نواقض الأنـسنة
صلاح المختار/صلاح المختار/باحث وأكاديمي من العراق
نواقض الأنسنة كثيرة جداً، لكن أهمها وأخطرها على الإنسان هي القردنة، فما المقصود بالأنسنة والقردنة والحيونة؟ إن تحديد المعاني ضرورة لا غنى عنها قبل الشروع بالنقاش العقلي.
الأنسنة هي الانتقال من (عالم الحيوان) إلى (عالم الإنسان)، فهي تلك النقلة النوعية التي تحققت لمخلوق، أو حيوان، نسميه الآن (الإنسان)، بعد ملايين السنين من الحيوانية، أي العيش كحيوان لا يختلف كثيراً عن البقر والحمير والقردة.
والنقلة المقصودة هي الانفصال الحاسم لهذا المخلوق عن بقية الحيوانات بتشكل (عقل) يفكر بصورة جدلية، أي مبدعة، على قاعدة آلة عظيمة اسمها الدماغ. إننا نشترك مع بقية الحيوانات في امتلاك الدماغ بصفته آلة تفكير، لكن دماغنا تطور وتميز بامتلاك خاصية تشكيل عقل جدلي يبدع ذاتياً وتلقائياً، فاجتاز مرحلة التفكير الانعكاسي، أو الغريزي، للحيوان، وصار كياناً قائماً بذاته، حتى وإن انبثق من الدماغ.
ويمكن تسجيل تاريخ انفصال الإنسان عن الحيوان من اللحظة التي أصبح بمكنته إجراء محاكمات منطقية والوصول إلى استنتاجات من المستحيل الوصول إليها بمحض استخدام الطابع الانعكاسي للدماغ، ولهذا فأن تاريخ الإنسان وحضارته هو تاريخ انبثاق العقل وتحكمه في الدماغ، ومن ثم في حياة الإنسان، بل وحياة الكرة الأرضية برمتها.
ومن بين أعظم مآثر العقل قدرته على الارتقاء بقيمة الإنسان وتوفير الوقائع -مضافاً المنطق- لجعله سيد المخلوقات التي خلقها الله، فكلما ازداد العقل رقياً ازدادت قيمة واحترام وإبداع الإنسان، وتلك ذخيرة مشرفة تصنع الكرامة والشعور بها، ومعادلة التماهي هذه بين نمو العقل وتعاظم عبقريته وبين ازدياد ثقة الإنسان بنفسه وتعمق احترامه لها هي سر عظمة الإنسان ومسوغ سيادته على بقية المخلوقات، لأن بقية المخلوقات ما زالت تملك دماغاً يفكر، لكنه دماغ ميكانيكي تفكيره غريزي وانعكاسي محصور في خدمة المخلوق لضمان البقاء، لذلك يعجز الحيوان عن تجاوز مملكة الحيوان وربما تكون الكرامة أعظم إنجازات العقل الإنساني، فالارتقاء فوق عالم الحيوان يتجلى، أعظم ما يتجلى، في انفراد المخلوق الإنساني بوجود الإحساس بالكرامة لديه، وهو إحساس تبلور تدريجياً مع نمو العقل وتسيده على كوكبنا، فنما شعور داخلي بالاعتزاز بالنفس والشعور بأن الإنسان يتميز بحيازته ما يفيد وما يضيف، فتكون مجتمع الكرامة، وهو مجتمع عماده احترام الإنسان لنفسه وثقته بها، لأنه يعرف قدراته وإنجازاته وما قدم وما يمكن أن يقدم، وهذا الشعور يشكل حالة تقوم، على وعيها، حالة أخرى ينفرد بها الإنسان فقط من بين كل المخلوقات وهي الكرامة.
ويمكن القول أن مفهوم الكرامة قد عبر عنه بطرق مختلفة، فالكثير من الفلسفات والنظم أرادت أن توقر الكرامة وتوفر مقومات استمرارها وازدهارها، فالليبرالية الغربية ربطت حفظ الكرامة بضمان حرية الإنسان الفردية، والاشتراكية دعت إلى العكس، وهو أن ما يحفظ كرامة الإنسان ويمنعه من الحيونة، أي الارتداد إلى الحيوانية، هو تحريره من عبودية الفقر والعوز بتوفير الاحتياجات الأساسية، وهكذا تم التعامل مع الكرامة الإنسانية بصفتها الحاضنة التي تولد الفضائل الأخرى كالصدق والشهامة والاستقامة والحرية والغيرية - عكس الأنانية- والشجاعة.. إلخ، فالإنسان المتمتع بالكرامة لا يكذب ولا ينافق ولا يجبن ولا يرتد عما آمن به، ولا يمارس الأنانية.
ولذلك فإن أعظم ما في الأنسنة هو الكرامة الإنسانية، بل أذهب أبعد من ذلك فأقول أن ما يميز الإنسان هو الإحساس بالكرامة، وليس القدرة على التفكير، لأن بقية المخلوقات تفكر أيضاً، ومثال النمل وغيره معروف، لكن النمل والنمر لا يحسان بالكرامة، بل يحسان بالجوع والعطش والتهديد، فيصدر عنهما رد فعل انعكاسي هدفه حفظ الوجود لا أكثر ولا أقل.
ماذا يحصل حينما يتخلى الإنسان عن كرامته؟ نحن هنا لا نتحدث عن إهانة الكرامة، فتلك حالة قسرية يقوم بها طرف ما ضد صاحب الكرامة، ولذلك فإنها مهما آلمته لا تقوض إحساسه بالكرامة، بل ربما يتضاعف الإحساس بالكرامة ويتعزز عند التعرض للإهانة من طرف آخر. لكن أقسى اختبار للكرامة الإنسانية هو ذلك الذي تفرضه الذات الإنسانية الخطاءة، الميالة للأنانية، فنحن ما زلنا نحمل فوق أجسادنا شعر حيواني وفي أفواهنا أسنان حيوانية وفي أيدينا وأرجلنا أظافر حيوانية، وكل ما فعلته الحضارة لنا هو أنها أخفت مظاهر الحيوانية بتقاليد وقيم لم يمض على تبلورها أكثر من 2% من تاريخ الإنسان العام، لذلك نحتفظ بذاكرة حيوانيتنا وجذورها، ولكننا، وبفضل النقلة النوعية، امتلكنا (طبيعة ثانية)، ميزتنا عن بقية الحيوانات، وهي تقوم على ردع الحيوان ومنعه من الاستيلاء علينا مجدداً بتعطيل ذاكرته، وبقدر ما تنجح (الطبيعة الثانية) بكبح الحيوان النائم أو نصف المستيقظ في دواخلنا نكون قد صنا كرامتنا بالحفاظ على قسم قطعناه وكلمة أعطيناها والتزام قررناه وخيار ارتديناه جسداً ثانياً لنا، وهذا بالضبط معنى الأنسنة الدقيق، وبالقياس عليه نحدد معنى القردنة والحيونة.
إن عصر العولمة هو عصر الصراع بين (الكرامة الإنسانية) وبين الحيوان الكامن الذي تسيطر عليه في داخل الإنسان، فالعولمة، من الناحية الفلسفية والتطبيقية، هي أكبر محاولة في التاريخ لتهديم العوامل التي تصنع الكرامة الإنسانية والتهيئة لردة الإنسان إلى عالم الحيوان، أي حيونته، لكن المصيبة التي نواجهها هي أن الإنسان، بعد أن تأنسن وذاق طعم ومعنى الكرامة، لن يفقد ذاكرته التاريخية والسايكولوجية، المشحونة بكليتها بوعي التحضر حينما يرتد إلى الحيوانية، لذلك لن يكون مجرد حيوان عادي، بل يصبح (سوبر حيوان)، وسيتقدم صفوف كل وحوش التاريخ الحيواني ليذبح براءة (عالم الحيوان)، المتأتية من عجز التفكير الحيواني عن إنتاج الخبث والدهاء وآلات إبادة شاملة، فتختلط أوراق الوجود على نحو مرعب وكارثي، ويبرز الإنسان المتحيون بصفته أقسى المخلوقات وأشدها أنانية وأكثرها خطراً بسبب ما يملكه من ذكاء مفرط ينتج أوضاع خراب لم تنتج من قبل أبداً.
ماذا نسمى إنساناً تحيون مع أنه يملك عقلاً جباراً وجدلياً؟ إنه (مبدع) الخراب والإبادة وضياع القيم العليا وكل ضابط للسلوك ومنارة للمجتمع، فهذا الإنسان المرتد لا يبقى إنساناً بعد ردته، بل يتقردن، أي يصبح قرداً ويفكر بعقلية قرد لكنه ليس القرد الحقيقي بل قرد افتراضي يملك خبثاً ونزعات تدمير لم يملكها أي قرد أو حيوان على الإطلاق.
والقرد الحقيقي، وقد امتلك بعض الذكاء، يدرك نصف إدراك، ولهذا فإنه يتصرف وهو يظن انه يضحك على الإنسان حينما يعرض قفاه الأحمر في السيرك للأطفال الجالسين وهم يقهقهون، كل منهما يظن أنه يضحك على الآخر، وتلك هي مأساة العلاقة بين الإنسان والحيوان.
حينما يصبح القرد خبيثاً، وهو حال الإنسان المتقردن، تضيع كل عمائر الحضارة الإنسانية، ويفقد الإنسان ضابط سلوكه الذي ميزه عن الحيوان، ويصبح همه، تماماً كالقرد، أن يحصل على (موزة) تشبع جوعه النفسي، وليس البدني إنه جوع أنتجه الطابع الاستهلاكي والحيواني للعولمة لذلك تنفح أبواب شهية الإنسان على كل المحرمات والموبقات وتنعدم لديه قاعدة القيم، ويصبح هو الحاكم والجلاد والخصم، فيحطم غطاء (الطبيعة الثانية) كلياً، لكن هذا المخلوق المتقردن والمتحيون واع، وما زال يملك عقلاً جدلياً فيعمد إلى فلسفة عهر ضميره وتسويقها ومحاولة خداع الآخرين بها، وهو يعلم أنه يكذب ويخدع ويمارس عهر الضمير.
ما هو أحقر مثال للقردنة؟ إنه الانتهازية السياسية، إذ لا حقارة أعمق قاعاً من الانتهازية، فهي أخطر ما يهدد بزوال الكرامة الإنسانية لأنها تفتح أبواب عالم ليس فيه شيء سوى الخراب والتخريب، ومن ثم النهب والتسليب لكل شيء، لقد رأينا في الخمسة عشر عاماً الأخيرة أشكالاً من المتقردنين لم نكن نتوقع أن نراها حتى في كوابيسنا، فميخائيل غورباتشوف، وهو أكبر متقردن معروف، تسلق على ظهر (الكرامة)، وحينما استوى عوده رأيناه يهدم قاعدة كرامته وكرامة بلده! لقد دغدغت العولمة بـ(أفخاذها) الممتلئة وعيونها (الزرق) كل ما كان في داخل غورباتشوف من (جوع)، فأسقطته في بئر القردنة والحيونة وأعلن طلاقه النهائي بالأنسنة، رغم أنه بقي يرتدي زي إنسان ويتفلسف كإنسان!
أما في وطننا العربي، فلقد رأينا العجب بعد غزو العراق، فأولئك الذين كانوا (سادة) الكرامة الإنسانية، أصابهم مس من جنون القردنة حالما وصل برابرة (الـ. راة) بغداد، فخلعوا قميصاً جميلاً ارتدوه طويلاً اسمه (وجه إنسان)، وارتدوا قميصاً آخر اسمه (وجه ضبع) لم يعرف أبداً معنى الكرامة، فراح يرقص على جثث أشقائه وهو يتغزل بوحشية وجاذبية عجيزة أميركا، وكأنه لم يكن يوماً يشتمها في سكره وفي صحوه!
ما الذي يجبر هذا النوع من المخلوقات على التقردن؟ حتى الضبع لديه (أجندة) ثابتة، وهي البحث عن قوت، لكن ضباع اغتيال الكرامة الإنسانية لديهم القوت المادي الذي يكفيهم قروناً ومع ذلك فإن جوعهم المرضي يجعلهم يتدافعون بالمناكب لمغازلة أنثى قرد وطأها العشرات من ذكور القردة والكلاب حتى فقدت ملامح وجهها! كان يمكن لهؤلاء المرتدين أن (يعتزلوا) السياسة إذا كانوا عاجزين عن تحمل تضحياتها، عندها كنا سنحترمهم، لكنهم، ومع أنهم يملكون القوت والنقود، انغمسوا في (موكب) الجشع ونزعوا ملابسهم فبان شعر الحيوان الذي كانت تغطيه، وتعملقت الأسنان التي كانت صغيرة ناعمة، وفتحوا أفواههم بأوسع ما تتحمله مرونة اللحم وهتفوا: يسقط الماضي عاشت الواقعية!
مع إسقاطهم للماضي، أسقطوا إنسانيتهم وصاروا قرودا افتراضية ًبالغة الخبث ولا محدودة القسوة، لكنهم، وتماماً مثل قردة السيرك، يظنون أنهم أذكياء، وأنهم يضحكون على (الآخر)، لكن (الآخر) ينظر إليهم كما ينظر الطفل البريء الجالس في السيرك يضحك على القردة وهي تؤدي ألعاباً تستفز (غريزة) الضحك! إن ما نسميه (كرامة) يجعلنا نشعر بالأسف على تقردن من كان إنساناً، وصافحناه يوماً، بل عانقناه، وأحببناه، لكننا الآن نراه بعد أن تقردن وقد لصق على مؤخرته (الحمراء) صورة (تفاحة) فلعل (رامسفيلد) يأتي يوما إلى السيرك ليضحك على القرد، فيرى التفاحة على مؤخرته وربما - نقول ربما- سيهتف ضاحكا: انظروا هذا القرد إنه يضع نيويورك على مؤخرته! ولمن لا يعلم فإن (التفاحة) هي رمز نيويورك، لكن كل (تفاح) نيويورك تسلل إليه الدود ولم تعد في نيويورك كلها، بل في أمريكا كلها، تفاحة واحدة بلا دود رغم إنها حمراء وجميلة من الخارج! أليس هذا هو عصر القردنة والحيونة التي تعد – بحق – أعلى وأخطر مراحل نزعة إبادة الآخر؟ لماذا نحتج على غزو الدود للتفاح إذا كان أقذر(دود) أميركا وأحقر (نملها الأبيض) يأكل جسد العراق؟