المركب الروسي الغارق

د . ثائر دوري/سورية

فتحت كارثة احتجاز الرهائن في أوسيتيا وتحريرهم من قبل قوات الأمن الروسية من أيدي مختطفيهم إلى القبر بهذا الشكل الدموي، الذي لا يستطيع الخيال أن يحيط به. فتحت ملف القوقاز من جديد. فما هي آفاق الواقع الراهن؟ وما هي خلفياته التاريخية؟

إن الدولة الروسية حديثة التواجد في القفقاس، إذ استلمته بشكل رسمي من الدولة العثمانية بموجب معاهدة باريس عام 1856م. و استسلم الشيخ شامل، الذي كان يقود الكفاح المسلح ضد الروس، عام 1859م. وبعدها بدأت مأساة تهجير وإبادة لشعوب القوقاز المسلمة التي سلخت عن فضائها العربي الإسلامي. تذكر كتب التاريخ أنه في العام 1861م لم يبق في منطقة القبردي سوى 5200 أسرة وقد كان عدد سكانها 400 ألف عام 1739م. لقد امتدت الحرب في القفقاس على مدى قرنين من الزمن، إذ بدأت مع صعود بطرس الأكبر الشهير إلى سدة الحكم في روسيا 1672- 1725. تقول كتب التاريخ عن بطرس الأكبر إنه كان شخصاً ماجناً سكيراً، فقد قرب منه الأجانب واللوثريين في بلد أرثوذكسي محافظ. ويقال إنه كان يحتقر كل ما هو روسي وكان معجباً بالغرب وبكل تفاصيل حياته. لقد كان سلفاً نموذجياً لقادة العالم الثالث في القرن العشرين عبر انبهارهم بالغرب وتبنيهم حضارة الغرب بكل تفاصيلها واحتقارهم لكل ما هو موروث وأصيل في أوطانهم. والنموذج الأشهر لهؤلاء هو أتاتورك والأتاتوركية. ويصل التشابه إلى حده الأقصى بين هذين الشخصين فقد تبنى أتاتورك مرسوماً أجبر بموجبه الأتراك على ارتداء ملابس غربية، وكذلك فعل بطرس الأكبر.

يشير مرسوم الثياب الذي فرضه بطرس الأكبر إلى ما يجب أن يرتديه المواطنون: ((بدلات سكسونية وفرنسية وتحتها قمصان وسراويل، والجزمات والأحذية والقبعات ألمانية الطراز)).

إن هذا الافتتان بالغرب ومحاولة تقليده في كل شيء يعني على الصعيد السياسي الرغبة بالتحول إلى دولة نهب، أي دولة لها مستعمرات. هذا هو جوهر التحديث الذي قام به بطرس الأكبر.

كان الوضع السياسي المعقد داخل أوربا يمنع الدولة الروسية من التوسع هناك وامتلاك مستعمرات، لذلك اندفعت روسيا جنوباً حيث الدولة العثمانية والعالم العربي - الإسلامي، وكان القوقاز مسرح هذه الإندفاعة الروسية. لقد كان نجاح حلم بطرس الأكبر الاستعماري مرتبطاً بشكل وثيق بالوصول إلى منافذ بحرية تحقق الصلة بأوربا. وكانت الخيارات أمامه هي التالية: بحر الشمال، وبحرالبلطيق والبحر الأسود. أما بحر قزوين فلم يدخل في الحسابات لأنه رغم سعته بحيرة داخلية مغلقة. وجد بطرس أن بحر الشمال بعيد وغير مناسب للتجارة و للعلاقات الثقافية مع الغرب. وفي تسعينات القرن السابع عشر قرر تأجيل موضوع بحر البلطيق بسبب ظروف أوربا السياسية، فتفرغ للبحر الأسود، الذي كان بحيرة عثمانية بالكامل من سيباستول في الشمال إلى مضيق البوسفور. وهنا كان الدخول الروسي إلى القوقاز.

يمتد القوقاز من البحر الأسود إلى بحر قزوين وكان يشكل الحد الفاصل بين الدولة العثمانية وقياصرة روسية. ومنذ اللحظة الأولى كان لدى الروس خطة استعمارية متكاملة للسيطرة على القوقاز الذي سيفتح لهم أبواب البحر الأسود، فقد كانوا ينشئون القلاع والطرق والمباني العسكرية والتحصينات تمهيداً للدخول إلى عمق القفقاس. وفي القرن التاسع عشر لخص الجنرال ديليالينوف خطة استعمار القفقاس بالتالي:

1 - إقامة تحصينات في المناطق المهمة طبوغرافياً.

2 - أخذ الأراضي من الجبليين بسرعة وإسكان القوقاز في محطات على هذه الأراضي.

3 - تخريب الحقول ومصادرة الأراضي.

أي أن الخطة هي مزيج من سياسة الاستيطان والأرض المحروقة والتهجير. كتبت صحيفة القفقاس الرسمية: ((كان جنرالات الروس يقومون بحملات في الجبال ويطلقون النار على كل شيء ويقتلون السكان بالحراب والنار ويأخذون كل شيء ويسرقون الماشية، وكانوا يعاقبون الناس بتدمير قرى بأكملها)).. وفي العام 1877م دعا نائب القيصر في القوقاز إلى نزع سلاح المسلمين القفقاس وتهجيرهم إلى تركيا.

لقد حاولت ثورة أكتوبر الجيدة التخلص من هذا الإرث الاستعماري البغيض فأقرت المساواة بين الشعوب والقوميات وحاولت بناء علاقات بين البشر متحررة من منطق مستعمر ومستعمر، من معادلة سيد وعبد. وأتيح لشعوب القفقاس التعبير عن نفسها قومياً ولغوياً بعد أن تم ترسيم لغاتها الشفاهية، وبرز في صفوف أبناء القفقاس أدباء لامعين على مستوى الاتحاد السوفيتي، والعالم ولعل أشهرهم هو الشاعر رسول حمزاتوف ابن جمهورية الداغستان.

لكن الحلم الاشتراكي ما لبث أن انهار وحل مكان النظام الاشتراكي في روسيا نظام رأسمالي مافيوي دمر البلاد وأجاع العباد. بلاد حكمها قيصر مريض هو يلتسين.. صاحب نزوات لا تنتهي، وبالمناسبة قدر الخبراء الاقتصاديون تكلفة علاج يلتسين منذ توليه السلطة وحتى نهاية حكمه بمبلغ ثلاثمائة مليون دولار، أما إذا حسبت تكلفة المرض غير المباشرة المتضمنة إلغاء حجوز الطيران والفنادق في اللحظة الأخيرة بسبب تعديل زيارات الوفود الرسمية أو إلغائها بسبب مرض يلتسين المفاجئ، يضاف إلى هذا كلفة تغيير الحكومات التي كان القيصر يستبدلها كل ثلاثة أو أربعة أشهر وهزات البورصة التي ترافق كل مرض للرئيس وكل تغيير للحكومة، يقول الخبراء إن الرقم يصل إلى خمسين مليار دولار!!

ثم تلي ذلك بوتين الذي لا يبتعد عن جو يلتسين كثيراً فالقوى التي اختارت الرجلين هي نفسها. ولعل توصيف النظام الروسي الحالي بنظام المافيا هو أقرب توصيف إلى الواقع.

في ظل هذا النظام المافيوي، وفي ظل روسيا مريضة يأتي سياق العملية الأخيرة .لا نملك حتى الآن معطيات دقيقة عن حقيقة ما جري. لكن بين أيدينا إشارات تكفي، منها أن هناك صراع على السلطة في موسكو بين من قاموا بنهب القطاع العام وأثروا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وما قضية شركة النفط العملاقة يوكوس إلا السطح الطافي من جبل الجليد.....

وباعتقادي لا يمكن لعملية ضخمة مثل عملية احتجاز الرهائن هذه أن تتم بدون تسهيلات داخلية.

والأمر الثاني ما قيل عن مشاركة عناصر شيشانية في الموضوع ويكفي أن تقول الشيشان حتى تفوح رائحة النفط. وهذا يعني تورط أمريكي بشكل أو بآخر لأنه من غير المعقول أن يكون النفط حاضراً ولا تكون الإدارة الأمريكية كذلك.

إن المركب الروسي يترنح وهو يوشك على الغرق. وعندما توشك سفينة على الغرق يفر ركابها دون السؤال عن الوجهة التي سيتوجهون إليها. ربما انتهى الأمر بهؤلاء الركاب الذين فروا من السفينة الغارقة أملاً بالنجاة، ربما انتهى الأمر بهم طعاماً لقروش وحيتان البحر. لكن من منهم كان يفكر بهذا المصير عندما غادر المركب الغارق!! هل هذا ما يحدث مع اخوتنا في القوقاز؟ أخشى أنه كذلك خاصة إذا استحضرنا التاريخ وعلمنا أن مأساتهم بدأت مع خروج العرب والمسلمين من مواقع صنع القرار الدولي. ولأن العرب والمسلمين ما زالوا غائبين فليس هناك من يتلقف هؤلاء الآملين بالنجاة سوى قروش وحيتان البحر الإمبريالية.

13/9/2004