النفخ في نار الإرهاب
ابراهيم العبسي/الأردن
من السهل على الرئيس الأمريكي جورج بوش أن يتعهد بمطاردة الإرهاب والإرهابيين في كل إنحاء العالم، والقضاء عليهم تماما.
لكن هل من السهل عليه تنفيذ هذا التعهد حتى على مستوى الداخل الأمريكي المهدد بهجمات إرهابية غير تقليدية، أي بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية، على حد زعم وزيري الأمن والعدل الأمريكيين؟! وهل من السهل على هذا الرئيس نشر الجيش الأمريكي خارج الولايات المتحدة لمطاردة أشباح الإرهابيين والقضاء على ما يسميه بالإرهاب الدولي؟! من الواضح أن الرئيس الأمريكي ما زال يعيش بعقلية الـ"Sherif" في الغرب الأمريكي المتوحش الذي كان ينتشر فيه المجرمون واللصوص وقطاع الطرق والخارجون على القانون والقتلة، الذين كان يطاردهم الـ "Sherif" الفارس والجسور والقوي الذي لا يشق له غبار، بصحبة عدد من رجاله، ليعود بعد مطاردة تطول أو تقصر وقد قبض على هؤلاء الخارجين على القانون، وربطهم إلى مؤخرة جواده وراح يجوب بهم الشوارع، في عملية استعراضية درامية مثيرة، قبل أن يحكم عليهم بالحبس أو الإعدام، وسط نظرات المواطنين المعجبين بجرأة هذا الـ Sherif، وقدرته على توفير الأمن للأهالي والمواطنين، وهو في ذلك لم يدرك بعد أن معضلة الإرهاب والإرهابيين هي أكبر من ذلك بكثير، وأبعد من ذلك بكثير، وأعمق من ذلك بكثير، وأنها مشكلة سياسية، اقتصادية اجتماعية وحضارية ثقافية، جذرتها عهود الاستعمار الغربي التقليدي في العالم، وفاقمتها السياسات الإمبريالية الأمريكية الحالية المحافظة، بما تخطط له من صدامات وحروب لاحتواء العالم والسيطرة عليه وإلحاق دولة وشعوبه بالدولة الأعظم سياسيا واقتصاديا وثقافيا وحضاريا!.
ولا يخفى أن هذه السياسات الظالمة والقهرية والاستعمارية الجديدة الأكثر توحشا وطغيانا وقهرا وظلما من الاستعمار القديم، من شأنها النفخ في نار الإرهاب وتعاظم اشتعالها، كما من شأنها تفريخ أجيال من "الإرهابيين" من الصعب على الرئيس الأمريكي مطاردتهم والقضاء عليهم، بل من الصعب التنبؤ بما يمكن أن تخلفه هذه المطاردة من صدامات وحروب قد تعرض مستقبل البشرية والحياة على الأرض إلى أخطار جدية مخيفة لن تكون الولايات المتحدة في منأى عنها.
كنا نعتقد في الذكرى الثالثة لأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001م التي هزت أمريكا والعالم، أن يكون الرئيس الأمريكي جورج بوش أكثر تعقلا وأكثر واقعية وأكثر إحساسا بالمسؤولية تجاه الولايات المتحدة والعالم. وأن يعلن تخلي بلاده عن سياساتها الإمبريالية الجديدة، التي نشرت الإرهاب والإرهابيين فوق هذه الأرض وعلى نحو غير مسبوق في التاريخ الإنساني، وأن ينحاز للأمم المتحدة ويحترم مواثيقها وقوانينها وقراراتها الشرعية، وأن يعيد العمل بمبادئ الرئيس الأمريكي الأسبق ودرو ولسون القائمة على احترام الشعوب وخياراتها ونشر الحرية والعدالة والديمقراطية في العالم، بعيدا عن الاملاءات الفوقية القهرية، والانتصار للشعوب المظلومة الواقعة تحت نير الاحتلال، مثل الشعب الفلسطيني، إضافة إلى إطفاء بؤر التوتر في العالم، ومحاربة الفقر والجوع والأوبئة والمخدرات والقهر الاجتماعي والاقتصادي، ذلك أن هذه هي الوصفة الحقيقية للقضاء على الإرهاب والإرهابيين في العالم، لا التعهد بمطاردتهم وإشعال الحروب والصدامات الجديدة التي ستضاعف من مشكلة أمريكا والعالم مع الإرهاب والإرهابيين!!.