الإنفاق العام بين المنتج وعكسه

بقلم: الدكتور لويس حبيقة/باحث ومحلل اقتصادي من لبنان

في زمن الشدائد والترقب يكثر الإنفاق على الأمن والدفاع خوفا من خطر الداخل والخارج، كما تزيد كمية الاحتياطي النقدي الأجنبي المتوافر للاستيراد تحسبا للمفاجآت. دوليا بلغت قيمة هذا الاحتياطي، من دون الذهب، في نهاية القرن الماضي حوالي 17 أسبوع من الاستيراد أي ضعف ما كانت عليه في أواخر الستينات و20% أكثر مما كانت في بداية التسعينات. بلغت في نهاية القرن الماضي نسبة الاحتياطي النقدي من الناتج الوطني الإجمالي حوالي 10,5% دوليا موزعة على 7,7% للدول الصناعية و12,4% للدول النامية و14,9% للدول الناشئة. من الطبيعي أن يكون الخوف أكبر والحذر أعمق في الدول الأقل تطورا، وبالتالي الأكثر عرضة للمخاطر والمفاجآت. تنفق هذه الدول أيضا، للأسباب نفسها ومقارنة بالدول الصناعية، نسبة كبيرة من حجمها الاقتصادي على التسلح حماية لأنظمتها من خطري الداخل والخارج. إذا ساهمت الماكينة العسكرية الوطنية في حماية أي نظام أو أية سلطة غير شعبية، يمكنها في نفس الوقت أن تنقلب على سلطتها وتلغيها من الوجود. لذا خوفا على الحقوق المدنية وحماية للحريات، أنشأت الولايات المتحدة 3 جيوش أرضية بدلا من واحدة بحيث يصعب توحدها لمواجهة السلطة أو الانقلاب عليها.

في سنة 2002، بلغت موازنة الدفاع الأميركية 399,1 مليار دولار مقارنة ب 65 مليار لروسيا و47 للصين و42,6 لليابان و38,4 لبريطانيا و29,5 لفرنسا و21,3 للسعودية و10,6 مليار دولار "لاسرائيل". تتألف القوات الأرضية الأميركية من الجيش والمارينز والحرس الوطني. كما سمح الدستور الأميركي، للأسباب نفسها، للمواطنين بحمل السلاح للدفاع عن النفس. لا شك أن حادثة 11/9/2001 وما تبعها من "حرب على الإرهاب" ومن احتلال للعراق تساهم جميعها في زيادة المناخ الأمني العالمي المتشنج وبالتالي في زيادة الإنفاق على الخدمات والسلع الأمنية. فزيادة موازنة الدفاع الأميركية، التي سببت عجزا في مجموع الموازنة، هي أكبر دليل على الأجواء العالمية الجديدة. في الأرقام وتبعا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS وتقريره لسنة 2001\2002، يتبين أن إنفاق الدول العربية نسبة لناتجها المحلي هو من الأعلى في العالم. لا يمكن تبرير هذا الإنفاق الهائل على التسلح بحاجة الدول العربية إلى محاربة "اسرائيل" فقط، بل أن الحاجة هي أيضا أمنية ودفاعية ضد جهات أخرى. تبعا للتقرير، تنفق عمان 10% من ناتجها المحلي على الدفاع، مقارنة ب 11,7% لقطر و10,1% للسعودية و9,8% للكويت و5,6% لسوريا و3,5% للبنان. أما الدول الغربية، فتنفق نسب أقل بكثير أي 3% للولايات المتحدة و2,6% لفرنسا و2,4% لبريطانيا و1,3% لإسبانيا، علما أن أميركا تحديدا زادت إنفاقها بعد 11/9/2001 لكن دون أن تصل إلى المعدلات العربية.

كل إنفاق عام يمكن أن يكون منتجا أو عكسه بما فيه الإنفاق على الأمن والدفاع. فالاقتصاديون كانوا دائما مهتمين بشؤون الدفاع من نواحي عدة، أهمها التكلفة والجدوى الاجتماعية وتأمين مصادر التمويل عبر الضرائب أو الاقتراض أو غيره. روبرت ماكنامارا، رئيس البنك الدولي السابق كان أول من أدخل في الستينات نظرية البرامج الإنفاقية العامية PPBS وطبقها في شؤون الدفاع عندما كان وزيرا في إدارة الرئيس كينيدي. هدف ماكنمارا إلى ترشيد الإنفاق الدفاعي أيام الحرب الباردة بحيث لا يؤثر سلبا على الوضع المالي الأميركي العام. كما لكل خدمة عامة، يجب تحديد الحجم المطلوب وإمكانيات التمويل بحيث لا تؤثر سلبا على الخدمات الأخرى. بسبب فقدان المنافسة فيما يخص عرض كل خدمات الدفاع وغياب عامل الربحية، من المرجح أن تكون التكلفة مرتفعة جدا. من المواضيع الأساسية المطروحة دوليا عدد أفراد الجيش كما عدد وتكلفة الآليات التي يحتاجها كي يؤدي مهامه بأفضل شكل ممكن. زيادة عدد العسكر يؤثر سلبا على حجم العمالة المتوافرة للقطاعات الأخرى وعلى الإنتاجية. هل تتم زيادة العدد عبر خدمة العلم أو عبر توظيف الأعداد اللازمة بشكل دائم. لخدمة العلم فوائد وطنية كبيرة إلا أنها تؤخر الطلاب فترة زمنية تبعدهم خلالها عن أسواق العمل وأجوائها التنافسية. لذا يجب مقارنة الفوائد بالمساوئ ليس فقط بالنسبة للدولة وإنما بالنسبة للطالب نفسه.

يدخل التفكير الاقتصادي في صلب التخطيط الدفاعي والأمني، أي في تصميم المؤسسات الدفاعية والعسكرية والأمنية وفي جدوى قراراتها، كما للاختيار بين العديد من الاستراتيجيات. تدخل ضمن هذا التفكير هيكلية الحوافز المطلوبة كي يتخذ المسؤولون عن مؤسسات الدفاع والأمن القرارات الصحيحة، أي التي تحقق أهدافها بأقل تكلفة ممكنة. فالإنفاق الصحيح والكافي على الدفاع والأمن يساهم في تحقيق المناخ بل الإطار المطمئن للعمل والإنتاج. تدخل الدول الكبرى الاستراتيجيات العسكرية في صلب سياستها الخارجية بحيث تهدد بها من يعارضها وتكافئ بفضلها من يتعاون معها. فالسباق على التسلح يدخل في صلب الاقتصاد العسكري بحيث تقدم دولة على تعديل سياساتها الدفاعية وإنفاقها عندما تحاول عدوتها القيام بذلك. هكذا يبقى الترقب سيد الموقف بحيث لا تخسر أية دولة حربها قبل أن تبدأ. يمكن للدول التي تواجه خطرا عسكريا واحدا أن تتجمع ضمن أحلاف استعدادا لمواجهة محتملة. فالإنفاق العسكري الأميركي كان يشكل في آخر القرن الماضي حوالي 60% من مجموع إنفاق حلف شمال الأطلسي علما أن أميركا كانت تؤمن فقط حوالي 45% من القوى النارية. أما الاتحاد السوفياتي، فكان يتحمل الحصة المالية والعسكرية الكبرى لحلف وارسو دون أن يتناسب دائما الإنفاق مع الجهد العسكري. من الصعب جدا توزيع التكلفة والمسؤوليات بشكل عادل ومنطقي ضمن أي حلف عسكري، وذلك تبعا للاستراتيجيات السياسية الوطنية المختلفة.

هنالك طبعا مستفيدون مباشرون من زيادة الإنفاق العسكري والأمني وهم أفراد وأعضاء المؤسسات المعنية ومنتجو الأسلحة والسلع والخدمات العسكرية والمقاولون والبائعون، كما المجتمعات المجاورة للسكنات. جميعنا شهدنا كيف تحولت مدن صغيرة وقرى من حالة حيوية إلى ما يقارب الأشباح عندما أقفلت سكنة في أوروبا أو أميركا. لذا تتشكل في الدول المنتجة للأسلحة تجمعات تضغط على المجالس النيابية والحكومات لزيادة الإنفاق على الدفاع بحيث تستفيد أكثر. تساهم هذه التجمعات أحيانا في خلق جو من الخوف والقلق كي يدعم الرأي العام عمليات الإنفاق. هنالك أيضا مستفيدون غير مباشرون، وهم أفراد المجتمع الذين لا يشعرون بفائدة الإنفاق وإنما ينعمون بالمناخ المستقر وبالحريات الذي تؤمنه. فالولايات المتحدة، وتبعا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، هي بائع الأسلحة الأكبر في العالم أي 48,3% من المجموع في سنة 2000 وحدها مقارنة بـ 17,4% لبريطانيا و11,9% لروسيا و5,1% لفرنسا و2,7% لألمانيا و1,7% للصين و12,9% لبقية دول العالم. بيع الأسلحة هو إذا نشاط اقتصادي عالمي كبير قدر ب 30 مليار دولار لسنة 2000. إذا أضفنا إليه عقود الصيانة والتدريب والتحديث والخدمات المرتبطة، يتبن لنا حجم القطاع وأهميته في الاقتصاديات الغربية خصوصا في الولايات المتحدة. لا شك أن شركات الأسلحة، من صناعية وخدماتية وتجارية، هي الرابحة الأولى من زيادة التوتر الأمني العالمي، وبالتالي من الإنفاق على التسلح في الاقتصاد الأميركي. نذكر أن مشتري الأسلحة يبقون عموما مرتبطين بالبائعين الذين يقيدون حريتهم في الاستعمال والبيع ويضعون أحيانا شروطا سياسية تنتقص من السيادة الوطنية.

أخيرا، على الحكومات العربية إعادة النظر بموازنات الدفاع لديها لترشيد الإنفاق وتحديد الحاجات والأهداف بدقة، فلا تتأثر سلبا الخدمات الاجتماعية الواجب تقديمها. كما يجب تقييم تكلفة الفرص البديلة الناتجة عن عدم مشاركة أفراد القوى المسلحة في الإنتاج الاقتصادي المباشر.