جريء على الباطل

فؤاد الحاج

سألني أحد الأصدقاء المتابعين لما أنشره هنا وهناك عن جدوى هكذا كتابات، في وقت لم يعد يؤمن فيه المواطن كما أن هكذا أفكار لا يمكن أن تجد صدى لديه سوى التأييد الضمني لها، وهذا يعني أن المواطن وصل إلى حالة من الكفر بسبب الوضع الاقتصادي السيء الذي أوصل العباد إلى حالة الذل التي وصلت لها البلاد!!.. وواصل صديقي كلامه قائلا: لماذا على المواطن العربي أن يدفع ثمن أخطاء الحكومات وفي الوقت نفسه لماذا عليه أن يكون دائما هو الضحية بينما ناهبي قوته وبائعي الوطن في سدة الحكم يسرحون ويمرحون دون عقاب، في الوقت الذي نسمع نظريات تطرح هنا وهناك من هذا الحزب أو ذاك أو نسمع كلاماً معسولاً من المسؤولين عبر وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها!!.. ومنذ أربعينات القرن المنصرم نسمع عن الوحدة وعن الحرية وعن العدالة الاجتماعية، كما استشهد الآلاف قيد التعذيب في سجون الأنظمة التي قيل أنها وطنية وهي في الواقع وصلت إلى سدة الحكم على أكتاف الجماهير من أجل تحقيق تلك الشعارات كما أنه وحتى اليوم تجد في ديار الاغتراب كما في بلاد عربية آلاف من المواطنين من أبناء هذا القطر العربي أو ذاك ممنوع عليهم العودة إلى بلدهم ومسقط رأسهم، وأوضح محدثي أنه لا يقصد بذلك الذين باعوا وطنهم بفضية أو الذين تعاملوا مع أعداء الوطن كما حدث في العراق وغيره من البلاد العربية، وأضاف لماذا يلومون هذا المواطن المسكين ويفرضون عليه القيود إذا حاول الاحتجاج أو قام بتظاهرة أو اعتصام وهو الذي كان أول المدافعين عن الوطن ضد الغزاة والمحتلين حيث سارع وبدافع وطني وقومي والتحق بجيش الإنقاذ الذي تشكل من أجل مقاومة القادمين المحتلين من أرجاء المعمورة منذ بدء احتلال فلسطين والتي استشهد أيضاً الآلاف من أبناء الأمة في سبيل تحريرها بينما أصبحت اليوم وبفضل الأنظمة "قطر شقيق" كما قال غوار أو دريد لحام في أحد مسرحياته؟!!.. وبعد ذلك نجد بأن هذا المواطن الذي ضحى بأبنائه وبكل ما يملك في سبيل تحقيق وطن سعيد حر مستقل بينما نجد أن الأنظمة المتوارثة تعتقل وتسجن كل من يقول لا لأعداء الإنسانية المحتلين إن في فلسطين أو في العراق اليوم، كما تمنع المتظاهرات في كل الميادين والساحات العربية بحجة "السلام" و"المحافظة على الأمن"!!.. ويتابع صديقي قائلاً: لذلك أكرر ما أوردته في عدد من مقالاتك حول التجنيد الإلزامي أو الإجباري في عدد من البلاد العربية وأسأل: لماذا يحاول عدد كبير من أبناء الأمة العربية في تلك البلاد تهريب ابنه أو شقيقه أو قريبه الخ.. من تلك الخدمة التي يتم فيها فرض تلك الخدمة وتعريض ذلك الملتحق بتلك الخدمة لأبشع أنواع الاحتقار والمذلة وأقل الرواتب أو المعاشات بينما عدد كبير من القيادات العسكرية إن لم يكن لهم في تلك البلاد التي تتولى أعلى المناصب والرتب والمسؤوليات هم في الواقع ليسوا بمجندين إلزاميين بل موظفين برواتب عالية لا يحلم بها ذلك المواطن المقهور، وإذا كان محظوظ ويعرف أحد من المسؤولين وتوسط لديه من أجل عدم إقصاء ابنه أو شقيقه إلى نقطة صحراوية بعيدة لا تصلها سيارات الأجرة مثلاً لا تمكنه من العودة منها في حال حصوله على مأذونية لعدة أيام لزيارة ذويه وأقاربه!! وهذا شرحه يطول!!.. وفي النهاية أنت تكتب من أجل تحقيق الوحدة والترابط الوطني والقومي وما شابه ذلك من كلام، صدقني أنه برأي عدد كبير من المواطنين صحيح وأنه يعبر عن ضميرهم وما يتمنونه ولكن الواقع شيء آخر ومختلف لأن الآلاف من أبناء هذه الأمة تركوا ديارهم منهم الذين يسمونهم ضمن القوانين في تلك البلاد "هاربين من الخدمة الإلزامية" بينما هم برأيي عكس ذلك تماماً لأني أعرف الكثير منهم يعمل من أجل ما تتفضل به في كتاباتك لتحقيق وحدة الأمة وحلمها في تحقيق العدالة الاجتماعية، كما أنهم يرسلون آلاف الدولارات إلى ذويهم في كل قرى ومدن البلاد العربية وهم يتعرضون للذل والمهانة في ديار اغترابهم من أعداء الإنسانية وأعداء الأمة العربية، ويمكنني التأكيد هنا أن جزء كبير من اقتصاد البلاد العربية يأتي من المهاجرين ومن المهجرين قسراً عن بلادهم الأم طلباً للرزق ولتحسين معيشة ذويهم وأبنائهم وعلى الرغم من ذلك إذا عاد أي منهم إلى وطنه الأم يعتقل في المطار أو على الحدود، فأين العدل في ذلك؟! وأين الوطن المنشود الذي بات بقمة سائغة بيد أمريكا التي لا يمكن أبداً أن تجد في كل البلاد العربية كما في بلاد العالم يحبها أو يؤيدها سوى بعض المرتزقة الخانين لبلدهم وأوطانهم وهم أقلية ضئيلة جداً؟.. فلماذا لا يتم عقد مؤتمر وطني وقومي للمغتربين العرب من كل قطر ضمن واقع "سايكس بيكو" والسماح لكل هؤلاء بالعودة إلى وطنهم ونقل ممتلكاتهم وأموالهم إضافة للإفادة من طاقاتهم العلمية والعملية في بناء الوطن من الداخل بدلاً من أن يموت ذلك المهاجر والمهجر على أرصفة الغربة، ومن لا يريد العودة للإقامة في وطنه على الأقل يتم كسبه وكسب أولاده وأجياله وذلك من خلال ربطهم بوطنهم الأم، أعرف أنك ستقول بأن بعض البلاد العربية تقوم في كل عام بعقد مثل هذا المؤتمر ولكن ما قصدته يحتاج إلى المزيد من الشرح ولكن باختصار أقول أن هذا المؤتمر الذي تقوم به الدولة ليس هو ما أقصده لأن هناك الكثير من الشرفاء والأحرار لا يشاركون به لأسباب عديدة إنما ما أقصده بالمؤتمر الوطني والقومي أن يكون هناك مؤتمر شعبي جماهيري على غرار المؤتمرات السياسية الكثيرة التي تعقد في هذا البلد أو ذاك وتضم مجموعات من هنا وهناك وتنتهي في أغلب الأحيان قبل صدور البيان الختامي لذلك المؤتمر، وإذا عقد مؤتمر قطري لكل أولئك المهاجرين والمهجرين على الأقل سيتم مبدئياً التعارف فيما بينهم كما سيتم الاطلاع على أوضاع بعضهم البعض في كل المجالات ومن خلال أول لقاء يتم عمل جدول عمل مختصر قابل للتحقيق وليس مطولات وكلمات تبقى حبر على ورق وبذلك أعتقد في اللقاء الثاني والثالث يتم تطوير هذا العمل وسيزداد عدد المشاركين فيه كما سيتم بناء علاقات أكبر وأوسع بين المهاجرين فيما أنفسهم ويصبحون خط الدفاع الأول في البلاد التي يعيشون فيها ضد الهجمات العدائية التي يتعرض لها وطنهم الأم كما يتعرضون هم من أعداء الإنسانية لهجمات عنصرية بغيضة في أماكن إقامتهم، وفي الوقت نفسه أيضاً يمكن أن يتم الواصل الفعلي بينهم وأهلهم وأقاربهم وإعادة صلة الرحم مع وطنهم، فهل يمكن لأي مجموعة عربية أصيلة وشريفة في البلاد العربية أن تفكر بذلك وتقوم بتحقيقه في وقت لا نجد سوى بيانات تصدر من هذا أو ذاك التنظيم أو الحزب التي تدين وتطالب كما تفعل تلك الجامعة المسماة عربية، وكذلك يفعل معظم كتّاب الصحف!..

وبعد أن قال صديقي ما قال وأعتقد أنه رغم كل ما فيه من كلمات تمس الواقع العربي المفتت في بلاد العرب فإنه كلام يجب أن يتم التمعن فيه والأخذ بما ورد في أفكاره لأنه كلام لمواطن لا يعرف أحابيل السياسة ولا يريد الوصول إلى منصب ما هنا أو هناك، وأنقله بدوري لكل الفعاليات والشخصيات الوطنية والقومية في البلاد العربية، وبرأيي أنه إذا لم يكن في هذا الكلام أي مغزى لهؤلاء فإنه على الأقل ينبغي اعتباره رسالة موجهة إلى القوى الحية في بلاد العرب كي تعرف مكنون ما يدور في صدر معظم المهاجرين والمهجرين في ديار الله الواسعة.. وأضيف أنه على كل القوى الوطنية والقومية دون استثناء:

أولاً - الرجوع إلى ينبوع القوى الحقيقي.. الرجوع إلى الشعب ومصارحته بالحقائق.

ثانياً - يجب رفع حالة النضال إلى مستوى الحياة والموت لأنه هو البداية لتحويل الهزائم المتلاحقة إلى منطلق للنصر. لأنه أيضاً في هذه الحالة يمكن القول أنه بذلك فقط يمكن إنقاذ الأمة من التناقضات التي سادت وتسود مراحل النكبات المتتالية منذ عام 1948 مروراً بالخامس من حزيران 1967، وصولاً إلى الوضع الراهن في فلسطين والعراق، في الوقت الذي يكشف عن حقيقة الكثير من نوعيات الأشخاص الذين في سدة الحكم في بلد ما أو في مراكز قيادية في بعض التجمعات الذين يتظاهرون بالعقائدية والثورية وهم سبب بلاء الأمة وما وصلت إليه من حال مذري، ولم يقدموا لتنظيماتهم أو للأمة، إلا القليل كي لا نظلم أحد مقابل أن ينالوا من النفع ويحصلوا على الوجاهة و"يحولوا السلطة إلى أداة لتشويه قيم النضال".

ثالثاً - لا يجوز بعد الآن أن تضيع الحقائق وتشوه وأن يذهب البريء بجريرة المسيء في البلاد العربية، خاصة وأن معظم المواطنين المقيمين منهم في البلاد العربية أو المهاجرين والمهجرين يعرفون ويرددون ما قيمة المناضل الحقيقي إذا رأى المسيئين في الحزب أو في الدولة يكرمون!..

رابعاً - لا بد أن توضع موضع الدراسة والتحليل الأخطاء والعيوب الأخلاقية التي كانت تتكرر منذ أكثر من عشرين سنة وتنمو وتتضخم وتفتك بالنضال العربي الثوري حتى كره المواطن ما يكتبه أمثالي وإن كان يعبر عن ضميره كما قال صديقي.. لذلك أعتقد إن مكاشفة الحزبيين في كل الأحزاب العربية وجماهير الأمة بالحقائق هو السبيل الوحيد كي تعود الثقة للمواطن بوطنه وأمته.