أبعاد اغتيال الشيخ أحمد ياسين
بقلم:
وجيه عمر مطر
تعددت
الآراء في قضية اغتيال الشيخ أحمد ياسين،
وكثرة التحليلات التي تناولت أبعاد اغتياله،
فمنها من اعتقد أن اغتياله سيسبب حالة إحباط
عند الفلسطينيين ومنها من اعتقد أن مرحلة
جديدة ستأخذ سياقها في مسار المقاومة
الفلسطينية، إما بالتطرف أكثر أو بالمحافظة
أقل، وبعضها قلل من انعكاس الخطر على تماسك
حماس وان رأى البعض الأخر غير ذلك، وهكذا
تتعدد الآراء وتتشابك التحليلات التي تتقاطع
هنا وتتفارق هناك.
أمام
هذه التحليلات والآراء يبقى أن نتناول ما لم
تتناوله هذه التحليلات والآراء، وهو
موضوع يتعلق بما يسمى في منطقتنا، وعند
العديد من شعوب العالم، بالزعامة، أو
بالكاريزم، أو بالقاسم المشترك، أو برجل
الأمة أو الشعب، أو الرمز... الخ.
هنا
نقف للحظة أمام مشهد اغتيال الشيخ أحمد ياسين
والذي استحوذ على ألقاب جليلة بعد استشهاده،
من لقب شيخ شهداء فلسطين، إلى شيخ المقاومة
إلى شيخ الشهداء، إلى شيخ فلسطين... الخ. وهو ما
لم يستطع أي كان أن يعترض على ذلك لمكانة
الشيخ الشهيد والى جلال الشهادة نفسها.
ومن
هنا أعتقد أن بعدا من أبعاد اغتيال الشيخ أحمد
ياسين، لم تتناوله التحليلات والآراء، وهو
البعد الذي يتعلق بزعامة المقاومة
الفلسطينية، ورأس هذه المقاومة، ورمزها، قد
يتنطح البعض ليقلل من أهمية ذلك كون كل مناضل
فلسطيني هو مشروع شهادة وهذا صحيح، وبعضهم
سينزعج كثيرا عند الحديث عن الرمز، أو زعيم
المقاومة أو قائدها، ما دام عرفات موجودا،
حتى يرى بعضهم وان مات عرفات سيبقى هو الرمز
الأبدي.. أنا هنا لا تعنيني هذه النزعات بقدر
ما أحاول أن أكون موضوعيا في رأيي لأبعاد هذا
الاغتيال في جانبه الهام والمؤثر.
فإذا
ما اتفقنا أن الأعمار بيد الله، وأنه ليس من
مخلد، ولا زعامة لهذه الأمة إلا لله ورسوله،
فانه بعد موت الرسول الكريم عليه الصلاة
والسلام، انتقلت الأمانة إلى الخلفاء
الراشدين، وثم تتالت إلى ما وصلنا إليه اليوم.
السؤال..!!!!
إذا
كان عرفات انتزع الزعامة الفلسطينية، وكرس
نفسه كرمز على الشعب خلال عمر المقاومة
الفلسطينية، فان الذي كرسه هو الدم الفلسطيني
والعربي، وقوافل الشهداء التي ما زالت تمضي
إلى أعراسها، فمن الذي سيحل مكانه كرمز للشعب
الفلسطيني؟ من هي الشخصية الفلسطينية التي
تستطيع أن تكون ذلك الرمز المقبول بعد أن
فرضها عرفات بطريقة أو بأخرى، ولن ندخل
دهاليزها في الوقت الراهن على الأقل،
وبخاصة بعد اغتيال العديد ممن كان له التأثير
في هذا الاتجاه.
ونعلم
أن عرفات مريض من جهة، وأنه محاصر من جهة
أخرى، إضافة إلى خسرانه تلك الرمزية المطلقة
التي كان يحمي نفسه بها ما دام يرفع شعارات
التحرير الكامل، والنضال حتى النصر، ويردد
الشعار الذي تعتقد به حركة (فتح) وتتبناه ((ثورة
حتى النصر)). أما وقد سقط عنه كل ذلك بعد توقيعه
"اتفاق أوسلو" والاتفاقات الأخرى التي
تنازل عرفات بموجبها عن حق الشعب الفلسطيني،
وأولها الاعتراف بالعدو، وبحقه في فلسطين
التاريخية، وتنازله عن مواد الميثاق التي
تنادي بتحرير فلسطين، وأنها حق العرب
التاريخي وبعودة الشعب الفلسطيني إلى كل أرضه....
الخ. فانه بذلك كله سقط عنه أيضا حق التمثيل
والزعامة المطلقة، وإن بقي رئيسا للسلطة
الذاتية، أو لبعض ممن بقي في فتح
ممن ارتضوا بما أقدم عليه، ومصر على
الالتزام به. رغم انه تنازل وتراجع عما التزم
به بشأن فلسطين وشعب فلسطين.
وتقعير
السؤال، إذا ما مات عرفات، أو اغتيل وأنا أشك
بذلك فما زال لديه الدور الذي لا بد من السير
به حتى نهايته، أو حسب مقولته الرئيس
الليمونة، إذ بعد أن تعصر الليمونة فلا فائدة
منها. وهو كما قلنا أعلاه مريض، وكبر في السن،
ومحاصر، وفقد وهج الرمزية، إذا ما حصل أي من
ذلك، فمن هو القادر على أن يكون الناظم أو
الكاريزم أو الرمز الذي سيلتف حوله الشعب
الفلسطيني، أو بلغة السياسة، الذي سيملأ هذا
الفراغ؟؟؟؟؟
إن
عملية مسح بسيطة وغير معقدة، وسريعة أيضا
سنصل إلى انعدام ذلك، لأسباب متعددة، كون
النمط الفلسطيني هو خلاصة التجارب للنظام
العربي الرسمي، إذ دائما ما يكون ما بين الرجل
الأول وأي رجل في السلطات العربية مسافة سنة
ضوئية على الأقل. فمن الذي سيشكل القاسم
المشترك في (فتح)، وفي المنظمة وفي الشعب، إذ
أن أكثر القادة الفلسطينيين لم يستطع أي منهم
من الاقتراب من وهج الزعامة هذه لأنه يعرف
عواقبها كما صار للبعض الذي حاول أن يفكر بذلك.
إذا الفراغ سيقع إذا ما حصل أي حادث لعرفات
قضاء وقدرا أو بحادثة مدبرة. رغم أن فتح قد
تبقى هي الرائد في المقاومة، هذا إذا استطاعت
أن تبقى فتحا واحدة للتباين في هيكليتها وفي
التغير الطارئ على بنيتها، وتنوع الوعي في
قاعدتها وكادرها الوسطي الذي يلعب اليوم دورا
أساسيا في تعديل مساراتها التي تعرضت
للاهتزازات الكثيرة والمتنوعة.
إلا
أن ظهور حماس بقيادة مؤسسها الشيخ أحمد
ياسين، وتقدمها في عملية إعادة بناء ما تم
تخريبه في أسس المقاومة، وعلى أساس إعادة
الاعتبار إلى المنطلقات الأساسية التي
انطلقت المقاومة على أساسها، مقابل التراخي
المشهود من قبل القيادة الفلسطينية المتنفذة
وترهلها، وتراجع بنية المقاومة في الفصائل
الأخرى، أدى إلى إعادة صياغة هذه المقاومة
على رؤى أخرى وان اتفقت مع الشعارات الأساسية
للمقاومة في التحرير الكامل وحق العودة،
واعتباره حقا شرعيا لا يجوز لأحد أن يتنازل
عنه كما تتحدث عنه منطلقات حماس وبرنامجها
السياسي، وكما تعلن قيادتها عن ذلك في كل زمان
ومكان، إضافة إلى كل ذلك فإن قيادات (حماس)
شاركت وتشارك في المعارك اليومية مع الشعب
الفلسطيني، وكابدت العناء والاعتقال والسجن
والإبعاد ومحاولات الاغتيال، وطالت العديد
من قياداتها وكوادرها الأساسيين (والشيخ أحمد
ياسين في المقدمة منهم) والعمليات النوعية
التي أعلت من أسهم حماس وقيادتها في صفوف
الشعب الفلسطيني، مع الأخذ بعين الاعتبار
الفراغ السياسي العربي بعامة الذي ملأته
التيارات الإسلامية، بجهادها وإقدامها في
مواجهة ومقارعة العدو الصهيوني. فأصبحت حماس
المعادل الموضوعي لحزب السلطة بل وتتفوق
عليه، وقياداتها أكثر إقداما ونظافة يد، ولم
تتلوث بالفساد والتآمر والاستزلام والشللية
ولم تأوي القتلة والزعران والمفسدين والعقول
الرخوة، ولذلك تتحول حماس وقياداتها إلى موقع
استقطاب، إلى موقع جذب لا طرد.
ومن
هنا تحولت حماس إلى تعبير عن المقاومة
والشهادة إلى جانب القوى الاستشهادية
الأخرى، وتحولت بشخص الشيخ أحمد ياسين إلى
هذا الرمز القادم الذي ينظر إليه بعين
الإعجاب لأسباب إنسانية وأخلاقية وسياسية
كفاحية. ومن هنا نأخذ زاوية النظر إلى أبعاد
اغتيال الشيخ أحمد ياسين، كونه أصبح يشكل
هاجس الرمز، والقاسم المشترك، والقوة
القادمة دون جدال، وهذا ما أقلق العدو، كون
الشيخ ياسين يشكل ذلك كله، فإذا ما ذهب عرفات
فسوف يكون هو ذلك الناظم والشخصية الرمز
للشعب الفلسطيني، بكل ما يمثله من فوارق على
القيادات الفلسطينية الأخرى.
والأخطر
من ذلك كله أن الشيخ ياسين يمثل تيارا
إسلاميا، هو في نظر أمريكا والعدو الصهيوني ((إرهابيا)).
فإذا ما بقي على ما هو عليه فانه سيشكل الخطر
كله على المنظومات الاستراتيجية المعادية
للأمة والمنطقة، ولذلك فان اغتياله سيشكل
ضربة مزدوجة للفلسطينيين، الأول إيجاد فراغ
قيادي رمزي، الكاريزم الناظم، والثاني إلى
خلق حالة عدم توازن في الساحة الفلسطينية،
مما قد يؤدي إلى حالات انفلات أمني ووطني ((حرب
أهلية)) تقاتل فلسطيني فلسطيني، نزاعات
تناقضات حادة في المواقف تؤدي إلى استفادة
العدو منها وإفشال كل حالات الترقب الممكنة.
أعتقد أن اغتيال الشيخ أحمد ياسين يدخل إطار المؤامرة الخبيثة التي يتدبرها العدو ضد شعبنا وقضيتنا، إلا أنني أريد أن أنبه إلى أن طرحي هذا لا يقلل من شأن التنظيم أو القيادة بعينها، وان الأمة أو الشعب ليس بعاقر كي لا تنجب من هم على شاكلته أو من يبزه، والتاريخ شاهد على ذلك. إلا أنني أطرح ذلك انطلاقا من الوعي بالمفاهيم الشعبية، ووعيها، إذ ما زال الفرد يلعب الدور الأساسي في حياة الأمة والشعب، وفي حياة الحزب والتنظيم والأسرة والقبيلة، وللأفراد تأثير في الحركة التاريخية، وما زلنا كعرب ومسلمين نتأثر إلى حد بعيد بدور الفرد وتأثيره.