مقاطعة الخليوي: الرسالة والمتابعة

بقلم: الدكتور لويس حبيقة/باحث اقتصادي من لبنان

تجاوب أكثرية المشتركين مع مقاطعة الخليوي له دلالات إيجابية. فقد أثبت اللبنانيون أنهم يستطيعون التخلي ولو ليوم واحد عن أفضل سلعة وخدمة لديهم، وهما جهاز الخليوي وخدمة التخابر عبره، لتوجيه رسالة واضحة إلى الدولة. فالإثبات بأن التعلق بالمادة لا يمكن أن يفوق المبادئ الخيرة والحقوق الإنسانية الأساسية هو تصرف جيد حتى لو جاء متأخرا. كما أن التخلي عن الخليوي ليوم واحد جعلنا نتذكر كيف كنا ننظم أوقاتنا وأعمالنا واتصالاتنا وعلاقاتنا الاجتماعية قبله. لا شك أنه يسهل عمل الإنسان كثيرا لكنه لا يمكن أن يجعله عبدا له. فحبذا لو ظهرت هذه الغيرة العامة على حقوق المواطن والمستهلك عندما كان المستفيد الأول من استهلاك الخليوي شركتين خاصتين وليس الدولة كما هو الحال اليوم. فشركتا الخليوي السابقتان استفادتا إلى أقصى الحدود من العقد الموقع معهما في بداية التسعينات ومارستا بكل جدارة ولسنوات طويلة "الاحتكار الثنائي" المنظم دون أن يعترضهما أو يقاطعهما أحد. تؤكد كل النظريات الاقتصادية القديمة والجديدة على أن "الاحتكار الثنائي" هو ثاني أسوأ الأسواق التجارية من ناحيتي الأسعار ونوعية الخدمات المقدمة، فجئنا نعتمده في لبنان في قطاع في غاية الحيوية والأهمية. أما الدولة اللبنانية اليوم، المتضررة من المقاطعة، فما زالت تعتبر مواجهتها للأسف أسهل بكثير من مجابهة محتكرين أفراد وشركات ومن يقف وراءهما علنا أو سرا.

فالدولة أعلنت ولو متأخرة عن استعدادها لتخفيض أسعار التخابر. من هنا كان من الأفضل مواصلة الحوار المكثف معها قبل المقاطعة. فإذا عجزنا عن الوصول إلى النتيجة الفضلى، تتم المقاطعة عندها ليس ليوم واحد وإنما لأسبوع أو أكثر وبمشاركة الجميع. جاءت المقاطعة قبل وقتها، أي قبل أن تستنزف كل الوسائل الديموقراطية الأخرى. كما أن بدء العمل مع شركتين جديدتين سيتيح للدولة معرفة التكلفة الحقيقية للتشغيل ونوعية الخدمات الجديدة الممكن إدخالها جذبا للطلب. بدء العمل مع الشركتين الجديدتين سيتيح للدولة وللبنانيين أيضا معرفة حجم الأرباح الحقيقية التي حققها المشغلان السابقان. لا بد أيضا من التعاقد بشكل أو بآخر مع مدققين مستقلين وكفوئين للحسابات لكل من الشركتين الجديدتين حتى تنجلي الأمور الإدارية والمحاسبية كليا أمام الرأي العام. قرار تخفيض أسعار التخابر طال انتظاره ليس فقط بالنسبة للخليوي وإنما لكل التعريفات في القطاع. تخفيض التعريفات يعني، في لبنان، زيادة في إيرادات الدولة لأن مرونة الطلب على الخليوي مرتفعة جدا. تخفيض أسعار التخابر عبر الهاتف الثابت والخليوي والإنترنت سيزيد نسبة الاستعمال أكثر وبالتالي ترتفع الإيرادات. كل الدول التي خفضت وحدثت تعريفات اتصالاتها نجحت في زيادة إيراداتها، وهكذا سيكون الحال في لبنان.

أثبتت مقاطعة الخليوي أن باستطاعة اللبنانيين الضغط الديموقراطي الجدي على دولتهم عندما يشعرون أن حقوقهم تهدر. فهل تحترم حقوقنا في الكهرباء والمياه والنقل والتربية والضمان والصحة وغيرها؟ ولماذا لا نطالب بالحقوق الكاملة كما فعلنا مع الخليوي؟ يجب أن يعمم هذا الشعور وهذا التصرف حتى لا تهدر تجربة مقاطعة الخليوي. ما يجري في "الكهرباء" مثلا شركة وخدمة يدعو للقلق، فكيف ستتصرف الجمعيات والنقابات مع التقصير والهدر؟ من الأفضل أن ينعكس وعي الخليوي تصرفا مماثلا أو مشابها ليس فقط تجاه الخدمات المقدمة من الدولة وإنما أيضا من قبل القطاع الخاص إذا أساء التصرف تجاه المواطن والمستهلك. ما نحتاج إليه هو الشعور العام بضرورة احترام حقوق المستهلك والمواطن أيا كانت السلعة والخدمة وأيا كانت هوية مقدمها. مقاطعة الخليوي ليوم واحد هي خطوة شجاعة أولى على الطريق الصحيح، شرط أن تتبعها خطوات مماثلة تجاه الخدمات الرئيسية الأخرى. فهل يقدم اللبنانيون عليها؟