قانون "الحواجز الطيارة"..

نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين يقيم في الأردن

أصدرت "الحكومة العراقية المؤقتة" قانوناً أسمته "الدفاع عن السلامة الوطنية"، إن قراءة متأنية وموضوعية لمواد القانون لا بد ن ينتج عنها جملة من الملاحظات النقدية المعقولة والمنطقية أيضا.

فالقانون المذكور هو إعلان صريح للطوارىء والأحكام العرفية، وباعتراف "وزير العدل العراقي" فإن هذا القانون ينتقص من حقوق الإنسان العراقي، وإن جاء ثمة توكيد على أنه "مؤقت" وهو لا يشمل العراق كله بيد أن نصوص ومواد القانون، بالذات تقول بإمكانية "الحكومة المقبلة" أن تستمر في فرضه، مما يعني انه لن ينتهي العمل به مع بداية شهر كانون الثاني لعام 2005، أي أنه يمكن أن يستمر حتى في ظل "الانتخابات" التي يقال منذ الآن أنها "ديمقراطية".

ومن سياق المواد الواردة في هذا القانون فأن "رئيس الوزراء" صار حاكماً عرفياً مطلقاً للعراق مع أنه أجاز أن "يتعاون" مع "قوات متعددة الجنسيات"، ومع "حكومة شمالي العراق" في محافظات اربيل والسليمانية ودهوك!!

هنا نسجل الاعتراف الوارد في القانون بوجود أكثر من حكومة في العراق حكومة بغداد، حكومة المناطق الكردية - الشمال - مما يعزز الموقف الذي تتبناه القيادات الكردية بضرورة أن ينص الدستور العراقي القادم على أن العراق دولة "فدرالية" بحيث يبقى الباب مفتوحاً لانفصال الشمال في أي وقت تشاء ذلك القيادات الكردية المعروفة والمسيطرة مع القوات الأمريكية وسواها في المحافظات المذكورة.

ليس هذا وحده بيت القصيد، بل أن المشكلة هنا تكمن في إجازة فرض الأحكام العرفية في أي مكان في العراق "ولمدد محددة" - بحجة فرض الأمن.. ولا يستثني القانون بأية حال، مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق، من بنوده، وبالتالي يتساوى أمامه المجرمون والقتلة واللصوص والإرهابيون مع المقاومين الوطنيين الباحثين بالروح وبالدم عن سبل إخراج الجيوش الغازية!، ومع أن قرارات مجلس الأمن الثلاثة الصادرة بشأن العراق - بعد الاحتلال - أقرت أن العراق محتل و"أن مسؤولية أمنه يجب أن يوفرها المحتلون"، إلا أن القانون لم يشر، ولو بكلمة واحدة إلى هذه الحقيقة الصارخة.

أما القانون بحد ذاته فهو يمنح الحكومة، بشخص رئيس وزرائها حرية: فرض القيود على: حرية التجول، وحرية مزاولة المهنة، والانتقال داخل العراق، وفرض القيود على الأموال وعلى حيازة "الأشياء الممنوعة" ووضع الحجز الاحتياطي على أموال "المتهمين" أو من يتعاون معهم، كذلك يتضمن القانون حجز حريات التعبير والاتصالات وفرض قيود على وسائل النقل، البرية والجوية والمائية - والمحال العامة والتجارية والنوادي والجمعيات والنقابات والشركات والمؤسسات والدوائر، مما يعني تقييد حرية التعبير، حرية العمل - التجاري - وتقييد حريات المؤسسات المدنية إضافة إلى ما تتضمنه - عادة - حالات الطوارىء والأحكام العرفية من منع التجوال، والعزل والتطويق وما يتبعها من عمليات مطاردة، وتفتيش وتمشيط للمحلات والمناطق السكنية، إضافة إلى فرض غرامات وحبس على كل من يخالف أياً من محددات واشتراطات القانون.

كما أن وضع جميع القوات بتصرف رئيس مجلس الوزراء، عدا القوات متعددة الجنسيات يعني إطلاق يد "القوات المسلحة، وقوات الطوارىء والقوات الخاصة، والدفاع المدني وقوى الأمن الداخلي، والأجهزة الأمنية والاستخباراتية والمخابراتية" لفرض الأوامر الصادرة من "رئيس الوزراء".. بحيث يصبح "رئيس الوزراء" حاكما مطلق التصرف علاوة على الصلاحيات المطلقة لقوات الاحتلال الأمريكي، وهكذا يمكن القول أن هذا القانون أسس - بالمشروعية التي يكتنفها الغموض المرسوم - لقيادة تبطش في أي مكان، وفي أي زمان، من دون أن يقيدها أي إجراء مناقض، بحيث يُعد القانون مصادرة للحريات جميعها، بما في ذلك حرية الحياة، لأن للحياة أسسها ومتطلباتها اليومية.

والسؤال هو: متى سيتم الاستعانة بـ"القوات المتعددة الجنسيات" أي قوات الاحتلال؟ يقول القانون "في العمليات الواسعة".. والعبارة مطاطية وقابلة لأكثر من تفسير.. وهنا، أيضا، فأن الاستعانة بالقوات الأجنبية محكومة بعدم قدرة كل ما ورد من أجهزة وجيش على التصدي للأعمال الواسعة، ولما كان من المستحيل أن يقوم لصوص، أو قتلة أو حتى "عدة إرهابيين"، بشن "عمليات واسعة" فأن المقصود هنا هو المقاومة العراقية الوطنية المسلحة.. المشروعة والتي من واجبها الدفاع عن استقلال العراق، وعن سيادته وعن وحدته وعن حياة مواطنيه وعن ثرواته، في مواجهة الغزاة المحتلين.

واضح أن هذا القانون، بالتطبيق يذكرنا بما شهدته بعض البلدان - أثناء الفوضى والاضطراب والاقتتال الداخلي - وخاصة التجربة اللبنانية - وذلك بما سمي "الحواجز الطيارة" - وهي حواجز يتم نصبها - في أي وقت ومكان - هدفها "الخطف أو الاغتيال أو الاعتقال، أو التدمير الموجه للممتلكات" و"الحواجز الطيارة" في لبنان (1976-1980) وما بعد ذلك بسنوات لم تكن تستخدم الدبابات والمدفعية، ولم تكن تقوم بفرض منع التجول ولكنها مخيفة جداً وذلك لأنها تنصب بشكل مباغت، القانون الذي سمي بـ"الدفاع عن السلامة الوطنية" وهو نوع آخر من الحواجز الطيارة الجديدة المرعبة التي تصادر كل شيء في (الزمكان) الذي يتم فرضها عليه.

ويقال بعد ذلك أن ما ينتج عن الاحتلال الأجنبي غير مشروع وهو زائل بزوال المسبب.. بيد أن المأساة في العراق أن هذا الإجراء يهدف عمليا إلى أن يتصدى "العراقي أولا" لشقيقه العراقي، ويلعب دور "دريئة" تصد غضب الشعب العراقي على المحتلين الغزاة.