانينها وليس العكس.

ثانيا: يجب رفع الإنتاجية الاقتصادية في القطاعين العام والخاص عبر التدريب والتعليم والتطوير والتجديد، كما عبر إدخال التكنولوجيا المتطورة دائما. يجب تعزيز المنافسة في القطاعات عبر تطبيق قوانين حديثة تحارب الاحتكار وتحترم حقوق المستهلك والمواطن.

ثالثا: من الأفضل ترك تصحيح الأجور وتطوير المنافع للعلاقات الحوارية بين أطراف الإنتاج وذلك تبعا للأوضاع المختلفة. أما إذا استحال الاتفاق هذه المرة وبانتظار تحقيق النمو، يمكن للدولة أن تقر زيادة في أجور القطاع الخاص في حدود 10% يبدأ تنفيذها مع بداية سنة 2005. أما الحد الأدنى للأجور، فيمكن رفعه إلى 400 ألف ليرة شهريا حتى لا يؤثر سلبا على مستوى العمالة وحجم المنافع المقدمة. لا يمكن أن تفي هذه الزيادات المقترحة بحقوق العمال وحاجاتهم، إنما تساهم في المحافظة على الآلية الإنتاجية للاقتصاد لمصلحة الجميع وبانتظار النمو.