استحالة اقتلاع فكرة المقاومة

د . ثائر دوري/سورية

أمران يستحيل أن يدركهما المحتلون الصهاينة في فلسطين والعراق إلا بعد فوات الأوان. الأمر الأول أن المقاومة فكرة إذا تلبست شعباً يستحيل اقتلاعها، والأمر الثاني أن تغيرات عميقة قد طرأت على بنية أمتنا العربية – الإسلامية خلال قرن من الصراع المباشر مع الاستعمار منذ انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم.

استحالة اقتلاع فكرة المقاومة:

منذ عدة أيام قام شابان فلسطينيان بعمليتين استشهاديتين في بئر السبع المحتلة أسفرتا عن قتل وجرح أكثر من مائة من الصهاينة. وأهمية هذه العملية أنها تؤشر إلى استحالة هزيمة الشعب العربي الفلسطيني، الذي تلبست روحه فكرة المقاومة. فبعد أن جرب الكيان الصهيوني كل ما تفتقت عنه مخيلة الطغاة والمجرمين والإباديين من وسائل قتل ونهب وتشريد وتدمير واغتيال، ووصل الأمر إلى حد وضع ملايين البشر في سجن كبير وممارسة الاغتيال الانتقائي والعشوائي، وتجريف الأراضي الزراعية، وتهديم الورش، والعزل عن العالم من أيام إلى شهور، وتدمير مخيمات و أجزاء كاملة من المدن، وقتل مئات الكوادر السياسية والعسكرية. بعد كل ما سبق وفي اللحظة التي أيقن المحتل فيها أنه اقترب من كسر إرادة الشعب الفلسطيني جاءت عملية بئر السبع لتتحداه معلنة أن المقاومة عصية على الكسر لأنها فكرة و ليست كائناً بيولوجياً فهي لا تحتاج للطعام والشراب، ولا يعنيها هدم ورش و لا تجريف أراض، ولا اغتيال قيادات وكوادر. هي فكرة تلبست ذلك الكائن الخرافي، الذي لا حدود لقدراته، الخفي والعلني المسمى روح الشعب، العلني لأنه موجود في كل مكان بحيث أن جميع أفراد الشعب يلمسونه ويعرفون به، والخفي لأن العدو مهما استخدم من وسائل عسكرية وتكنولوجية يبقى عاجزاً عن الوصول إليه.

لقد التحمت فكرة المقاومة مع روح الشعب فنتج هذا المعدن العجيب الذي يفوق الفولاذ صلابة.

وفكرة المقاومة بسيطة ولا تحتاج إلى شرح كبير ويمكن لكل فرد عبر التاريخ أن يعتنقها بسهولة ويجسدها في أمور صغيرة تبدأ بسلوكه الشخصي كمقاطعة البضائع الأمريكية لتصل إلى حدود جمعية كبيرة. وهي لا تحتاج إلى تقدم تكنولوجي ولا إلى توازن في الإمكانيات ولا إلى جيوش أو قوى خارجية أو دول عظمى لتدعمها، كما يتعلل أولئك الذين يتهربون من أداء واجبهم في مقاومة المحتلين بحجة عدم وجود توازن في القوى.

تصل فكرة المقاومة إلى حدودها القصوى مع الفعل الإستشهادي، الذي يعد أرقى شكل من أشكال المقاومة في ظل تفاوت الإمكانيات وعدم توازن القوى، كما ذكرنا.

 وإذا كان النصر هدفاً استراتيجياً لأي فعل مقاوم فإن الإستشهادي يدرك أنه لن يحصل على النصر في اللحظة الراهنة. بل هو سيحصل على الشهادة التي ستفتح الطريق إلى النصر فيما بعد. إن الشهادة هي السائل الحيوي الذي يغذي فكرة المقاومة ويضمن لها النماء في النفوس وهذا أمر يفتح طريق المستقبل نحو النصر.

في 24 تموز عام 1920 كانت بلاد الشام خارجة من الحرب العالمية الأولى متعبة ممزقة قليلة السكان والموارد وقد بدأ الفرنسيون والبريطانيون بالتخطيط لالتهامها، لا بل إنهم قد شرعوا بذلك. وفي دمشق كان هناك وزير دفاع اسمه يوسف العظمة رفض أن ينصاع إلى الشروط المتغطرسة لغورو التي أرسلها إلى حكومة فيصل، والتي فحواها يقول إما أن تسلمونا سوريا بأيديكم أو نحتلها بالقوة، استقر رأي "دعاة الواقعية في بداية القرن الماضي" على أن ميزان القوى العسكري غير متكافيء وأن سوريا الصغيرة الفقيرة لا يمكنها مجابهة الإمبراطورية الفرنسية وعلى أنه لا توجد قوة عظمى نعتمد عليها. فقبل العهد الفيصلي في دمشق إنذار غورو، وقام بحل الجيش الوطني ونفذ بقية بنود الإنذار مما يعني قبول الاحتلال طوعاً.

 لكن في الوقت الذي كان الجيش الوطني الصغير يغادر الحدود استجابة لأمر حكومته كان جيش غورو يتقدم لاحتلال دمشق بحجة أن الملك فيصل قد تأخر عن مهلة الأربع وعشرين ساعة التي حددها له، أي أن القبول وصل متأخراً لذلك وجب احتلال دمشق، حسب رأي غورو.

لاحظوا تشابه مضمون إنذار غورو مع مضمون إنذار بوش الصغير، الذي وجهه للعراق عشية الحرب، والذي ينص على قبول الاحتلال طوعاً، وكان سيتبعه احتلال بحجة ما شبيهة بحجة غورو حتى في حال موافقة الحكومة العراقية على الإنذار (كم يتشابه سلوك المستعمرين الغربيين.....!!)

رفض وزير الدفاع يوسف العظمة تسليم البلد بدون قتال، فقام بتجميع ما تبقي من قواته وهي أصلاً قليلة العدد فقيرة التسليح، كما انضم له بعض رجال القبائل وبعض الوطنيين فاجتمع له ألفين من الجنود بتسليح بدائي، حتى أن بعضهم كان لا يحمل سوى السيوف والسكاكين.

 ذهب يوسف العظمة برجاله ليتصدى لجيش غورو الذي بلغ تعدداه عشرين ألفاً من الجنود المسلحين بكل أنواع الأسلحة فهم جيش إمبراطورية منتصرة في حرب عالمية، ألفين بتسليح بدائي مقابل عشرين ألفاً بطائراتهم ومدرعاتهم (وفي عام 2003م قدر الخبراء العسكريون التفاوت بين قوة الجيش العراقي العسكرية والتكنولوجية وبين جيش الولايات المتحدة بواحد إلى ألف).

 تصدى يوسف العظمة لجيش الإمبراطورية الفرنسية على أبواب دمشق. كان البطل الشهيد يدرك أن المعركة محسومة من الناحية العسكرية لصالح الغزاة لكن عينه كانت على المستقبل لقد أراد أن يقدم أمثولة، أراد أن ينشر فكرة المقاومة في روح الشعب وكان له ذلك فمن ناحية الوقائع العسكرية المباشرة والمنظورة لم تدم هذه المعركة إلا قليلاً واستشهد القائد البطل مع كثير من رفاقه. كان انتصاراً عسكرياً سهلاً هذا ما توهمه الحنرال غورو، وكذلك الجنرال بوش عندما أعلن نهاية العمليات العسكرية في الأول من أيار. أما من ناحية الوقائع الروحية والمستقبلية فقد أسست معركة ميسلون الإستشهادية لكل الثورات والمعارك الوطنية اللاحقة ضد الفرنسيين والتي أدت إلى رحيل الفرنسيين وكأن معركة ميسلون استمرت ربع قرن. وما زالت روح ميسلون مستمرة حتى اليوم وتلهم أجيالا جديدة من الأطفال والشباب الذين يدخلون إلى الحياة فتتلبسهم فكرة المقاومة وهم يقرأ ون عن البطل الخالد يوسف العظمة. بهذه الطريقة يصل الإستشهادي إلى الخلود عبر فناءه جسدياً في أعظم ديالكتيك عرفته البشرية.

تغير البنية النوعية للأمة

خلال قرن حققت أمتنا تراكما هائلاً في شتى ميادين الحياة المادية والروحية. فمن الناحية المادية انتشر التعليم وازداد إلى عدد السكان إلى الحد الضروري لإنتاج حضارة، إذ لا يمكن إنتاج حضارة مع عدد قليل من السكان. وأثبت أبناء امتنا أنهم، إذا أتيحت لهم الظروف، قادرون على الإبداع في كافة ميادين الحياة.

أما من الناحية الفكرية والروحية فحدث ولا حرج فخلال قرن انتقلت الأمة من حكايا السفربرلك وتلك القصص التي تمجد الشطارة الفردية والحفاظ على الذات الشخصية إلى روح جماعية قادرة على التضحية إلى حدود لا يطالها العقل. ولن أتحدث هنا سوى عن قصة الشاب الذي استشهد في معارك العراق في نيسان 2003.

ينتمي هذا الشاب إلى أسرة فقيرة معدمة فالأب يعمل بائع خضار على العربة لأنه لا يملك عقاراً والابن الشهيد كان كذلك وكلاهما لم يحز من فرص لحياة والتعليم إلا اقل من القليل. كانا يدركان حقائق الحياة والخير والشر ويميزان بين الصديق والعدو بإحساسهم الفطري المباشر. لذلك لم يتردد هذا الشاب بالذهاب للجهاد في العراق عندما بدأ العدوان الأمريكي تاركاً وراءه زوجته وطفله الرضيع وكتبت له الشهادة هناك.

وبينما كان الأب يتلقى العزاء بابنه الشهيد أدرك بحسه الفطري أنه أمام حدث من نوع آخر مختلف فهذه ليست حادثة وفاة عادية وبالتالي فيجب أن لا يكون عزاءً عادياً. لقد أدرك أن الأمر لا يخصه وحده بل يخص الأمة جميعاً فقرر أن يقدم درساً على طريقته. وقف في منتصف بيت العزاء و قال بصوت عال مخاطباً المعزين:

- لا أريد من أحد أن يعزيني أريدكم أن تهنئوني باستشهاد ولدي.

كان المعزون يقبلونه ويقولون له مبروك وكل شخص يدعو لنفسه بالشهادة بقوله ((عقبالنا)). فهل هذه أمة قابلة للهزيمة؟

بالتأكيد لا . لكن صعب على الغزاة أن يدركوا ذلك إلا بعد أن يدفعوا ثمناً باهظاً.