مساهمة عربية في حملة الانتخابات الأمريكية
حمدان حمدان/كاتب وباحث من فلسطين يقيم في دمشق
مع احتدام المواجهات في العراق، صيف العام 2003، تصادف وجود زعيم عربي نفطي في واشنطن، بهدف زيارة خاصة للبيت الأبيض، وينقل بوب وود ورد، في كتابه (بوش في حرب) حوارية ثنائية بين الزعيمين، يقول فيها بوش لضيفه، فيما ملامح ضيق الصدر، تنعكس علي سحنته: مع هؤلاء الناس، فإن علينا ـن نسترد سياسة الـ(سكالب).
وبالطبع فإن الزعيم العربي، الغائب عن حاضر أمريكا، فكيف بتاريخها، لم يستوعب سياسة (السكالب) هذه، رغم أنها مفردة إنكليزية تعني سلخ فروة الرأس، وأنها مع تاريخ الهنود الحمر، باتت سياسة شائعة على يد المستوطنين الأمريكيين، وأن مذكرات الجنرال الأمريكي (الفرد سولي) (في منتصف القرن التاسع عشر) مليئة بحكايات نزع فروة الرأس لهنود اللاكوتا، وأن هذه السياسة تحولت إلى تجارة حقيقية، حين وصل سعر الفروة الواحدة زهاء مئة جنيه استرليني عام 1704، وأن الجنرال (آندرو جاكسون) الذي سيصبح الرئيس السابع للولايات المتحدة، قام في العام 1814 بتوزيع الفروات كهدايا من رؤوس شعب كريك الهندي، على جنوده المنتصرين!
وكما أن العودة إلى الماضي، تزعج الأمريكيين عموما (من حيث أن الماضي بات وراءنا) وأن السياسات والمشاريع الأمريكية المعاصرة، هي "لخدمة الإنسانية وديمقراطية المجتمعات وتحديث خطابها وعصرنة حضاراتها"، فأن الحديث عن الماضي، هو شروع متعمد، للدخول إلى ساحات الصراع العالمية، الأمر الذي يفاقم في غلواء الاحتراب والاقتتال بين الشعوب!.. ويطرح هذا الاعتراض الأمريكي سؤالا مزدوجا بشقين، الأول وهو سؤال يتعلق بالماضي، الذي تريدنا أمريكا أن نتجاوزه ونطويه، لناحية البدء بحاضر أمريكا المشرق بعيدا عن ظلامية التأسيس على جثث الحمر والسود، وفيما إذا كان هذا الحاضر المشرق، يبدأ مع (جونسون) (عقد الستينات) أم مع (ريغان) (عقد الثمانينات) أم مع بوش الابن والأب (في عقدي أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات أو مع إطلالة الألفية الثانية لعموم البشرية).. وبتدوير السؤال، ما هو زمان الماضي الذي توقف، ليحل محله حاضر أمريكي مغاير؟!
أما الشق الثاني من السؤال، فهو، كيف يستطيع الأمريكيون إقامة البرهان، على التوافق، بين ما يتكلمون ويفعلون؟! وكيف لهم نبذ الماضي والاحتكام إليه في آن، فبين سياسة (سكالب) وبوش الابن، زهاء ثلاثمئة عام من الزمن، وها هو يستدعي سياسة همجية لجأ لها أجداده مع السكان الأصليين، ليعمل على تفعيلها وتأجيج اوراها، مع شعب العراق اليوم؟!.
ودعونا نبدأ من النهايات، أي من الأحدث في حاضر القطبية الأولى، وما أطلقت عليه، "نظام العالم الجديد"، فالكاتب الفرنسي الشهير، (جان زيغلر)، يقول في كتابه الجديد، بأن عدد الوفيات بسبب الجوع والمرض، بلغ في مئة وعشرين بلدا من بلدان العالم الثالث، ثمانية وخمسون مليونا من البشر، وهذا في العام 2002 فقط.
وهناك طبقا لإحصائيات (زيغلر)، ما يزيد علي مليار من البشر يعيشون على أقل من دولار في اليوم الواحد، وخمسمئة مليون من الناس، يموتون لأسباب الفقر، وهم دون سن الأربعين، وحسب قوائم منظمة الصحة لدول أمريكا الوسطى والجنوبية، فإن السكان يعيشون بمتوسط دخل سنوي يتراوح بين 1960 - و1980 دولارا للفرد طوال السنة، وهو ما أورده الكاتب الأمريكي (نعوم شومسكي) في كتابه (عرقلة الديمقراطية) ص 251 المترجم إلى العربية.
أما أرقام البنك الدولي نفس المصدر فتقول بأن متوسط الدخل في الأرجنتين، لا يتجاوز 1800 دولار في السنة، وأن سبعين بالمئة من القوى العاملة المكسيكية في الصناعات الأمريكية القذرة في المكسيك، مصابة بأوبئة تنفسية مزمنة لا يرجى شفاؤها، وفي البرازيل حسب صحيفة (فيغا) واسعة الانتشار، فأن هناك خمسة بالمئة يمتلكون ما يمتلكه تسعون بالمئة من الشعب البالغ 170 مليونا من البشر، وأن نظام التعليم في البرازيل، بحسب الصحيفة أسوأ من مثيله في الحبشة، وأن ثمانين بالمئة من تلاميذ الابتدائي، يتركون مدارسهم، قبل بلوغ الشهادة الابتدائية، وفي الفلبين فإنه من النادر سماع صوت السكان في الأرياف، علما بأن هؤلاء يشكلون ثلثي السكان، وفي تايلاند يعمل العمال في معامل الدمى الأمريكية أربع عشرة ساعة في اليوم الواحد، أي من أجل أن تفرح طفلة من الوسط الراقي بلعبة (باربي) فإن على صانعها، أن يأكل لقمته مغمسة بالشقاء والهلاك!
إن هذه النماذج ذات السلطات السياسية الأمريكية في هذا العالم، تعيش حاضر البؤس الذي تسببت به الولايات المتحدة وليس غيرها، في الوقت الذي لا يبدو فيه، أي فاصل حقيقي، بين ما نشأت عليه أمريكا، وما تدرجت فيه ووصلت إليه.
أما بالنسبة لـ"الشرق الاوسط الكبير" أو الصغير، ومن ضمنه عالمنا العربي، فإن تقرير التنمية لعامي 2002 و2003، ينضحان بالمؤشرات الرقمية البائسة، في جميع الميادين الاقتصادية والمعيشية والتعليمية والسياسية.. فضلا عن حال المرأة على صعيد الحقوق والمساواة والتعليم والمعاملة، حيث تشير الأرقام إلى مستويات هائلة، فيما يخص حال المرأة في أمريكا اللاتينية ومناطق الكاريبي، بانخراط الفتيات دون سن العشرين، في مجالات الدعارة والمخدرات وبيع أعضاء الأطفال لصالح المرضى من أغنياء العالم!
هذا هو العالم، في حلته الأمريكية القشيبة، فأمريكا لا تستطيع التملص من المسؤولية الإنسانية والتاريخية، لما يجري في العالم اليوم، ورغم بلادة القول البوشي، بـ"أن العالم بات أفضل بعد سقوط نظام صدام"، فإن عالم أمريكا الجديد، هو أسوأ عوالم الإمبراطوريات في التاريخ.
إن الأفق السياسي، الذي يقوده يمين عنصري متطرف، يريد أن يرشح رئيسه لأربع سنوات أخرى من النكبات العالمية، موجود بكثافة لدى الآباء المنظرين خلفه، ولدينا بعض النماذج، حيث تتلمذ (رامسفيلد وبيرل دفيث وولفتيز).. في مدارسها، ودعونا نلتقط بعضا من هذه النماذج، فـ(إرفينغ كريستول) وهو من كبار كتاب "المحافظين الجدد"، يكتب عن الأمم في (الوول ستريت جورنال)، ما لا يستطيع السفهاء في إدارة بوش (بحكم مناصبهم الرسمية) أن يقولوه علنا، فهو يقول مثلا: "إن الأمم التافهة كالأشخاص التافهين، حيث يمكنها سريعا أن تنتشي بأوهام الأهمية"، ثم يتابع "إن أهمية المدمرات البحرية بالنسبة للنظام الدولي الجديد، هي كأهمية سيارات وأسلحة الشرطة بالنسبة للنظام الداخلي سواء بسواء"!!.
أما الشخصية الثانية، على خط تأسيس مدرسة المحافظين فهو (رينهولد نيبور)، وهو واحد من كبار المثقفين السياسيين في عهد الرئيس الأسبق كيندي، وقد كتب في العام 1987 مقالة في الـ (غراند ستريت) يقول فيها: "إن التعقل من صفات ذوي الخبرة الهادئين، إذ عليهم أن يدركوا سخافة العاديين من الناس، حيث الحكمة تتطلب حماية المجانين والغوغاء والجهلة، تماما كما لا يسمح لطفل أن يعبر الشارع دون إمساكه باليدين"!.
النموذج الثالث على سبيل المثال أيضا، هو (وولتر لبمان)، ففي كتابه (فلسفة السياسة والديمقراطية والليبرالية) يقول: "يجب وضع الجمهور في مكانه.. فالقطيع الهادر المتفجر الحناجر، له عمله أيضا، وهو أن يكون بين المتفرجين لا المشاركين المتخصصين بالمعني الكيسنجري للمفهوم، فالمشاركة بالضبط، هي واجب الرجل المتخصص لا غيره"!!.
ويكتب (ادوار غوليانو)، أحد دهاقنة اليمين المحافظ في كتابه (أيام وليالي الحب والحرب) ما يلي: "على الجماهير السخيفة والجاهلة، أن تستهلك العقيدة مثل استهلاكها للمنتجات، أي أن تعتاد استهلاك الخيال، فأوهام الثروة تباع للفقراء، وأوهام الحرية للمضطهدين، وأحلام النصر للمهزومين، وأحلام القوة للضعفاء.. وفي ظني أن شيئا آخر غير هذا، هو مضيعة للوقت وإهدار له". ومما لا مراء فيه أن هذه التوصيفات الاستعلائية، ليست موجهة بالضرورة، للجماهير الغافلة والسخيفة، خارج نطاق الولايات المتحدة، بل هو الموقف نفسه، تجاه العاديين من الأمريكيين أنفسهم، فكيف الحال مع الشعوب الغريبة الأخرى خارج الولايات المتحدة؟!
فالنظرة الاستعلائية للآخر، هي التي قسمت الشعوب، في الذهنية العنصرية، إلى "شعوب خير وشر"، وحتى الحلفاء فأنهم يحظون بالنظرة التفارقية التي تميز بين الأصل والطاريء، ففي التاريخ القريب مع عقدي الخمسينات والستينات، أوصى المخطط اليميني المتنفذ (جورج كينان)، بضرورة السيطرة الأمريكية الكاملة، على خطوط إمدادات النفط من "الشرق الاوسط" إلى اليابان.. وهي دولة حليفة من الطراز الأول بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أما الدولة الحليفة الأخرى، ألمانيا، فكان نصيبها من اقتراحات (كينان) نفسه، هو التقسيم، "ذلك أن ألمانيا موحدة ستكون عرضة لغزو سوفييتي محتمل، ولذا يجب دمجها في أوروبا غربية وليس في وحدة ألمانية، وأن يضم التقسيم لصالح أمريكا وبريطانيا مناطق الرور ـ الراين الغنية بالثروات"!.
ومن أجل الحليف الألماني الجديد، فقد استعان الأمريكيون بنجوم كبار من ضباط الصاعقة والاستخبارات الهتلرية من أمثال (كلاوس باربي) و(فرانز سيكس) و(رينهارد غيهلن) لإحكام القبضة ضد احتمالات تغلغل شيوعي من الشرق، وما هي إلا أربع سنوات من الحرب، حتى كانت الإدارة اليومية لألمانيا، أشبه شيء بإدارة الإدارة أيام هتلر، بمن فيهم رجال الشركات والمصارف والمصانع والخدمات.. الخ ولكن لصالح الشركات الأمريكية الكبرى بطبيعة الأحوال!.
كذلك هي النماذج التطبيقية لأثام إمبريالية أمريكية مع الشعوب في التاريخ فما الذي تريد حملة بوش أن تقنعنا بتغييره أو تبديله في الزمن المعاصر اليوم، ففي غضون ثلاث سنوات من حكم ولاية محوري "الخير والشر" البوشية - أغرق اليمين العنصري المتطرف من الإدارة الأمريكية، عالمنا العربي والإسلامي في بحور دماء الفلسطينيين والأفغانيين والعراقيين، ومن أجل سجل الإطلاق والقيم، فإن هذه الدماء تسيل باسم الحرية، أي أنه من أجل تعيش حرا، فعليك أن تموت، وقد قالها متطرفون عنصريون أمريكيون في تاريخ أمريكا، من أن "الهندي الصالح هو الهندي الميت"، كذلك نقلها عنصريو الحركة الصهيونية من أمثال (بن غوريون وغولدا مائير ومناحيم بيغن واسحاق شامير).. حين وصفوا "الفلسطيني الصالح بأنه الفلسطيني الميت"!.
إن خير ما فعله "المحافظون الجدد" لأمريكا، هو إعلان صريح لحقيقة سياساتها تجاه شعوب العالم، إذ لم يعد واردا في نمطية هذه السياسة المتغطرسة، أن يتم التكتم على شيء، إذ أمامه الميزان والحساب، لردات فعل الشعوب الشهيرة "بلغة الحناجر"، وهو وصف إضافي للاستخفاف بقدراتها وكراماتها، في الوقت الذي تشير الشواهد الحية، بأن ما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان هي مقابر للغزاة.
لقد كان الكذب في معايير القوانين الأمريكية، يؤدي إلى الاستقالة الرئاسية دون طلبها أو إثارة الزوابع فما عزى للشعب الأفغاني بخصوص أحداث أيلول/سبتمبر، لم تبرهن عليه محكمة أمريكية واحدة، وهناك أفغان في "غوانتانامو" لا يعرفون حتى الآن، أسباب اعتقالهم والتطرف في معاملتهم وتعذيبهم، ويشير الكاتب الأمريكي (شوموسكي) في كراسته الخاصة بأحداث 11 أيلول/سبتمبر، بأن القضاء الأمريكي، لم يثبت بالمفهوم القانوني، ضلوع المتهمين بالأحداث حتى اليوم!..
أما الأكاذيب المتعلقة بالعراق، فقد علقت على مشجب آخرين في الاستخبارات كيلا يتحمل بوش المسؤولية، علما بأن وزير الخزانة الأمريكية الأول في ولاية بوش، اعترف بأن "نوايا بوش العدوانية تجاه العراق، ظهرت منذ الأسابيع الأولى من أدائه للقسم الرئاسي".. وبخصوص فلسطين، فأنه يكفي تقييم شارون، صاحب السجل الإجرامي الحافل بحق شعب فلسطين، ولعقود طويلة، بأن هذا الرجل، من زاوية بصر وبصيرة بوش، هو "رجل السلام في الشرق الاوسط"!!.
فإذا لم تكن هذه هي الأكاذيب بعينها، فكيف يمكن أن تكون الأكاذيب إذا؟
لا شك أن الإعلام الأمريكي، بصفتيه المؤسساتية والتمويلية، هو العامل الأقوى، في إنقاذ بوش من جريرة أفعاله، لا على مستوى العالم فحسب، بل على مستوى أبلغ ما في المصالح الأمريكية نفسها، فقد باتت الولايات المتحدة اليوم، أكثر عزلة في أي تاريخ لها مع العالم الخارجي، وتوسعت في هذا الإطار، بؤر التوتر في العالم، وليس قليلا أن إدارة بوش مع "المحافظين" من حولها، قد تسببت في عداء حقيقي، مع مليار ومئتي مليون من الصعب محوه، كما تسببت في جنوح الاتحاد الأوروبي، نحو السلبية الصريحة، وأحيانا العداء العلني للمشروع الإمبراطوري الأمريكي، الذي يريد أن يلتهم العالم دون تمييز، فلأول مرة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تهدد دولة أطلسية (فرنسا) باستخدام حق (الفيتو) ضد المشروع الأمريكي، لشرعنة الاحتلال للعراق والاستفراد به!.
بقي أن نقول في خاتمة هذا الخطاب، بأن المرشح الرئاسي الآخر، (جون كيري)، لن يكون في موقع الأوهام العربية أو الإسلامية، طالما أنه في حركة نواسية جارية، بين الامتناع عن إدانة سياسات الحرب الاستباقية العدوانية، وبين إرضاء (الايباك) الصهيوني لكسب أصواته.
مع ذلك، فإن إسقاط بوش، يقع في قلب الأمنية العربية النازفة جراء الروح العدوانية على الشعوب، لا بالحكم على مستقبل (كيري) الذي لا نعرفه قبل تحققه، بل لماضي بوش الحامل لغريزة شهوة الانتقام، وجشع النهب لمجمع صناعي مصرفي سياسي.. طالما حذر من غلوائه، الرئيس (ايزنهاور) ليلة انقضاء ولايته بل وفي طريق عودته من حياة البيت الأبيض إلي حياة الشعب.