قمتنا
العربية.. والقمة الأوروبية
د.
عوده بطرس عوده/مفكر عربي يقيم في القاهرة
تشاء الصدف أن تنعقد
القمة الأوروبية قبل يومين اثنين من موعد
انعقاد قمتنا العربية التي أجلت وبذلك تصبح
المقارنة واقعية بين مسيرة أمتنا الواحدة
المجزأة الموحدة باللغة وأماني الجماهير
الوحدوية، وبالمشاعر والهموم والآلام
والتطلعات وبالدين الذي انبثقت منه وبنيت وفق
تعاليمه حضارتنا الإسلامية الإنسانية التي
يعترف المؤرخون الأوروبيون وعلماء الاجتماع
أمثال غوستاف لوبون الفرنسى بفضلها على
الحضارات التي لحقت بها.. وبين مسيرة
الأوروبيين بتعدد قومياتهم وتاريخهم ولغاتهم
وثقافاتهم نحو وحدة تسمو بها المصلحة
المشتركة على المصالح الوطنية وتسخو بها
الدول الغنية المتطورة على الدول الفقيرة
المتخلفة نسبيا ليتساوى الأعضاء جميعهم
فتصبح أوروبا كلها كتلة واحدة موحدة باقتصاد
قوى قادر على المنافسة والحماية.
من حيث البداية كنا الأسبق في قيام الجامعة
العربية رغم أن بريطانيا الاستعمارية التي
كانت متحكمة بمصر وأقطار مشرقنا العربي هي
صاحبة الفكرة وقد أقيمت جامعتنا العتيدة في
مثل هذا الشهر آذار/مارس عام 1945، وكانت أوروبا
وقتئذ غارقة في تدمير عواصم ومدن بعضها البعض
تموج بدم عشرات الملايين من أبنائها، وتخريب
بنيتها التحتية وتشريد شعوبها داخل أوطانها.
وبعد اثني عشر عاما وفى مثل هذا الشهر أيضا من
عام 1957 بدأت أوروبا مسيرتها الوحدوية بالسوق
المشتركة وها قد وصلت إلى أوروبا الموحدة
بعملة اليورو الواحدة، وبرفع كافة الحواجز
المرورية بين أبنائها وصناعاتها ومنتجاتها
في حين ما زلنا بجامعتنا العربية نراوح
مكاننا كما لو أن مؤتمر القمة المختلف عن
انعقاده بعد تأجيله بسبب الخلافات
والمزايدات هو المؤتمر التأسيسى لقيامها!
من حق الإنسان العربي، بل من أوجب واجباته أن
يسأل: ما دمنا أبناء أمة واحدة بقومية ومشاعر
وأماني واحدة نتميز بها على أوروبا بتاريخها
العدائي بين شعوبها بقومياتها ولغاتها
وثقافاتها المختلفة التي تجعل مؤتمراتها
بالمترجمين الفوريين للمتحدثين بلغاتهم التي
يعتزون بها أشبه ما تكون بتنفيذ مشروع عملاق
على مستوى القارة، وهو كذلك تشارك في تنفيذه
مجموعات من أنحاء القارة يوحد بينهم الالتزام
في التنفيذ دون ضرورة للغة واحدة على عكس
واقعنا العربي.
القارة الأوروبية، بتعدد شعوبها وقومياتها
ولغاتها غدت بلدا واحدا مفتوحا لكل أبنائها،
يتنقل العاطلون عن العمل بحرية مطلقة في
اتجاه الاقتصاديات الغنية، ونحن في ظل
جامعتنا حيث نحن كما كنا زمن الاستعمار،
البعض منا مفتوحة أبوابه بدون تأشيرات للذين
يعتبرونهم أصحاب الفضل في التجزئة وفى اختيار
الآباء والأجداد المؤسسين، وللذين يفدون
ويتسللون للعمل وخدمة الأرباب ! ويفرضون
القيود والقوانين والإجراءات التعجيزية التي
تغدو جدرانا وعوازل أعلى من جدار شارون في
فلسطيننا فلا يمكن لعربي أن يجتاز حدود أي
دولة أو أي مطار عربي بدون التحقق من شخصيته
في القائمات السوداء ولا يمكنه العمل بدون
كفيل وبرسوم عالية.
كان الله في عون أمتنا بدون مصر عبد الناصر
وعراق صدام حسين فلكل زمان دولة ورجال ونحن
الآن في الزمن الصهيوني الأمريكي وعصر التشتت
العربي.