هل قرأت فرنسا الرسالة؟

حياة الحويك عطية/كاتبة وباحثة من الأردن

رسالتان تلقتهما فرنسا، ولا سابق لهما، خلال قضية كريستيان شينو وجورج مالبرونو.

الرسالة الأولى وجهها الشارع العربي والإسلامي، والرسالة الثانية وجهتها حكومة الأميركيين في بغداد.

الشارع العربي من قومييه إلى اسلامييه حتى أكثرهم تشددا (أو تطرفا كما يصفهم الغرب وفرنسا من ضمنه)، الشارع العربي وقف كله وبكله وقفة واحدة مع بلاد الغال، وكأنه نسي تماما أنها كانت يوما قوة استعمارية رئيسية على أرضه.

هذه الوقفة رسالة بليغة قالت فيها الشعوب العربية اكثر من قول:

قالت أولا أنها لم تمت كما يحلو للبعض من الميئسين أن يوهموا. هي أثبتت أنها لم تمت عبر قوى المقاومة التي تشعل حرائق تفاجىء الاحتلالات كما تفاجىء المحبطين. وها هي تثبت أنها لم تمت أيضا على ساحة الفعل السياسي المدني واتخاذ المواقف التي يفرضها التحليل السياسي القادر على تجاوز العقد.

وقالت ثانيا أنها رأي عام يتصرف ببراغماتية سياسية واعية، براغماتية تجعل لكل موقف يتخذه الآخر موقفا مقابلا، فمن وقف إلى جانبها وقفت إلى جانبه ومن تجاوز على كراماتها وحقوقها، ناصبته العداء، ففي عام 1991 كانت فرنسا عدو لأنها هي اختارت العداء، وفي عام 2004 هي صاحبة موقف تستحق عليه المكافأة.

الرسالة الثالثة المهمة تتعلق بالمد الإسلامي، بالحركات الإسلامية التي يستشرس هذا الغرب بترسيخ ظلاميتها، وها هي تثبت أن مواقفها سياسية أكثر منها أيديولوجية، ها هي التيارات الإسلامية تقف موقفا واحدا صلبا من صحفيين غربيين كاثوليكيين، بل وترسل قضية الحجاب إلى الساحة الخلفية من الجدال، لتعلم الغرب درسا في فهم البعد السياسي في المد الإسلامي، فهما لا ندري إذا ما كان الغرب قادرا على فهمه والتعامل معه بحكمة.

الرسالة الرابعة، هي بمثابة شهادة نجاح بتفوق للخط السياسي الديبلوماسي الفرنسي الذي قاده جاك شيراك إزاء العراق وفلسطين، الخط الذي يشكل استمرارا للرؤية الديغولية التي تقوم على الاستقلالية عن الولايات المتحدة الأميركية، وعلى التوازن في العلاقات مع العالم العربي. رؤية تفهم الجيوبوليتيكا والتاريخ، وتنطلق منهما لقراءة المستقبل.

أما الرسالة الرابعة فموقعّة من العرب في أوطانهم ومن العرب والمسلمين في فرنسا، في آن معا. فقد أثبت المسلمون الفرنسيون من أصول عربية أنهم يحملون ولاء جميلا للبلاد التي أعطتهم مواطنتها، وأنهم قادرون على الالتفاف حولها عندما تتعرض لظلم، كما أنهم في الوقت ذاته يتأثرون بمواقفها من القضايا العربية، وأخيرا على أنهم قادرون على تشكيل جسر بينها وبين العالم العربي.

موقفهم هذا لم يتخذه قبل أسابيع قليلة يهود فرنسا، عندما دعاهم شارون إلى الهجرة، في تطاول يتجاوز معنويا اختطاف الصحفيين. حيث سمعنا يومه بعض ردات الفعل القليلة الفاترة التي لم ترق أبدا إلى مستوى جسامة الإهانة. بل إن افتعال الاعتداءات اللاسامية قد استمر لينكشف كذبه في كل مرة ولكن دون أن تكلف الطائفة اليهودية نفسها عناء التحرك أو الاعتذار.

لكن!!! واللكن مرة!

يبدو أن فرنسا لم تقرأ الرسالة جيدا. بدليل الموقف المتهور الذي اتخذته بشأن لبنان. حيث أن هذا الاصطفاف الفظ مع طرف من اللبنانيين ضد القوى السياسية الأخرى في بلادهم، ضد الحكومة الشرعية، وضد سوريا، إنما هو في حقيقة الأمر أكثر من مجرد الانحياز لطرف لبناني دون آخر. إنه انحياز للولايات المتحدة، للوبي اليهودي فيها الذي لم يتستر أبدا في تنظيم زيارة ميشال عون في العام الماضي، لا ولا في تنسيقه مع القوات اللبنانية، متجاوزا الدور التاريخي للتحالف بين هذه الأطراف و"اسرائيل". تصطف فرنسا مع "اسرائيل" وواشنطن في لبنان؟

لماذا تريد أن تضع لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى الحرب الأهلية وإما الارتماء في الحضن "الاسرائيلي"، وفي الحالين تطويق سوريا وخنقها بدون حرب على الطريفة العراقية؟

وإذا كان التحليل الذي يقول أن في ذلك تنسيقا مع الأميركيين، صحيحا، وذلك لإعطاء باريس دورا في لبنان، مقابل حرمانها من دور في العراق، فأي قصر نظر سياسي! وأي ثمن رخيص لموقف بدا في حينه كريما، وها هي الشعوب العربية كلها تقدم عليه المكافأة! في حين يبدو واضحا أن الساحة لم تكن يوما مهيأة لدور فرنسي كما هي عليه اليوم شرط أن يأتي هذا الدور في سياق المواقف نفسها والخط السياسي نفسه، لا في سياق مواقف نقيضة؟!.

هل تكون الديبلوماسية الفرنسية بهذا الغباء لتخسر الشارع العربي كله كي تربح "اسرائيليي اسرائيل" في لبنان؟

هل ستقفل البوابة العربية الشعبية العريضة المفتوحة على مصراعيها، لتحاول الدخول من الكوة الانعزالية اللبنانية الضيقة، التي تفتحها "اسرائيل"؟

هل ستكون من التهور، ومرة أخرى قصر النظر، لتعيد الفوضى والحرائق إلى الشاطىء اللبناني؟ ألا يكفيها اشتعال الساحات الأخرى؟ وهل سيكون بإمكانها عندئذ أن تحمي شواطئها من تكسر الموج؟!

ثمة شعار رفعه نلسون مانديلا يوما: اغفر لكن لا تنس!! وها هم العرب يقولون أنهم قادرون على أن يغفروا ذنوب الماضي، إذا غسلتها مواقف الحاضر.. دون أن يعني ذلك أنهم ينسون.. وأنهم لن يتخذوا موقفا آخر إذا ما اتخذ الآخر موقفا آخر.