هذه المبادرة القومية!!..

نواف أبو الهيجاء

أطلقت تسعة أحزاب أردنية، ومعها عدد من الشخصيات النيابية والنقابية والقومية مبادرة تشكيل السياج الشعبي العربي للدفاع عن سوريا وبلدان المواجهة العربية وفي السياق الذي تم الإعلان خلاله عن هذه المبادرة إنها استجابة لنداء ومبادرة من جمعية اقتصاديي العالم الثالث. وأعلن أن هذا السياج مفتوح على مصراعيه لكل القوى والشخصيات والهيئات والأحزاب والحركات العربية، دفاعاً عن العرب في مواجهة الهجمة الصهيو - أمريكية المتمثلة في احتلال العراق، وعملية إبادة الشعب الفلسطيني، والتهديد المعلن لسوريا، وإصدار قانون "معاقبة سوريا".

ويؤكد رواد السياج العربي الشعبي إن الهجمة الصهيونية - الأمريكية تتعمد استفراد الأقطار العربية، لذا فإن تشكيل السياح العربي الشعبي يعد بمثابة خطوة لمنع حالة الانفراد والاستفراد، ولكي يكون الرد على الهجمة الأمريكية - الصهيونية على مستوى قومي، ذلك أن العرب كلهم مستهدفون.

ويبدو جليا أن هناك اتجاها لتشكيل هيئة أو هيئات قانونية مهمتها تفنيد "قانون محاسبة سوريا" والتأكيد على لا شرعيته ولا قانونيته.

وإذا كان المراقب العربي يشعر بشيء من الارتياح لهذا التحرك الشعبي، فإنه في الوقت عينه يتذكر أن هناك عدداً كبيراً من الهيئات والجهات التي أعلنت عن قيامها، إن كان ذلك لمواجهة التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو لمواجهة العولمة - كونها محاولة لأمركة العالم، ومسخ الهويات الوطنية والقومية للشعوب عامة، وللعرب والمسلمين بشكل خاص.

كما أن هناك عدداً من المؤتمرات القومية والشعبية العربية، انعقدت في عواصم عربية عدة، منها بغداد قبل الاحتلال، ومنها بيروت، ومنها القاهرة والاسكندرية وتشكلت لجان لدعم المقاومة ونصرة شعبنا في فلسطين - ولجان لدعم العراق، إلى آخره من المؤتمرات والمبادرات التي سبق أن حفلت بها الساحة العربية خلال العقدين الماضيين، والمؤلم إن هذه المؤسسات الشعبية لم تكن على قدر المواجهة وعلى مستوى التحديات، كانت مجرد حركة مياه ساكنة ما تلبث أن تخمد.. مع أن المساحة التي تمتلكها المنظمات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني العربية واسعة جداً، وبمقدور حركة فعلية أن تحرك الساكن والجامد في الشارع العربي عموماً، بل أكاد أجزم أن هذا الهدوء المخيم على الشارع العربي إنما يعود في جزء مهم منه إلى خيبة جماهيرية عربية شاملة نتيجة إحباط كل أمل من آمال الأمة تبنته القوى والهيئات والمنظمات والنقابات والاتحادات والشخصيات العربية على ربع قرن من الزمان في الحد الأدنى.

نحن هنا لا نريد تثبيط الهمم، ولا نسعى إلى بث روح القنوط والاستسلام، بل إننا نأمل ونرجو أن تنهض كل القوى والأحزاب والمنظمات والهيئات الشعبية العربية وعلى امتداد الوطن العربي كله بمسؤولياتها حيال أمنها ومستقبلها ابتداء من تطويق الهجمة الصهيو - أمريكية الموجهة ضدها جميعاً.

إن المسؤولية الوطنية والقومية تحتم الدفاع عن النفس، ومعركة الدفاع عن النفس مشروعة في ظل إشهار الأعداء كافة أسلحتهم وتوجهاتهم وأهدافهم الخبيثة والمبيتة ضد العرب والمسلمين.. فليس هناك أي مسؤول من مسؤولي قوى الاحتلال الصهيو - أمريكي يخفي أهداف هذه الهجمة.. بل إن احتلال العراق قد يكون المقدمة المرسومة لتوسيع الهجمة حتى تشمل سوريا ولبنان، ولا تكون بعيدة عن السعودية وحتى مصر وغيرها من أقطارنا العربية، ونشير هنا إلى الدور الأمريكي التحريضي ضد السودان مع ما قدمه السودان من تنازلات وجهود للحفاظ على وحدة ترابه الوطني وبصرف النظر عما يدبر ويجري في غرب السودان فإن التهديدات الأمريكية المعلنة تمس وحدة دولة عربية.. تماماً كما أن التهديدات الموجهة ضد سوريا ولبنان جدية، وقانون "معاقبة" أو "محاسبة سوريا" إنما هي الخطوات المرسومة في مسلسل قهر وإذلال أمة العرب واستباحتها ونهب ثرواتها ومنع نهوضها ووحدتها وحجب دورها القيادي في السياق الإنساني كله، كأمة رسالات ومحبة وعدالة وسلام.

إننا نؤكد أن (السياج) مبادرة تتوج جهود القوى الشعبية الأردنية، ولكن السياج يظل عرضة لكل أذى، أو خرق ما لم يكن محصناً وأميناً وشاملا.. بمعنى أن يتعدى "السياج" نطاق الخطب والمؤتمرات العامة والصحفية، إلى فعل ملموس يسهم عملية في رد شيء من الاعتبار إلى الجماهير التي تقف متفرجة حتى الآن مع أنها هي المستهدفة أولا وأخيراً، وهي بالتالي مسؤولة عن معركة الدفاع عن النفس بمشروعية لا يستطيع أن يشكك فيها وفي قانونيتها ووجوبها أحد.

لذا نتوجه إلى المبادرين أن يوسعوا الدائرة على الفور، ونتوجه إليهم ألا يكون التحرك محصورا في "رد الفعل" بل المطلوب الانتقال من مرحلة "رد الفعل" إلى مرحلة "الفعل".. ومما لا شك في أمره إن الاستهانة التي يقابل بها مثل هذا الأمر من قبل العدو إنما هي نتيجة تاريخ طويل مع بيانات وإعلانات وهيئات لم تستطع أن تحرك جمهرة بمستوى "حشد" في ملعب رياضي.. لمشاهدة مباراة كروية أو تشنيف الآذان بسماع "خبطات" غنائية على مستوى الفضائيات.