في ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952

الناصرية الحاضرة الغائبة

يوسف الأسعـد/كاتب وباحث عربي - دمشق

لا يسع المتتبع للأحداث التي يمر بها الوطن العربي، ولا يزال منذ بداية خمسينات القرن المنصرم إلا الإقرار بأن الثورة الناصرية التي تفجرت في مصر 1952 شكلت محطة كبرى، ومنعطفاً أصيلاً في تاريخ الأمة العربية الحديث ودول آسيا وإفريقية وأمريكية اللاتينية التي كانت تسعى إلى حريتها ونيل استقلالها، ولا ريب أن الحديث عن هذه الثورة يتسم بكونه حديثاً عن المحور الرئيس لتاريخنا العربي، الذي تمحورت حوله الأحداث والتطورات، حيث لا تزال مبادئ تلك الثورة تتجسد في صورة الأمل والطموح لتحقيق المشروع النهضوي القومي، وتشكيل الأسس الموضوعية للانتقال بالأمة العربية من واقع التجزئة والضياع، والهوان الرسمي العربي إلى موقع إعادة تجديد النهوض القومي العربي، الذي يحقق الوحدة العربية، والتنمية الشاملة، وتوليد مقومات التحرر والسيادة.

بقاء الناصرية وصمودها أمام كل التحديات التي واجهتها منذ وفات زعيمها جمال عبد الناصر بدءاً من التخلي عن كل منجزات الثورة مروراً باتفاق كامب ديفيد، وليس انتهاء برفرفة العلم الصهيوني في سماء القاهرة لدليل أكيد على أن هذه الثورة أصيلة وتتمثل أصالتها بشمولها لتغيرات جذرية في المفاهيم السياسية والاجتماعية و الاقتصادية، وامتدادها إلى الجماهير العربية لتستوعب حركتها، وتخلق علاقة من الارتباط الفكري بها، إضافة إلى كونها رافداً ثورياً لحركات التحرر العربية والعالمية. من هنا نستطيع القول إن عوامل استمرار الثورة الناصرية عصية على الإبعاد أو التشكيك في بقائها ومدها للجماهير العربية بكل معاني ومتطلبات الثبات والصمود.

يذهب كثير من المحللين والمؤرخين والمنصفين في قراءة تاريخ الثورات إلى الجزم بأن الثورة الناصرية التي تفجرت في الثالث والعشرين من يوليو 1952 لا تزال ملهماً لجماهير الأمة العربية، لأنها ولدت من رحم هذه الجماهير، تفاعلت معها، أخذت منها وأعطتها، علمتها وتعلمت منها، وفي كل مراحلها، في هزائمها وانتصاراتها كانت تجعل من هذه الجماهير الحكم الأول والأخير.

لذلك نقول إن الثورة الناصرية قد صدقت جماهير أمتها حين تعاملت مع قضية فلسطين تعاملاً عقلانياً، واعتبرتها قضيتها الأولى، وصدقت الثورة جماهير أمتها حين قررت أن الموضوع الفلسطيني لا يمكن أن يفهم إلا بفهم العلاقة الجدلية بين الأطماع الصهيونية الإمبريالية، وحركة القومية العربية الناشئة والمتطلعة إلى التغيير والقضاء على الثالوث المريع " التخلف، التجزئة، التبعية "، وكان هذا التوجه الناصري يعني على المستوى الموضوعي حسم قضية الصراع العربي الصهيوني حسماً نهائياً لا تردد فيه ولا تراجع، لأن هذا الصراع صراع تاريخي لن ينتهي، ولن يحسم إلا باستسلام أحد طرفيه، طرف عربي يناضل من أجل تحرير أرضه، وتجسيد هويته القومية، وطرف صهيوني يسعى لبناء وطن مزعوم يجمع فيه أشتاتاً من جميع أصقاع العالم على جزء من الأرض العربية، وهو طرف عدواني يستخدم استراتيجية عدوانية تستند إلى خط أساس يعتمد التوسع والقضم ليس للأرض الفلسطينية فقط وإنما للأرض العربية كلها إن استطاع ذلك. هذا الطرف الصهيوني تدعمه قوى الإمبريالية بكل ما تملك ليظل مخلب سم في الجسد العربي.

من هنا نلمس النضوج الفكري والوضوح السياسي المبكر للثورة الناصرية، وقد ترجمت نضوجها الفكري هذا في معارك الاستقلال الوطني التي تتابعت عبر نمو عضوي من جلاء القوات الإنكليزية إلى تأميم قناة السويس إلى العدوان الثلاثي إلى جريمة الانفصال 1961، إلى كل المؤامرات والأحلاف التي كانت تقودها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" والمتعاونون معهما لتحجيم الثورة وعزلها ضمن حدودها الجغرافية، ولكن المد الناصري كان يخترق كل هذه الحواجز ويصل إلى كل عربي في المغرب أو المشرق في آسيا وأفريقية وكل دول العالم الساعية للتحرير ومن خلال هذه المعارك كان عصر النهضة العربي يتكامل بعوامله السياسية والاجتماعية لتشكل هذه العوامل فيما بينها علاقات موضوعية تاريخية قابلة للعقلنة التي يمكن بدورها أن تؤدي إلى بناء أسس عقيدة تعيد الصلة بين العقل والواقع وتقدم للإنسان العربي المكافح قانوناً موضوعياً يبرر كفاحه ويفتح له سبلاً واقعية نحو تفاؤلية بمسيرة التاريخ المتقدمة على وتيرة تراكم الإنجازات الإيجابية.

أما علاقة العرب بالولايات المتحدة الأمريكية فإنها محكومة – كما ترى الناصرية – ببعض الرؤى التالية :

أولاً: اعتماد الصهيونية على الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية اعتماداً كلياً سواء في المعونات الاقتصادية، أو التسليح، أو مساندتها في المحافل الدولية، وإضعاف أو ضرب أي قوة عربية تفكر بالتصدي للصهيونية

ثانياً: خدمة للصهيونية تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى إدخال المنطقة العربية في أحلاف استعمارية الهدف منها إضعاف قوة العرب، وجر مصر للصلح مع الصهاينة وبذلك تفقد حركة الثورة العربية قاعدتها القومية، ويسهل التسلل إلى العواصم العربية الأخرى.

ثالثاً: تتركز أهداف السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي نحو إهمال القضية الفلسطينية على أساس الأمر الواقع، وضرورة اعتراف الأنظمة العربية بالكيان الصهيوني بغض النظر عن إيجاد حل سياسي يعترف بشعب فلسطين، وحقوق هذا الشعب. وفي هذا السبيل حاولت الولايات المتحدة الأمريكية تشجيع بعض الأنظمة العربية على إجراء اتصالات سرية مع "إسرائيل" مقابل ضمان الولايات المتحدة لتحجيم دور عبد الناصر في المنطقة العربية.

رابعاً: إن أي تفكير باختراق السياسة الأمريكية ومحاولة جرها إلى الاعتدال في رؤيتها المنحازة للموقف الصهيوني هي سياسة ساذجة وغير مبنية على أية قراءة موضوعية للعلاقة الجدلية بين الإمبريالية والصهيونية.

حاربت الولايات المتحدة الأمريكية المد الناصري سواء في مصر أو في الوطن العربي على اعتبار أن عبد الناصر لا يرغب في السلام، ويهدد أمن أصدقاء أمريكة في "الشرق الأوسط" والمقصود هنا طبعاً هو "إسرائيل" في الدرجة الأولى.

كان عبد الناصر داعية حقيقي للسلام، بل هو المكافح من أجل هذا السلام، لأن السلام عنده فكرة ثورية لابد أن تجد بالنضال الحقيقي طريقها إلى شعوب العالم، وذلك بالتصدي للأسباب والعوامل والقوى الاستعمارية الرافضة للسلام. إن السلام الذي تطرحه الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها "إسرائيل" هو سلام مشوه ومنقوص وقائم على تلبية مصالح المعتدين وتجار الحروب.

ضمن هذه المعطيات التي حسمت لصالح الاستعمار كان لابد من إسقاط الثورة الناصرية وهذا ما تحقق في عدوان 1967 والذي حاولت فيه قوى الردة في المنطقة العربية استغلاله للتنديد بالناصرية وبجمال عبد الناصر شخصياً علماً أن علم الاجتماع والتاريخ يؤكدان أن أي هزيمة تلحق بأمة لا يمكن تحميل مسؤوليتها لقائد أو نظام أو أيدلوجية، لأن الهزيمة وبأبسط تعاريفها هي ترجمة لتراكمات اجتماعية وسياسية واقتصادية وإفراز طبيعي لكل العوامل والمؤثرات التي سبقت تلك الهزيمة.

بعد مرور كل هذه السنين على ثورة 23 يوليو، تأتي الأحداث العربية والإقليمية والدولية لتؤكد صحة الرؤية الناصرية، إن على مستوى النضال القومي العربي من أجل تحقيق دولة العرب الواحدة، وإقامة مجتمع العدل والحرية، أم على مستوى التحديات التي تواجه الأمة، فالعدو الصهيوني، لا يزال يمارس سياسة العنف والقتل والتدمير، ولا يزال يرفض أية مبادرة عربية تصدر عن القمم العربية من أجل السلام، حتى ولو كانت هذه المبادرات لا تحمل إلا الحدود الدنيا من الحقوق العربية، ولا يزال العدو الصهيوني يتجاهل ويستهتر بأي قرار دولي لا يتماشى مع مصالحه وأهدافه العدوانية.

لقد نبهت الناصرية وحذرت من المصير الفاجع الذي ينتظر الأمة العربية إن هي تراجعت عن مبادئها، أو سمحت للأعداء بشق صفوفها، أو شل إرادتها، فالعدو الصهيوني لا يمكن أن يؤمن بالسلام، أو يسعى من أجله، لأنه قائم أساسا على العدوان وانتهاز الفرص لقضم مزيد من الأراضي العربية وكل محاولة للالتفاف على الموقف الأمريكي أو محاولة ثنيه عن مساندة "إسرائيل" هو ضرب من الخيال، وتعمية سياسية تهدف إلى تخدير العرب وجرهم إلى مواقع التنازل عن حقوقهم ومستقبل أجيالهم، وفي هذا المجال نحب أن نذكر أنه حين انتهت حرب الخليج الثانية التي دمرت العراق، خاطب شوارسكروفت قائد الجيش الأمريكي "الإسرائيليين" في تل أبيب قائلاً لهم "لقد خضنا الحرب من أجلكم، ويجب ألا تنسوا ذلك"!.

إن مقارنة بسيطة بين ما كانت علية الأمة العربية أثناء المد الناصري وبعده، تعطينا فكرة واضحة وجلية عن مدى الخسارة التي لحقت بالأمة العربية بعد تعطيل وضرب هذا المشروع القومي الذي كان يصد عن الأمة الكثير من التحديات والمؤامرات من خلال تبنيه لنظرية الأمن القومي العربي المتكامل:

أولاً: خرجت مصر من الصف العربي بعد توقيع اتفاق كامب ديفد بين "إسرائيل" والنظام المصري 1978.

ثانياً: عجزت الدول القطرية العربية عن حماية استقلالها الوطني، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية والشعبية.

ثالثاً: ضرب المشروع القومي النهضوي وتكرست التجزئة العربية بحيث أصبح الحديث عن الوحدة العربية ضرب من الوهم.

رابعاً: نشبت حروب أهلية، في لبنان 1982 وفي السودان 1983، وخلافات حدودية بين مصر وليبيا، المغرب والجزائر، قطر والبحرين.

خامساً: تقاطرت بعض الأنظمة العربية إلى الاعتراف بـ"إسرائيل" ورفع العلم الصهيوني في عواصمها، أو إقامة مكاتب في عواصم أخرى تحت مسميات مختلفة.

سادساً: احتضان بعض الأنظمة العربية للجيوش الأمريكية التي شنت هجمات جوية وصاروخية على العراق الشقيق وقتلت الآلاف من أبنائه وفرضت عليه الحصار وحاولت تقسيمه وتجزئته إلى شمال وجنوب ووسط، ثم أُحتِل العراق كاملاً في التاسع من نيسان 2003.

سابعاً: إن القتل والتدمير الذي تواجهه جماهير الأمة العربية في فلسطين والعراق جزء من حالة التردي التي أصابت الأمة العربية بعد تغييب المد الناصري، وهو المأزق الذي كان له فضل تعرية الواقع والأنظمة القطرية، وإن حالة الغيبوبة التي تخيم على الواقع العربي تجد تفسيرها في غياب الإستراتيجية العربية الموحدة – التي ناضلت الناصرية من أجلها – لمواجهة التحدي الصهيوني الأمريكي.

ويبقى السؤال: هل انتهت الناصرية، وتبخرت مبادئها، وأصبح نضالها شيئاً من التاريخ، بعد حركات الردة والثورات المضادة، وتدجين الإنسان العربي للمشروع الصهيوني الأمريكي؟

وفي الإجابة نقول: يكاد هذا الطرح أن يكون صحيحاً بالنظر إلى ما آلت الأمة العربية، واختلاف موازين القوى على المستوى الإقليمي والدولي، وفي ضوء اختلال المنطق العقلاني الذي يحرك الأحداث في ظل هيمنة القطب الواحد على العالم.

ولكن الأحداث التاريخية لا يمكن أن تخضع لقوة مطلقة ولا لأوهام مسبقة، ولا لتنبؤات خيالية تصنعها القوة العمياء والاستهتار بالشعوب الأخرى ولنا من الإمبراطوريات الكبرى التي عبرت التاريخ أدلة واضحة على ما نذهب إليه. التاريخ عرضة للتغيرات المفاجئة والمستجدات الغير متوقعة وذلك ما تحتمه إرادة الشعوب التي ترفض التسليم بالواقع، وتناضل من أجل تغيير الموازين، وتجديد المنطلقات والرؤى التي تصنع المستقبل.

وللتدليل على ما نذهب إليه فإننا نترك الجواب لأبطال حزب الله في جنوب لبنان الذين هزموا إمبراطورية صهيون وهي في أوج قوتها، ولأبطال المقاومة في فلسطين والعراق الذين يصنعون من دمائهم تاريخاً جديداً لأمة ترفض أن تموت.

في خِضم الواقع العربي هذا تستحضر جماهير الأمة العربية مبادئ الثورة الناصرية، تستذكر تلك الانطلاقة القومية التي أضاءت أحلام وعقول وقلوب الملايين على امتداد الوطن العربي، وزودتها بمقومات الصمود والإيمان والثقة. وفي هذا الاستحضار المشروع بداية لنهضة عربية شاملة تأخذ العبر والدروس من الماضي وتنطلق نحو المستقبل وهي مزودة بالثقة والعزم والإيمان.