الإصلاح السياسي عربيا وسوريا
د. عمار قربي/حلب - سورية
يتعرض المشهد السياسي والاجتماعي العربي، في اللحظة الراهنة، لخلط واضح في المفاهيم والأوراق في قضيةِ من أبرز قضايا نضالنا العربي المعاصر، وتتمثل في مسألة الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان، وغير ها من القضايا التي تطرق أبواب الأنظمة العربية، وأيضاَ الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بقوة غير مسبوقة وينشأ اللبس والغموض السائدين في أذهان الكثيرين، من الحقيقية الكامنة خلف المواقف المعلنة وجذورها، ودوافعها الأساسية، سواء جاءت هذه المواقف مندرجة في إطار مشاريع القوى الخارجية المعادية،/وأبرزها المشروع الأمريكي وتوافقاته الأخيرة مع مجموعة الدول الصناعية، والمدعو "بالشرق الوسط الموسع وشمال إفريقيا" أو جاءت عبر مواقف الأنظمة وبيانات مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في تونس في الآونة الأخيرة.
ولا ريب أن المشروع الأمريكي، في جذره الصهيوني، وطبيعته البنيوية التي تستهدف التأسيس الإمبراطوري،متوافقاً مع النزوع الغربي "لشراكة متوسطية"، لا يهدف في الحقيقة والواقع إلى حل المسألة الديمقراطية وبناء مقومات التنمية البشرية والإصلاح السياسي والاقتصادي في الوطن العربي، كما يشاع إعلامياً، وإنما ينشأ ويكتسب أبعاده بصورة متدرجة مرتسماً على أهداف ٍ أخرى أكثر وضوحاً مهما حاولت القبضة الأمريكية التخفي بقفاز الحرير المسموم، وتتلخص هذه الأهداف:
1 - محاولة الإجهاز على المشروع النهضوي العربي في موقعه الراهن في الضمير الاجتماعي، وما يندرج في إطاره من توحد قومي، وإصلاح سياسي وتنمية مستقلة متعددة الأبعاد، وبناء مقومات القاعدة المادية والسياسية والثقافية للنهوض بالإنسان العربي، وإطلاق حرياته الأساسية.
2 - الانتصار للمشروع الصهيوني الذي يتهدد الوجود القومي العربي بصورة جدية، والتوافق مع السياسة الشارونية وممارسة الإجرام غير المسبوق في انتهاك صارخ لأبسط مبادئ حقوق الإنسان، في سبيل تمكين الكيان الصهيوني من أن يصبح مركزاً إمبرياليا معولماً في المنطقة.
3 - حصر وتطويق الوطن العربي، وإعادة ترتيب أوضاعه السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يتوافق مع الهيمنة الأمريكية على مقدراته، وممارسة النهب المنظم لثرواته، إضافة لتهميش وإفقار المجتمع العربي بكافة فئاته وشرائحه الاجتماعية.
ولسنا بحاجة للإشارة إلى الواقع وما نشأ من تداعيات أمنية وانتهاك لحقوق الإنسان بعد العدوان واحتلال العراق من غوانتانامو إلى سجون التعذيب الوحشي على امتداد الأرض العراقية، وذلك حتى ندلل على مصداقية التحليل، فالأمر أبعد مدىً من ذلك، ويدخل في إطار الحراك الإمبريالي للعولمة القسرية الراهنة، وتداعياتها على مستوى العالم.
لا يعترينا أي وهم في أن الغرب الأوربي يمكن أن يسعى لتحقيق مصالحه من خلال التعاون المتكافئ مع دول وشعوب المنطقة، أو عن طريق المساهمة الفاعلة في الإصلاح والتنمية فيها، ذلك أن المعادلة الرأسمالية في واقع العولمة الراهنة والتنافس القاتل بين آلياتها تختلف في نهجها، ومسار أصحابها عن هذا التوجه الذي يشكل لدى بعض المثقفين العرب رغبة تفتقد لرصيدها في الواقع العياني.
ومن جانب آخر، فإن الأنظمة العربية، في تعثرها وإخفاقها، وافتقاد المشروعية الدستورية والقانونية لديها، تحاول البحث عن مخرج لمأزقها السياسي خارج دائرة المشروع القومي، وذلك بعد أن ارتضت لنفسها العزلة والانعزال القطري، والادعاء بإمكانية بناء التنمية القطرية، بعيداً عن العمل لتحقيق المشروع النهضوي بمداخله المتعددة.
ويبدو واضحاً أن رفضها للإصلاح الوافد من الخارج وبإرادة القوة الطاغية للإدارة الأمريكية ليس إلاَ كلمة حق يراد بها باطل يفصح عن نفسه بممارسة هذه النظم الاستبدادية وإقصائها لحقوق الإنسان والمواطنة، وممانعتها للتغيير الديمقراطي الداخلي، وكل ما من شأنه إعادة ترتيب الأوضاع السياسية في البلاد، وإعادة إنتاج مقومات الصمود الوطني في وجه التحديات الخارجية، من جانب، والاستجابة لاحتياجات المجتمع العربي الحيوية في النهضة والتقدم والدخول في صميم العالم المتقدم.
وبين شقَي الرحى، الداخلي والخارجي المعولم، يمكث المواطن العربي الذي يشكو من واقع التخلف الحضاري والاستلاب السياسي، ومن الجور الاجتماعي وسلاسل الفقر والجوع والمرض وانتشار الأمية والبطالة، ومن أمراض الموروث الاجتماعي المنبعثة من جوف التاريخ والمكتسية طابعها الفاشي عبر تجلياتها الثنية والطائفية والعشائرية، وتهديدها الجدي لاغتيال جنين الديمقراطية الذي ينمو في الأوساط السياسية والاجتماعية المعارضة . لذلك كلَه، وغيره مما يدخل في إطار المحور العام للتقدم الإنساني ومناهضة العولمة، نلاحظ أن النضال من أجل توطيد أسس حقوق الإنسان بمستوياتها الثقافية والاجتماعية والقانونية، مرتبط بصورة جدلية وثيقة بالعمل لتحقيق الإصلاح بأبعاده المختلفة في الوطن العربي.
ونستبق لنقول، أنَ سلوك سبيل الإصلاح وفقاً لمصالح وإملاءات القوى الخارجية، من شأنه أن يعرض الأمة العربية لمخاطر جسيمة نهدد سيادتها واستقلالها، ويؤدي إلى ارتهان المجتمع لإرادة هذه القوى وهيمنتها، واستلابها حقوق الإنسان لآمادٍ بعيدة.
إنَ قراءة موضوعية للوثيقة الأمريكية المقدَمة لمجموعة الدول الثماني في النصف الأول من شهر حزيران 15/6/2004، توضح الأهداف الحقيقية الكامنة خلف بنودها، ومثالاً على ذلك، فإنَ التنمية البشرية والاقتصادية في الوطن العربي، وفي ظلَ التحوَلات الكبرى المتسارعة في العالم، لا يمكن لها أن تبنى من خلال إقامة أو مساندة المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تتوقف عندها الوثيقة ولا تتعداها، فأمر التنمية أبعد مدىً من ذلك بما لا يقاس، ويتطلب مجموعات كبيرة من المشاريع الإنتاجية والاقتصادية الكبرى التي لقاعدة مادية متينة تتحمل تبعات التحولات التنموية التي يطمح إليها المجتمع، وبدونها يبقى الحديث عن التنمية مجرد كلامِ لا رصيد له في واقع التطبيق العملي.
وما يدلل عليه هذا الجانب من زيفِ واضح في الإعلام الأمريكي ينطبق على معظم بنود هذه الوثيقة.
كذلك الأمر فيما يخص الأنظمة العربية التي تستجيب للضغوط الخارجية، ولا تستجيب لاحتياجات المجتمع، فالإصلاح لا بدَ أن يبدأ بالبنية السياسية القائمة والممسكة بخناق الاقتصاد والثقافة والمواطن فالإصلاح الاقتصادي والإداري وغيرهما لا يستقيم في الحضور الفاعل لمواقع الفساد والإفساد في مركز قرار الدولة الأمنية القطرية الراهنة . وما يقال عن التحديث والتطوير في منهجه وتوجهاته الراهنة _ إن وجد _ ليس في المحصلة إلاَ محاولة للالتفاف والقفز فوق حقائق الأشياء، فكيف يمكن لسلطةِ ما أن ترفع مثل هذا الشعار وتدَعيه، ثمَ تمتنع عن السماح لمؤسسات وهيئات ومنظمات المجتمع المدني أن تنشأ وتتطور، وتحاصر المبادرات المتعددة في هذا المجال بكل أشكال العسف ومصادرة الحريات الأساسية للمواطنين، في الوقت الذي تنطلق فيه كل أفاعيل التنمية البشرية في الدول المتقدمة.
ثمة، إذاً، ما هو واضح، وسط اللبس المسيطر، فيما يتعلق بالإصلاح بأبعاده المتعددة، ويتمثل في بلورة مقومات المشروع النهضوي المعاصر وآفاقه المستقبلية، والتي يمكن أن يؤسس لها في حركة الفكر والواقع، في إطارِ من المحاور الرئيسة التي نتخير البارز فيها:
1 - رفض وممانعة كافة المشاريع الإمبريالية والصهيونية التي تستهدف الهيمنة على الوطن العربي وتعمل على التمكين للمشروع الصهيوني من الامتداد العدواني في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
2 - يتطلب تحقيق الإصلاح في الوطن العربي التقدم لإنجاز مقوماته الرئيسة في الداخل الوطني للأقطار العربية، وذلك عبر اتخاذ عدد من الإجراءات التي تشكل في منطلقها ومستقرها إعادة إنتاج الوحدة الوطنية الديمقراطية:
إجراء التغييرات الديمقراطية في البنية السياسية للدولة القطرية القائمة بما يحقق المصالحة الوطنية بين كافة القوى والأحزاب والفاعليات الاجتماعية والثقافية، وإنهاء واقع التخارج السائد، والإقصاء المتبادل بين الدولة والمجتمع.
- إصدار القوانين اللازمة لإعادة تنظيم الحياة السياسية في البلاد، وأبرزها القوانين الخاصة بالأحزاب السياسية والجمعيات وكافة مؤسسات المجتمع المدني الحديثة وتقديم الدعم المادي والمعنوي لها لتحقيق التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي وفسح المجال أمام إطلاق أفاعيل التواصل بين مختلف الفئات الاجتماعية لإنهاء حالة التفكك الداخلي التي تتعرض لها العديد من الأقطار العربية.
- احترام وتطبيق كافة المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والمواطنة والعدل الاجتماعي.
- الفصل النهائي بصورة لا عودة عنها بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وضمان سيادة الحق والقانون والمساواة بين المواطنين إضافة تنفيذ القوانين التي تضمن التداول السلمي للسلطة بين مختلف الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية والقومية.
- إنهاء العمل بالقوانين الاستثنائية، وإعادة النظر بصورة شاملة بالصلاحيات الممنوحة للأجهزة السلطوية وممارساتها الاستبدادية التي طاولت معظم أبناء المجتمع، وإخضاعها لدولة جديدة للحق والقانون التي تضمن أمن المجتمع وكرامة الوطن والمواطن.
- مكافحة ظاهرة الفساد والإفساد المتفاقمة في معظم الأقطار العربية، والعمل على محاصرة ظاهرة البطالة، وإعلاء شأن قيم العمل والإنتاج على قاعدة التكافؤ في الفرص بين المواطنين دون أي تمييزِ بينهم.
3 - هذه المهام الوطنية الراهنة، والدائرة السياسية أبرزها، تفترض بطبيعتها وآفاقها المستقبلية أن تكون مندرجة في الإطار العام للمشروع النهضوي المعاصر باعتبارها مقدمته الموضوعية الأولى، والذي يتطلب بدوره أن يكون مشروعاً مستقلاً لأمتنا في هذه المنطقة من العالم في مواجهة المشاريع الإمبريالية والصهيونية في ظل العولمة الراهنة، ومن هنا تبرز أهمية تفعيل العمل العربي المشترك في مختلف الميادين وفي المستويات الشعبية والاجتماعية المدنية التي يتطلبها بناء المجتمع العربي المدني الموحد.
4 - إعادة هيكلة كافة المؤسسات القومية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، والعمل على إصلاحها بصورة جذرية، على أن يكون هناك التزاما عربيا واضحاً وكاملاً بالأنظمة النافذة لديها والقرارات التي تصدرها، وعلى أن ينظر إليها على أنها مؤسسات المرحلة الأولى على طريق بناء الدولة العربية الواحدة.
5 – فسح المجال أمام كافة أشكال النشاط الاجتماعي والسياسي، وتفعيل التواصل الجماهيري المنظم، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهيئاته ومنظماته وإنهاء المحاصرة القطرية الأمنية القائمة والوصاية السلطوية الرسمية المفروضة عليه، على طريق التحوَل المتدرج والمنظم لها، من مؤسسات قطرية معزولة ومنعزلة، إلى مؤسسات قومية فاعلة.
6 - الوقوف بحزمِ ووضوح في مواجهة الإرهاب الدولي الذي تمارسه الولايات المتحدة و"إسرائيل" في العراق وفلسطين، وفي مواجهة ظاهرة الإرهاب الأصولي المتطرف الذي يستهدف الأبرياء من المدنيين من أمتنا العربية.
وفي المحصلة، تجدر الإشارة إلى أنه إذا كان ثمة عقبات على طريق الإصلاح، ومنها ما تدعيه النظم حول الصراع العربي - الصهيوني فلا يمكن معالجة وإزالة هذه العقبات إلاَ من خلال الإصلاح نفسه.