"أعتقد أنني أحب الحكومة" لنصري حجاج: قصص لامعقولة، سريالية، تطفح بالفكاهة المرة
رشاد أبو شاور/روائي وكاتب من فلسطين يقيم في الأردن
صدرت هذه المجموعة القصصية (أعتقد أنني أحب الحكومة) لنصري حجاج، قبل شهرين في رام الله، وهي مجموعته الأولي وكتابه الأول، وتضم ثلاثين قصة تتراوح حجماً بين بضعة أسطر، ونصف صفحة، وبضع صفحات.
كاتبها نشر قصته الأولي (من سرق عمودي الفقري) التي لفتت الانتباه بما فيها من سخرية وطرافة قبل الرحيل عن بيروت، أي قبل أزيد من اثنتين وعشرين سنة، وبهذا فهو قاص مقل.
وكما أنه مقل في كتابة القصة القصيرة فهو مقتصد في أسلوب معالجتها، فجمله مقتضبة، وأجواؤه مكثفة، وحواراته مفعمة بالسخرية، وهذا راجع إلى أن (أبطاله) يتميزون بشفافية وإحساس مرهف، وغضب المقهور، ورفض النظيف لما يحيط به من وساخة، واحتقار طاهر اليد للصوص.
هذه القصص فيها رؤية مثقف يعيش (الحالة) الفلسطينية، ابن مخيم بقي وفياً للناس البسطاء الطيبين المضحين ـ القاص من مخيم عين الحلوة جار مدينة صيدا اللبنانية العريقة، حيث عاش الفنان الكبير ناجي العلي.. وطبعاً عرفه شخصياً وتأثر به وإن كانت الكلمة هي أداة نصري التعبيرية ـ ومن أسرته سقط شهداء: شقيقه، وزوج شقيقته.. ناهيك عن جيرانه وأصدقاء طفولته، وهو قد بقي وفياً لذكراهم، ولذا نجده يسخر ممن يستغلون دماءهم ويحولونها إلى تجارة.
لا عجب أن يكون المدخل إلى قصص نصري حجاج هو قول الصوفي العربي الربيع بن خثيم: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد.
الموت في حياة الفلسطيني بات ملازماً لصحوه ويقظته، لحله ورحيله، لنهاره وليله. في نشرات الأخبار ثمة باستمرار موت فلسطيني. وفي مكالمات الفلسطينيين للاطمئنان على بعضهم أنباء عن موت الأحبة. وعلى الجدران في المخيمات ـ بعد أن منعت المدن العربية نشر صور الشهداء الفلسطينيين انسجاماً مع حقبة محاربة الإرهاب، وعدم إغضاب أمريكا ـ صور شهيدات وشهداء، أي موت فلسطيني في الداخل تحت الاحتلال وفي المنافي.
ربما يكون مفتاح باب الدخول إلى عالم نصري حجاج القصصي، وولوج عالمه النفسي هو تأمل هذا الإهداء: أهدي هذا الكتاب إلى نصري حجاج عله يتوقف عن ملاحقتي.
ترى هل كف نصري حجاج عن ملاحقة نصري حجاج بعد إهدائه هذا الكتاب؟!.
لا أحسب ذلك، لأن نصري حجاج الفلسطيني المسكون بكل ما كتبه نصري حجاج الكاتب الفلسطيني لا فكاك له من هذا الجحيم الحياتي الذي لا يترصده ويحيق به وحده.
بدأت رحلة بطل نصري حجاج القصصية عندما كنا في بيروت، فقد عاني (بطله) من آلام مبرحة في الظهر، وعندما ظهرت نتيجة التصوير الإشعاعي للعمود الفقري أخبره الطبيب أن عموده الفقري ليس له، وأن هناك من سرق عموده الفقري وأعطاه عموده الفقري العجوز، وأنه لا شفاء له ولا نجاة من هذه الورطة. يكتشف بطل القصة التي تحمل عنواناً لها (من سرق عمودي الفقري؟) أن الرفيق مسؤول الإعلام المتصابي الذي يصبغ شعره، ويشذب شاربه، ويتأنق في ملبسه يغوي الفتيات الصغيرات، ويتزوج إحداهن، وأنه (سرق) عموده الفقري بغرض استعماله الخاص في معاركه الجنسية.
الشخصي والعام يتداخلان في قصص هذه المجموعة، فالبطل الشاهد السارد قد يحيلنا إلى الكاتب نصري حجاج، ولكننا مع ذلك قد نجد أنفسنا في هذه القصص التي لفرط واقعيتها تبدو لا معقولة، ولفرط سرياليتها أيضاً تجعلنا نلمس الواقع الفلسطيني لمس اليد، ونراه بالعين، ونتعرف إلى (ناسه) بتفاصيل ملامحهم أحياناً.
بدأ اللامعقول الفلسطيني عندما اقتلع الفلسطينيون من أرضهم وأحل بدلاً منهم من شحنوا من أقاصي الأرض والتاريخ وقالوا بالسلاح والقتل والموت الوحشي: هذه الأرض لنا!.. ومن بعد كرت المسبحة، وتوالت فصول أعجب رواية لا معقولة وسريالية في عصرنا.
قصص هذه المجموعة يصعب أن تلخص، أو تروى بتمام جنونها، ولا معقوليتها، وتداخلها، ومرارتها، فهي قصص بدون مقدمات تسلم إلى أحداث وشخوص. إنها قصص (حالات) تصدم القارئ، وتشده بغرابتها، وسخطها، ورفضها، وسخريتها، قصص (أجواء)، حتى أنها تبدو أحياناً اجتزاءات من حكايات طويلة كثفها القاص وترك لمخيلة القارئ أن تجيش ببعض ما تختزن من حكايات ثاوية في ذاكرته، فهي تحرض على التذكر.
تبدو القصص أحياناً وكأنها قصائد نثرية. أحياناً يمزج القاص بين القصيدة والقصة، وبين القصيدة والقصة وشائج وصلات، فالبناء، واللحظة، والإدهاش، وشحنة التأثير هي بعض هذه المميزات والتقاطعات.
يلجأ القاص في بعض القصص إلى التجزئة والتفتيت والتقطيع ويترك للقارئ أن يلم هذا النثار ويتفاعل معه. ثمة خيط سري (يلضم) هذه الفوضى، وهذا العالم المتشظي ويجمع أجزاءه كما في لعبة (الجيغزو) ، وهذا واضح تماماً في قصة (كان صديقي.. وصار صديق الجيران) على سبيل المثال.
سريالية القصص ليست (فانتازيات) مفتعلة، إنها كما أسلفت نابعة من واقع مجنون، ومن تجارب مروعة، ومن موت لا معقول:
أخذني بعض الرجال الذين برزوا فجأةً من بين الأزقة ووضعوني في حفرة على باب المخيم ثم أهالوا تراباً كثيراً فوقي (ص 12 كان صديقي).
في قصة (برتقالة جائعة) الشديدة التكثيف، والتي تقل عن نصف صفحة، ثمة شهيد تأكله برتقالة جائعة، وحفل تأبين، وقائد يخطب على روح الشهيد (البطل) وفي نهاية خطبته يشرب كوب عصير تلك البرتقالة!...
هذه واحدة من القصص التي تدين القيادات التي تتاجر بالشهداء، وتضحيات شعبنا، والتي تسرق الأعمدة الفقرية من أبناء وبنات شعبنا وتحني هاماتهم، وتحول الحياة إلى كوابيس ولا معقول، وكأنما لا يكفينا ما يقترفه العدو!.
في هكذا قصص لا بد أن يستحضر القاص (فرانز كافكا)، كما في قصته (أغنية السيد عباس الأخيرة) وهي قصة طافحة بالألم والشعور بالوحشة، لا يغيب عن (روح) بطلها ذكر الموت، والزمان غير محدد، فالزمان والمكان في حياة الفلسطيني يختلطان، ويبهتان، وهما بلا حضور محدد، وفي هذا عبرة فالفلسطيني يخوض معركة استعادة المكان والعيش في الزمان كباقي البشر، فالزمان لا يكون بغير مكان وبشر فيه، والمكان لا يمكن أن يوجد بدون زمان بادي التأثير والفعل.
في المجموعة أربع قصص عن (عوض الصالح)، كل قصة مستقلة بذاتها، وكلها معاً تعرفنا أكثر وأعمق بعوض الصالح. الجو العام وغرابة السرد تحدث الرهبة:
كان عوض الصالح معلقاً في عينيها. تقدمت المرأة نحوه ثم دفعت بثديها إليه فتناوله وغابت وسط الزحام. أخذ عوض الصالح الثدي ورجع إلى بيته. اقتلع القرنفلة الوحيدة المزروعة في صفيحة التنك وزرع مكانها الثدي. في الصباح استيقظ ليجد شجرة أثداء وحولها مجموعة من الأطفال وقد أمسك كل منهم بثدي وراح يرضع بشهية فائقة. (عوض الصالح يضرب بالنار ليقتل الشيطان ص 19).
كانت السماء داخلة في خراطيم الفيلة الملتفة على أجساد نساء بلا رؤوس، معلقة بأقدام خفافيش وهمية تجري وراء سلاحف من طين ولا تمسك بها...
كان عوض الصالح نائماً حين كان هناك خارج الصدفة بحر يلهث، وهو يجري أمام بحر آخر يحاول دق عنقه. لم يجد البحر اللاهث مخبأ غير ذلك الرجل الذي ينام لأول مرة منذ ربع قرن، فدخل قدميه واسترخى في داخله فرحاً بنجاته من المقصلة. (عوض الصالح نافورة ماء ص 21).
دخلت المرأة من أذن عوض الصالح اليمني وراحت تسبح في البحر الذي استوطن داخله. كان الملح في المياه هو الدواء الوحيد لوقف النزيف وترميم الجسد الممزق. (عوض الصالح نافورة ماء 22).
لم يكن عوض الصالح ليستسلم يوماً لشيء، لكنه مرةً حين كان لا يزال يلعب في الحارة بسرواله الداخلي المصنوع من كيس الطحين المقدم معونة من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية للاجئين الفلسطينيين رأى طفلةً تلعب بكرة مصنوعة من القماش نفسه، ومنذ ذلك الوقت صارت الكرة لا تهدأ عن التلاطم في رأسه الذي يربكه. (عوض الصالح يكره النصائح التي تتعلق بعواطفه ص 27).
في قصة (موعد أمام المقبرة) ينتهي الحب بالقتل المدبر، الموت المترصد القدري الذي لا فكاك منه. العاشقان اتفقا على اللقاء أمام المقبرة. كل واحد منهما يحب الآخر حباً لا مهرب منه ـ كما لو أنه الموت ـ وكل واحد منهما يتساءل عن سر هذا الموعد أمام المقبرة، ثم تنتهي القصة بهما في قبرين و.. طلقتين لا يعرف مصدرهما، ولكننا نكون على يقين بأنهما قتلا عمداً وبحكم مبرم مسبق!.
خرج رجل من المقبرة يحمل معولاً ما زالت في نصله بقايا تراب رطب، وخاطب الرجل والمرأة:
ـ القبران جاهزان...
ثم انطلقت رصاصة وأعقبتها رصاصة أخرى.
قصة (أعتقد أنني أحب الحكومة) تصور عنف الحياة المعاصرة في بلاد العرب. الحدث يقع في مكان ما من بلاد العرب، والتعميم هنا يخدم الهدف ولا يهرب من التحديد والقصد. مواطن يذبح أبناء وبناته وزوجته ويحشو جثثهم جميعاً في عربة بيع الخضار ـ هو مواطن فقير إذاً في بلاد الفساد والنهب والتنكيل ـ ويمضي بالعربة إلى مبنى وزارة الداخلية في ذلك البلد العربي، تلاحقه الكلاب والذباب والحشرات وكلها تلعق الدم الذي يسيل من العربة على إسفلت الشارع راسماً خطاً أحمر، وهو ما يجذب ألوف المواطنين الذين يبدون مستثارين ومبتهجين بما يحدث، ومن بعد يصل والموكب الفوضوي الوحشي إلى مبنى وزارة الداخلية حيث يفرش بساط أبيض طويل يمر عليه (المواطن) الذي ذبح كل أفراد أسرته، ويتحول لون البساط الأبيض من دم الجثث النازف إلى اللون الأحمر. يطل رئيس البلاد من على شرفة وزارة الداخلية ويلقي كلمة في حشد المواطنين معلناً أن هذا هو المواطن النموذجي الذي شعر بالمسؤولية، وبالأعباء التي تتكلفها الدولة عندما تشتري بالعملة الصعبة الأوراق التي تطبع عليها جوازات السفر، قد وفر بفعلته الكثير على ميزانية الدولة، ولذا تقرر إقامة تمثال له ليكون نبراساً وقدوة، وهنا ينقض المواطنون بسعادة على أطفالهم ويعملون في أعناقهم جزاً وذبحاً...
قصة غير واقعية سيقول بعض القراء، ولكن أليس هذا هو الواقع إذا ما فكرنا قليلاً في حياة الإنسان العربي وعلاقته بسلطات بلاده، وبحقوقه المستباحة كمواطن؟ الواقعية ليست نسخاً فوتوغرافياً، إنها التوغل في الواقع وتقديمه بفن قادر على تصوير بشاعته، لا بملامحه الخارجية، ولكن بخفاياه وعلاقاته المدمرة لإنسانية الإنسان.
الرسالة المستنسخة قصة السخرية من (المناصبيين)، وهم أولئك الذين تعربشوا بقطار الثورة وربحوا المال والمنصب وتشدقوا بالثورة والنضال والجماهير.
يجد صاحب الرسالة المستنسخة أن الوقت قد حان لفضحهم تحديداً بعد (أوسلو)، ونشوء ما سمي بالسلطة الفلسطينية، والانقضاض على المناصب والوجاهة وبخاصة من بعض الكتاب والمثقفين.
في هذه القصة هناك عدة مقاطع تبدأ بـ (إهداء ضروري) أشبه ما يكون (بالبرولوج) في العرض المسرحي بغرض التهيئة والتمهيد.
إهداء ضروري:
إلى دانيال ايفانوفتش يوفاتشيف الكاتب الذي اعتقل بلا سبب، وتم نسيانه فأكلته الجرذان في زنزانته عام 1942 في روسيا الستالينية. أشكره لأنه سمح لي في وصيته التي كشفت بعد أكثر من نصف قرن أن استنسخ هذه الرسالة من رسالة بعث بها إلى صديقه الحميم نيكاندر أندريفيتش.
بعد هذا الإهداء الضروري التمهيدي ينتقل بنا صاحب الرسالة إلى (وقفة على الأطلال ضرورية)، ثم إلى صلب موضوع الرسالة وعنوانه: (صديقي الحميم الوكيل الأول) والتي بعث بها من بقي في تونس إلى (صديقه) الذي صار (وكيل وزير):
أنا سعيد جداً لأنك عينت وكيلاً أول وليس وكيلاً مساعداً بعد عودتك إلى أرض الوطن.. فعندما يعين المناضل وكيلاً أول وليس وكيلاً مساعداً للوزارة التي يعشق فهذا يعني أنه حقق ما كان يحلم بتحقيقه منذ انخراطه في النضال.
البارحة تسلمت رسالتك وفكرت على الفور أنها رسالة من فلسطين، ثم بعد ذلك فكرت إنها من "اسرائيل"، ولكنني فتحتها ووجدت أنها من فلسطين.
لقد أحسنت في الكتابة إلي.. في البداية لم تكتب، ثم فجأة كتبت رغم أنك قبل توقفك عن الكتابة لفترة طويلة كنت متعوداً أن تكتب.
في تلك اللحظة التي تسلمت رسالتك، في تلك اللحظة نفسها قررت أنها رسالة من فلسطين، وبالتالي فرحت لأنك عينت وكيلاً أول وليس وكيلاً مساعداً. يجب أن تصير وكيلاً أول وليس وكيلاً مساعداً مهما بلغت التكاليف كما يقال، لذلك أنا سعيد لأنك عينت وكيلاً أول وليس وكيلاً مساعداً وللوزارة نفسها التي رغبت أن تكون وكيلها الأول وليس وكيلها المساعد...
يلعب صاحب (الرسالة) بالكلام الساخر: أتعرف! إنه لشيء عظيم أن يكون المرء وكيلاً أول وليس وكيلاً مساعداً وللوزارة التي يعشق..
إنه يمعن في السخرية من أولئك الذين تصارعوا على المناصب بينما الوطن يضيع، والشعب يذبح، والقضية تخسر، وبخاصة من قدموا أنفسهم كمثقفين ثوريين، ومناضلين مبدأيين!.
بهذه القصة تختتم المجموعة القصصية الأولى لنصري حجاج، وبهذه الفقرة تنتهي القصة مدينةً مرحلة السقوط والابتذال:
لقد أحسنت في نضالاتك العنيدة في العقود الأخيرة، وهو ما مكنك بعد تحرير الوطن من أن تصير وكيلاً أول وليس وكيلاً مساعداً.
هذه الرسالة الساخرة لا تخص وكيلاً مساعداً بعينه، ولا وزيراً محدداً، ولكنها تشمل تلك الشريحة من الذين يتعاملون مع مرحلة السلطة الفلسطينية على أنها (جمعة مشمشية) وهو ما يدفعهم لنتش ونهش كل ما يستطيعون قبل زوال النعم، أو مجيء وقت الحساب الذي لا رحمة فيه لكل من باع وسرق وتواطأ.
في هذه المجموعة نفس نقدي حاد جريء أحسب أنه لا بد أن يحظى بالتقدير، لأن دور المبدع الفلسطيني بالأساس نقدي ورافض ومقاوم لكل أشكال الاستلاب، وليس التبخير لمن أوصلوا شعبنا إلى الهاوية وتحميل الظروف والأعداء وحدهم مسؤولية الخراب والفساد وضياع القيم وتغييب الأخلاق.
هذه المجموعة القصصية تضيف جديداً للقصة القصيرة الفلسطينية الغنية بعطاءات مبدعيها الذين أسهموا في تطوير فن القص العربي منذ نجاتي صدقي، مروراً بسميرة عزام وغسان كنفاني، وجيلنا، والجيل الذي جاء بعدنا في رحلة العطاء...
"أعتقد أنني أحب الحكومة" مجموعة قصص صدرت في رام الله عن منشورات المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي العام 2004.