البكاء على القتلى الأميركيين في العراق!!
ابراهيم العبسي/الأردن
ليس غريبا أن تنفجر في الولايات المتحدة كل هذه الضجة السياسية والإعلامية، إثر إعلان وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" عن أعداد القتلى والجرحى من الجنود الأميركيين في العراق الذين وصل عددهم إلى 1004 قتلى و6916 جريحا في المواجهات الدامية مع فصائل المقاومة العراقية.
وليس غريبا أن يستغل الحزبان الرئيسان في أميركا هذه "الكارثة" القومية ليتبادلا الاتهامات ويحمل كل منهما الآخر مسؤولية إهدار دم هؤلاء الجنود الأميركيين، في وقت باتت فيه الانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب، فهذا جون كيري المرشح الديمقراطي يتهم الرئيس الأميركي جورج بوش بأنه المسؤول عن مقتل هؤلاء الجنود الذين فقدتهم أميركا، وفقدتهم زوجاتهم وأبناؤهم وعائلاتهم وأقرباؤهم وأصدقاؤهم وذووهم في الحرب الخطأ والمكان الخطأ والزمان الخطأ. ومن أجل تحقيق الرغبات الشريرة للرئيس الأميركي جورج بوش، وحلمه في إنشاء إمبراطورية أميركية على جماجم الجنود الأميركيين، فيما يرد بوش على هذه الاتهامات بأنه كان مضطرا لخوض هذه الحرب، "دفاعا عن الولايات المتحدة الأميركية، وقيم الحرية والديمقراطية في العالم"، وكأن العراق المذبوح والمحاصر كان يهدد أميركا وقيمها بأسلحة الدمار الشامل التي اعترف المسؤولون الأميركيون بأنها لم تكن سوى أكذوبة كبيرة لتبرير الحرب، حتى الإعلام الأميركي المقروء والمسموع انشغل بكليته في البكاء على هؤلاء الجنود الذين فقدوا أرواحهم في الحرب، وانعكاس ذلك على أوضاع عائلاتهم الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، وكأن الأميركيين لم يتوقعوا سقوط مثل هذا العدد من القتلى والجرحى، بالنظر إلى ما يتمتع به الجيش الأميركي في العراق من قوة نارية مدمرة في مواجهة رجال المقاومة العراقية الذين لا يمتلكون سوى إرادتهم وكبرياءهم الوطني والقومي، وبعض الأسلحة الفردية العادية، أو الأقل من عادية، وربما كان من الطبيعي أن تثور مثل هذه الضجة والاتهامات في بلاد تقدس حياة مواطنيها وتعمل على حمايتهم بكل السبل والوسائل لاسيما في أوقات الحرب، لكن الغريب، بل الأكثر مدعاة للغرابة والاستهجان والاستنكار أن لا يأتي الأميركيون على ذكر أعداد القتلى العراقيين المدنيين الذين تجاوز عددهم العشرين ألف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى، الذين سقطوا برصاص قوات الاحتلال الأميركي، مع أن الإدارة الأميركية تزعم بمناسبة ودونما مناسبة، أنها دخلت العراق "لتوفير الأمن والاستقرار والحرية والديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان"!، لا قتله وهدر دمه وتدمير منزله ومؤسساته الخدمية وتحويل حياته إلى جحيم لا يطاق. ولكن هذه هي العدالة الأميركية والديمقراطية الأميركية التي تتباكى على قتل ألف جندي أميركي أو يزيد قليلا، فيما تتجاهل العدد الهائل من القتلى والجرحى والمشردين العراقيين وكأنهم ليسوا بشرا ولا يستحقون الحياة، ولا حتى مجرد الحديث عنهم!!.
لكن الحقيقة التي ينبغي توضيحها أو الإشارة إليها، أن الولايات المتحدة التي دخلت العراق دون أن تعرف عنه شيئا أو على الأصح بمعلومات استخبارية مغلوطة ومفبركة، سوف تواجه المزيد من أعمال المقاومة وبالتالي سقوط أعداد أخرى من القتلى الأميركيين، وعندئذ ستضطر مرغمة على الخروج من هذا المستنقع القاتل وقد تعلمت دروسا ينبغي عليها أن لا تنساها أبدا، وفي مقدمة هذه الدروس أن القهر الوطني والقومي واحتلال أوطان الآخرين، هو نوع من المقامرة والمغامرة والعدوان الآثم الذي يجب أن يختفي من حساباتها مهما بلغت قوتها وغطرستها وطغيانها، فهل يعي الأميركيون الشرفاء هذه الحقيقة، ويعيدون لأميركا وجهها الحر والديمقراطي، بعد أن شوهت حفنة المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية هذه الصورة، واستبدلتها بصورة الإمبراطورية المخيفة التي تسعى لإشعال الحروب في العالم خدمة لأغراضها المنحطة ورغباتها الاستعمارية وخدمة للكيان الصهيوني وتوجهاته العدوانية التوسعية؟!!