مطاع صفدي/كاتب ومفكر عربي يقيم في باريس
قليلا ما يعير العرب اهتماما جديا ومنظما بالمؤسسات الدولية غير الحكومية والمحايدة سياسيا، فهي تلك المؤسسات المتكاثرة والتي نشأ بعضها على هامش الأمم المتحدة، وراحت تتعدد وتتسع أجهزتها بما يؤهلها إلى ادعاء أنها تمثل المجتمع المدني في مداه العالمي. وفي الوقت عينه يكتسب بعضها أهلية قانونية وسلطة أخلاقية لم يكن مسموحا بها في ظل الأوضاع الدولية السابقة خلال مرحلة انقسام العالم بين كتلتي الشرق والغرب. لكنها وبعد انهيار القطبية الثنائية تنفتح أمامها مساحات شاسعة وحرة نسبيا للتنامي وممارسة فعاليات ذات طابع إنساني وقانوني يؤهلها تدريجيا إلى لعب أدوار حقيقية في تخفيف المظالم البشرية الكبرى. هذا بينما يزداد تسلط القطبية الأحادية على منطق العلاقات الدولية، وتضعف إرادة الأمم المتحدة تحت وطأة "الفيتو" الأمريكي إلى درجة شل المبادرات التصالحية والسلمية لأكبر هيئة عالمية، فإنه يقع على عاتق تلك المنظمات الأخرى، أن تحفظ حدودا دنيا من مظاهر التضامن وفعالياته مع ضحايا الطغيان وعجرفة القوة العمياء الباغية.
نقول هنا ونحن نتطلع بشيء من التفاؤل الحذر إلى قرار المحكمة العليا العالمية بشأن المظلمة الفلسطينية الكبرى المستفحلة مع خطة جدار العزل الأسود وعقابيله الرهيبة المترتبة على مجمل أبعاد الاستقلال ووطنه المفقود الممزق، وما يسمى بإقامة دولته الوطنية، فالقرار وضع عملية الجدار كليا خارج القانون الدولي والمعايير الإنسانية والأخلاقية، وبذلك فهو يتعدى حدود القرار إلى ما يوازي إعلانا عن إدانة لا تستوجب إصلاح ذات البين فحسب بين الخصمين، ولكنها تحث على ما يشبه عقوبة جنائية، ولا بد أن تنصب على الفاعل الذي هو "الدولة الاسرائيلية" عينها بمعنى أن هذه المحكمة العليا لا تعلن مجرد موقف، بل أنها تصدر حكما مبررا قانونيا لا يضيره أن يظل بدون إجراءات تنفيذية. أي إن "الفيتو" الأمريكي يقف له بالمرصاد إذا ما وصل إلى مجلس الأمن تحت صيغة أوامر محددة يطلب من حكومة "اسرائيل" الامتثال لها كأن توقف مثلا بناء الجدار وأن تضطر فيما بعد إلى هدم ما بني منه حتى الآن.
إن قرار المحكمة العليا موجه إلى كافة دول العالم وإلى مختلف أطياف المجتمع المدني الكوني، فهو إذن قرار العالم ضد الجاني الوحيد المعزول، "اسرائيل". ولعل الاختلاف النوعي ما بين قرارات هيئة الأمم وهذه الخاصة بالمؤسسة القانونية العليا، هو تبعية الأولى لأمزجة الدول الصادرة عنها وصراعاتها الفوقية فيما بينها، مما قد يعدلها أو يعطلها أو يسرع بها حسب مستوي الغلبة والنفوذ بين المؤيدين أو المعارضين لها، بينما بالنسبة للثانية تغدو قرارات المحكمة العليا في عهدة المجتمع المدني العالمي، ومن مسؤولية مؤسساته المختلفة، وسوف يتمثل دورها في مدى الضغوط المعنوية والأخلاقية التي عليها أن تمارسها على حكوماتها ودولها، فإن جبروت الجيش الأمريكي عصفت به لا أخلاقياته الناجمة عن فضائح أبو غريب في الوقت الذي لا يمكن لأي جيش آخر في الأرض أن يهزمه!.
إن "اسرائيل" التي لا تزال تستمد دعم وجودها ومظالمها من قبل بعض دول الغرب وخاصة أمريكا راحت تدرك جيدا أن هذا الدعم لم تكن تلقاه من جانب حكومات الغرب إلا بالاستناد كذلك إلى موافقة مجتمعاتها المأخوذة بدعاية المحارق النازية، أما عندما تشرع هذه المجتمعات نفسها، وخاصة في الغرب الأوروبي، في الاعتراض المتزايد على فاشية شارون ومذابحه اليومية، فإنها ولا شك سوف تتبنى وجدانيا قرار المحكمة العليا في شأن الحائط المشؤوم الذي يمثل ذروة العربدة لتلك الفاشية المتحدية لأبسط بدهيات الحقوق الإنسانية في كل شيء. هذا التعاظم الصامت لنوع تلك القوى الأخرى غير المرئية عبر الأجهزة الرسمية هي التي تحرك عادة أعماق التاريخ، وتفرض في المفاصل الدقيقة، تطوراته الانعطافية غير المنتظرة حسب المنطق الآني الانتهازي لسياسة الأمر الواقع اليومي.
إذا سقطت الشرعية الدولية عن حائط الشؤم، وهو بالأصل لم يكن يمتلكها، فسوف يتعرى "الفيتو" الأمريكي من آخر ادعاءاته القانونية، وخاصة منها تلك الحجة الأمنية الواهية التي تزعم أن الحائط قد يحمي الأقوياء المعتدين من غضب الضعفاء الثائرين. ذلك أن الحائط عمليا هو امتداد لمخطط الاستيطان. انه لا يفصل بين الخصمين "الاسرائيلي" والفلسطيني، بقدر ما يغتال ما تبقي من أمكنة الفلسطينيين أنفسهم، ويفصل ما بين المزارع وأرضه، والطالب ومدرسته، والموظف عن مكتبه، والجار عن جاره، فهو يحول بقايا الوطن إلى مجرد شبكة معتقلات لأبنائه، إن ابسط هذه الدلالات وأمثالها تدركها حيثيات القرار الدولي. ولذلك ربطت بين الإدانتين القانونية والإنسانية، فاتهمت بناء الحائط انه يحول الوضع من احتلال أراضي الغير إلى الاستيلاء عليها والعبث بجغرافيتها المادية والبشرية.
لا شك أن المشروع الشاروني أضحى يسابق الزمن في محاولة إنجازه لهدفه المزدوج في سرقة الأرض وتجريد الشعب من ابسط مقوماته الأولية في التمتع بكيان سياسي ـ بعد انهيار السلطة الوطنية وفقدانها لمشروعها التحريري الأصلي، وتفككها الإداري، وسقوط سمعتها العقائدية والأخلاقية في وحول الفساد وشبكياته الزبونية، ذلك إن التصفية الكاملة للوطن والمجتمع والبنيان السياسي وصنوه النضالي والجهادي، لا يبدو أنها قد حققت كامل مهماتها الخارقة تلك، وخلال الفرصة التاريخية النادرة التي نعم بها المشروع الصهيوني في ظل الأمركة الغازية، والمحتلة لعمق المشرق العربي عسكريا استعماريا، والمسؤولية سياسيا في الأقل على إدارة نظام الأنظمة العربية، والإمساك بمختلف مفاتيحه تقريبا هذه الفرصة أمست تعيش أضغاث أحلامها الأخيرة مع فقدان الأمركة الغازية كل يوم وعدا من وعودها البائسة لبناتها واتباعها من واشنطن إلى بغداد وعواصم عربية أخرى، ويمكن القول أن النصر المعنوي الكبير الذي حازته قضية الجدار على أعلى مستوى للعدالة الدولية سوف يضخ طاقة رمزية حياتية لمختلف البنود والأخرى التي تتضمنها أجندة الكفاح الفلسطيني. إنه النصر الذي يضيء أول نجمة في بحر من ظلمات الهزائم والنكبات التي ابتلي بها هذا الكفاح في سنواته الأخيرة وخاصة منها هذه الفترة الراهنة التي رجع فيها الاحتلال إلى معظم المدن الفلسطينية مرتفعا هذه المرة بأحدث برنامج لإرهاب الدولة القائم على مبدأ الغزوات الدائمة للأحياء والبلدات ومطاردة الأهالي وهم في عمق ديارهم، واجتياح المنازل وتجريف المزارع واصطياد القادة واعتقال وجبات من السكان الآمنين كل يوم وليلة.
هكذا ينبلج ضوء العدالة رمزيا على الأقل فوق هذا الإيقاع البائس من صنوف الإرهاب والتعذيب التي نجحت الفاشية "الاسرائيلية" في إدخالها إلى كل حي وبيت فلسطيني، وقد وقف العالم مشلول الإرادة والوعي أمام مشاهدها اليومية، حتى اعتقد الفاشيون بين واشنطن وتل أبيب، أن القوة لا يمكنها أن تقضي على ضحاياها فحسب، بل يمكنها كذلك أن تخرس كل اعتراض على ممارساتها قد يصدر من آية جهة كانت، ولو كانت تلك الجهة التي تضم أحرار العالم جميعا.
عندما قام المثقف المناضل عزمي بشارة بمبادرته الشجاعة معلنا اعتراضه على صمت الضمير الدولي تجاه فضيحة الجدار الأسود، عبر الإضراب عن الطعام، بادئا بنفسه أولا، ومستقبلا تحت خيمته كل من سوف يحتذي به من المؤيدين العرب و"الاسرائيليين" والأجانب، فإنه كان بحسه السليم يفتتح هذه الحقبة الجديدة من مسيرة الكفاح الفلسطيني والعربي، وهي حقبة يمكن وصفها بالتحدي الإنساني لإرهاب الدولة الشوفيني. ومع الأيام الأولى من هذه المسيرة النوعية يجيء قرار المحكمة الدولية العليا تتويجا لأحد معاني هذه اليقظة غير المسبوقة للعدالة المقموعة. ومن فوق أعلى منبر مؤسسي للحق والقانون.. إنها بداية لتلك المقاومة الأخرى التي لم يجربها الكفاح الفلسطيني والعربي من قبل وبما يكفي من التعرف على مدى ما تختزنه من طاقات، صحيح أنها معنوية لكنها مع تراكمها وتنظيمها لا بد في المحصلة من أن تشكل خصما حقيقيا وشبه مادي كذلك لجبروت الطغيان مهما تنوعت وسائله.
وعلى سبيل المثال لن تكون معركة الفيتو الأمريكي القادم ضد أصوات الإجماع الأخرى وحدها، بل ستغدو معركة ضد العدالة الدولية نفسها المجسدة في قرار محكمتها العليا، والداعية إلى إلغاء الجدار والتعويض عن المتضررين من بنائه، وقد يربح "الفيتو" الأمريكي الجولة كالعادة، ويمنع تنفيذ ذلك القرار عن طريق مجلس الأمن. لكنه في هذه الحالة فان "الفيتو" الأمريكي سيضع دولته خارج القانون أمام الملأ العالمي. وقد ترتكب إدارة الرئيس بوش مثل هذه المعصية النكراء، كما كان شأنها دائما، لكنها هذه المرة سوف يكلفها موقفها ذاك خسارة نهائية لاستراتيجية التقارب مع المجتمع الدولي التي تحاول تثبيت معالمها وهي على أبواب انتخابات الرئاسة. فلقد سارع الاتحاد الأوروبي إلى الإعلان عن تأييده الصريح والمطلق لقرار المحكمة العليا. وعندما ينقضه "الفيتو" الأمريكي في مجلس الأمن، فأن الاتحاد هو الذي سوف يجد نفسه ثانية على طرفي نقيض مع إدارة بوش التي تختزل بنفسها استراتيجيتها المتأملة باستعادة التقارب الدولي عن طريق التفاهم أولا مع الاتحاد الأوروبي والتنسيق معه كما تمني بوش عبر تصريحاته منذ لقاءاته الأخيرة مع قادته.
بعد ذلك كله فالمهم هو تسجيل هذا النصر الحقيقي الذي لم تعرف له القضية الفلسطينية مثيلا وقد جاءها تحت وقع تأثيراتها المعنوية في الدرجة الأولى. هذا بالإضافة إلى أن تفنيد العدالة الدولية لمظلمة الجدار الأسود، هو تفنيد كذلك لمختلف المظالم الأخرى المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. هذا في الوقت الذي تعتمد إنجازات الإرهاب "الاسرائيلي" على قوة الأمر الواقع التي يفرضها الجيش البربري على الشعب الأعزل فإن مقاومة الصمود الفلسطيني تفجر أخيرا الجوانب الأخرى من قوة الأمر الواقع عينها، وهي التي تخص قيم الإنسان ومدنيته القادرة في اللحظات التاريخية على انتزاع زمام المبادرة من أيدي الطواغيت العابثة بالمصير الإنساني عامة.
ليس النصر فلسطينيا أو عربيا فحسب. لكنه هو نصر العدالة الدولية نفسها التي أيقظتها من سباتها الطويل مقاومة العادلين في الأرض وكان منهم وفي المقدمة أحرار فلسطين.