كاربنسكي لا ثورية ولا نسوية لكنها شيئاً ما!

د.عادل سمارة/رام الله المحتلة *

وأخيراً تحدثت السيدة كاربنسكي، الجنرال المسؤولة عن سجن أبي غريب خلال مرحلة من الفحش والعسف الجنسيين. ولنلاحظ قبل أي حديث أن مجرد تعيين سيدة لتكون مسؤولة عن معتقل تعذيب مقاتلين عرب إنما هو بقصد الحرب المركَّبة نفسيا وثقافيا حيث يعرف الاحتلال أن هذا يُضعف من المستوى المعنوي لرجل شرقي أن يكون أسيراً لدى امرأة. أما هل ينطبق هذا على كل رجل شرقي، فهنا ليس مكان التحليل.

تحدثت كاربنسكي لتكشف أن محققين "اسرائيليين" كانوا في أحد المعتقلات التي يقبع فيها الأسرى في العراق. صحيح أنها لم تتحدث إلا بعدما أُعفيت من منصبها في أعقاب جرائم التعذيب الإباحي في سجن أبي غريب الذي ليس إلا نموذجا عن سجون سنعرفها لاحقاً بأنها كانت أشد وحشية. لم تتحدث بدافع ثوري ولا إنساني ولا نسوي، وإنما بدافع الدفاع عن نفسها وإحراج خصومها طالما أُعفيت من منصبها. ولكن لا بأس فقد تحدثت. وقد يكون هدفها إحراج المؤسسة الأميركية الحاكمة التي لا تخفي عدائها المطلق وحتى النفس الأخير للعرب، لكن الحرج الحقيقي كان من نصيب الكثيرين من العرب حكاماً ومثقفين وأكاديميين وزاعمي مجتمع مدني وحقوق إنسان ومنظمات غير حكومية وأبطال تطبيع...الخ.

وقد لا يكون الصحيح في موقعنا وموضعنا تقييم ولا تعديل ثقافة وسلوك سيدة وصلت مرتبة جنرال في جيش احتلال وعدوان، فهي من الضالعين في المؤسسة العدوانية الأميركية. ورغم أنها زعمت بأنها لم تكن على علم بفظائع سجن أبي غريب إلا أنها أكدت حصولها، وأحرجت الإدارة الأميركية وكافة توابعها العرب بكشفها عن دور محققين "اسرائيليين" في العراق. لقد قالت ما لا تقوله نساء المجتمع المخملي العربي والنساء النسويات العربيات!

ما أن كشف النقاب عن الفحش والتعذيب الإباحي حتى توالت الشهادات والإثباتات مما يعزز القناعة بأن ما حصل لم يكن نزوات فردية مبعثرة هنا وهناك، بل هو نهج سياسي رسمي من جهة وهو ثقافة شذوذ وحقد على العرب من جهة ثانية. نعم سياسة رسمية، وإلا فما الفرق بين الاستباحة الجنسية بتوجيهات البيت الأبيض وبين استباحة الإدارة الأميركية الحالية لحقوق الشعب الفلسطيني وتقديم تطمينات للكيان الصهيوني بعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين، وما معنى احتلال القطر العراقي واحتلال النفط العربي وليست هذه نهاية المطاف.

لا نهدف من عرض هذه الوقائع الوحشية إثبات عدوانية العدو ولا لومه والتحريض عليه. فحين يشن العدو عدوانه لا يسأل كثيراً عن الإدانة. إن هدفنا هو التحريض ضد العدو الداخلي المحلي في الوطن العربي. ولا يقتصر هذا التحريض على هدف معاقبة عملاء العدو داخل المجتمع العربي، بل أن الهدف الأساسي هو توعية الطبقات الشعبية ولاسيما جيل الغد بحقائق الأمور وبحقوق الأمة وبوجوب تحريرها من الاغتصابين الداخلي والخارجي. إن الهدف هو الاستثمار في المستقبل وليس طحن الماء لما هو قائم ورديء. قد يجوز لنا القول، إن الهدف هو التثقيف والتوعية لإيصال الجيل الشاب إلى كسر الحاجز النفسي بينه وبين من يحتلون مناصب عليا في السياسة أو الثقافة أو يحملون شهادات يستخدمونها في ستر عمالتهم. أن الهدف هو مواجهة قوة السلطة وشرطتها وجلاوزتها بالوعي الطبقي الذي وحده يمكن أن يتحول إلى مشروع ثوري ووحده الذي يغير وليست البكائيات والتشكي هي التي تغير.

في هذا السياق أود التذكير هنا بموقع "إيلاف" الذي كتبت فيه سيدة من السعودية (فاطمة حجازي) قبل بضعة أشهر تتغزل بالاحتلال الأميركي للعراق وتشتم الرجل العربي كما لو كانت تشتم "كلباً" وتفتخر بأن أمريكا جاءت لتحرير العراق من "طقعان وأمثاله"، وتقول حرفياً: "فماذا فعل الأمريكيون في أفغانستان حتى لا ينجحوا في العراق؟ هل اغتصبوا نساءه، كما اغتصب جنود صدام النساء الكويتيات؟! (انظر مقالة د. فاطمة حجازي العراق وأفغانستان بين أمريكا وطالبان في مجلة "كنعان" العدد 115 تشرين أول 2003 ص 26-30). وأود التذكير كذلك بمؤتمر للنساء البرجوازيات العربيات (سيدات المخمل والأكاديميا والنسوية) كان قد عُقد في عمان أيضا قبل بضعة اشهر وجاءت السيدة شيري بلير (زوجة طوني بلير) كي تتأستذ وتستأسد عليهن جميعا.

ماذا فعلت هاتيك النسوة جميعاً بعد الاعتراف الأميركي باغتصاب النساء العربيات في العراق. دعونا نقول أن هاتيك النساء ولاسيما النسويات يكرهن الرجل العربي القمعي وبالتالي هن سعيدات بقتله واغتصابه. ربما، كما كانت ذات مرة الشاعرة فدوى طوقان قد سقطت في نزوة التغزل بالجنرال الصهيوني موشيه ديان واستقبلته في بيتها في نابلس في السنوات الأول لاحتلال 1967، بينما كنا نقبع في سجونه، واحتقرت الرجل العربي وتمنت لو "يُستجلب" لبلادنا رجالاً من فيتنام!

ما الذي يمنع هاتيك النسوة من النزول إلى الشوارع متظاهرات ضد ما جرى في أبي غريب؟ هل هو الخوف من أزواجهن وحكامهن؟ هل هو التشفي بالرجل العربي لأنه أُغتصب ولأن المرأة التي يقمعها ويسيطر عليها ويملك جسدها قد أُغتصبت؟ هل يمنعهن التناقض بين ثقافتهن المتغربنة الرأسمالية اللبرالية وبين انكشاف عُري هذا الغرب؟ لو افترضنا هذا المانع أو ذاك ليكن. ولكن، كيف يمكن للمرأة العربية أن تتخطى سيطرة الرجل، كيف يمكن لها أن تثقف الرجل بغير ما هو عليه، كيف يمكنها أن تساهم في عراق ثوري ديمقراطي إذا لم تخرج على المرحلة وتحديداً على الاحتلال؟

تُرى، هل تخضع النسوية العربية (المخمليات والبرجوازيات والأكاديميات والنسويات) للتمويل الرأسمالي الغربي؟ هل كل هاتيك النسوة (مثل رجالهن) غارقات في التمويل الغربي مما أفرغهن من شحنة الرد والصد سلفاًًً لأن العدو كان يخطط لهذا ولغيره؟

قرأت رسالة موجهة من السيدة (نيفين سمير) من مصر تلعن الرجال العرب لأن نسائهم انتهكت في العراق. ولا أشك في إخلاص وصدق (نيفين سمير)، وأحترم جداًً نخوتها وأتفهم لماذا تقول "أين النخوة العربية!" وقد أرسلت مع هذه العبارات المحدودة سبع صور لاغتصاب النساء العربيات في أبي غريب.

ولكن طريقة عرض (نيفين) للمسألة تنطوي على تشجيع لذكورية الرجل العربي رغم أن مقصدها نقد ذلك الرجل. فهل النخوة هي عند الرجل وحده؟ أليست النخوة موقف إنساني في الدفاع ضد الظلم، أي ظلم! لا بد من نقد الذكورية العربية وكنسها، ولكن كنسها يتطلب أن تتنطح المرأة أيضا للمهام التي احتكرها الرجل على نفسه ولا بد أن تتنطح لإلغاء هذا الاحتكار.

إن اشتراك أية امرأة في المقاومة أمر ممكن، ويحصل كثيراً، ومن هنا يجب أن يبدأ التغيير. يجب أن نتوقع اعتقال المرأة واغتصابها وإهانتها. علينا تجاوز "خِدر عُنيزة" على طريقة إمرىء القيس بقوله:

ولما دخلت الخدر خدر عنيزةٍ / قالت لك الويلات إنك مُرجلي

لعل النسويات العربيات هن أكثر من يُهاجم الأصولية الإسلامية ولا شك أن هذا بتحميس هائل من سادتهن في الغرب (إناثا وذكوراً). ولكن، من يرفض الأصولية والسلفية والذكورية فهو من حيث المبدأ مع مساواة المرأة بالرجل والمساواة هنا يجب أن تصل إلى كل الجوانب بما في ذلك الجزء "المقدس" لكل منهما. لا أن نعتبر اغتصاب المرأة العربية مسؤولية الرجل. إنها أولاً، حسب أنظمة الحكم، مسؤولية السيدات العربيات الأُولْ وأسيادهن. وحسب ما نفهم مسؤولية الجميع. وبغير هذا نكون قد رسخنا ذكورية الرجل وسيطرته.

علينا تفريغ حذلقات وفذلكات أمثال السيدة السعودية من مضمونها. علينا كشف التستر وراء شتم "طقعان" كما فعلت سيدة موقع "إيلاف". توقعنا بعد ما حصل في أبي غريب أن تقود سيدة "إيلاف" مظاهرة نسائية في السعودية احتجاجاً على أمريكا التي اغتصبت نساء العراق، واحتجاجاً على النظام العميل في العراق الذي يدعي الإسلام ويتفاخر بالبيت الشيعي لكنه لم يحرك ساكناً غير اغتصاب الماجدات العراقيات. وكيف يحرك وهو يرى المحققين الصهاينة يعذبون المقاومة العراقية!ًً مرة أخرى وأخيرة، ليس هدفنا اجتراء موقف من سيدة "إيلاف" ولا من سيدات النسيوية والمخمل ولا من الأنظمة الذكورية من أمثال كافور الاخشيدي (ولا علاقة للون البشرة هنا) بل نهدف الاستثمار في الجيل الجديد.

 

* نشرة "كنعان" الإلكترونية عمل مشترك لمركز المشرق/ العامل للدراسات الثقافية والتنموية في رام الله – فلسطين المحتلة ومؤسسة فلسطين للأبحاث والنشر في الولايات المتحدة الأميركية. تنتج النشرة بشكل جماعي هيئة إدارية مؤلفة من ابراهيم مكّاوي وعادل سمارة ومسعد عربيد. ترحب النشرة بالمساهمات والمقالات التي تصطف في خدمة المشروع القومي اليساري العربي الذي يهدف إلى تحقيق الوحدة العربية والتنمية والاشتراكية. وتعبر كل مقالة عن رأي كاتبها بالطبع، لكننا نراعي تقاطع كل مقالة مع الخط العام للنشرة. وحيث لا نضيف أو نغيّر في المقالات المقبولة قضايا نجدها ضرورية أحيانا، فذلك من باب الأمانة العلمية والحرص على حساسية قد توجد لدى بعض الكتّاب. يرجى إرسال كافة المراسلات والمقالات إلى عنوان "كنعان" الإلكتروني: mail@kanaanonline.org