حديث القمة.. الأسئلة العاجلة والإجابات المؤجلة!

عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في دمشق
القمة العربية قادمة لا ريب، لكنها في انتظار أسباب نجاحها. أي أنه عندما تسمح لها أقدار النظام العربي فلسوف تعقد قطعاً، وقد لا يطول الانتظار إذا شاءت لها تلك الأقدار غير الموثوقة نجاحاً..
أما أين تعقد؟ أفي دولة المقر التي سارعت إلى إبداء استعدادها لاستضافة من تقطعت بها السبل في أسرع وقت ممكن؟ أم في الدولة التي سبق وأن تلكأت في قبول استضافتها، وعندما فعلت فاجأت ضيوفها بإرجاء الأمر برمته إلى أجلٍ غير مسمى؟!
الأمر هنا قيد البحث، وليس هو الأهم، وغدا من الآن في عهدة الأمين العام لمجلس الجامعة العربية، الذي يجول في مغارب العرب لتهدئة عصبية استثارتها الدولة المضيفة عندما أبدت تمسكاً بحقها في استضافةٍ أجلتها... الجزائر قيل أنها اعتذرت عن استقبال الأمين العام وقيل أنه سيستثنيها من جولته، ولا ندري فقد يتبعها آخرون، لكن الأمين العام يواصل جولته لعل وعسى ينجح في إقناع القوم هناك بتخريجةٍ أو حلٍ وسطٍ يقضي بعقدها في الدولة المقر وبرئاسة الدولة التي أجلت، مع أن ما نمى عن نتيجة زيارته للعاصمة التونسية لم يكن مبشّراً بالكثير..
ما تقدم، هو ما يقوله لنا، أو للأمة الرعية أو لوا الأمر منها،  من أولئك الحريصين بعد على إنقاذ ما يتيسر إنقاذه من بقايا ذاك المدعو بالتضامن العربي... ويقوله أيضاً معهم، وربما بذات الحماسة، زملاؤهم الآخرون، الذين لا يجاهرون بعد باستعدادهم لإطلاق رصاصة الرحمة على هذا المغدور المحتضر إن وأتتهم الفرصة لذلك.. وأي فرصة مواتية أكثر من تلك التي سنحت إثر مفاجأة تأجيل تونس للقمة، مع إبداء أسبابها الخاصة التي دفعتها لذلك:
الحق السيادي أولاً، والحرص الزائد على الإصلاح والديمقراطية ثانياً، لا سيما وقد لاح لها أن ضيوفها عاجزون سلفاً عن مقاربة هذا الإصلاح المأمول وتلك الديمقراطية المرجوة في المقررات المزمعة!!!
وأي فرصة مواتية أكثر سوف تسنح مستقبلاً من تلك التي تطرق أبواب المنطقة محمولة على جناح شرق أوسطية بوش الموسّعة المقبلة؟!
المأثرة التونسية، المتمثلة في إعلان فشل القمة قبل أن تفشل ساهمت تداعياتها في انعقاد بازار المزايدات على مصراعيه، وفي جلبته التي بعثت الحياة في الركود العربي المزمن كان الكثير مما ساهم ويساهم، كما نلاحظ، في إخفاء أو طمس حقيقة من يريدون انعقاداً مرجواً للقمة أو من لا يريدون لها أن تعقد أصلاً. وفي غمرة تلك المزايدات ربما لم تجن تونس إلا محاولة البعض تحميلها وحدها، ليس فشل قمة لا يشك أحد يقرأ بدقة الواقع العربي في فشلها وفق المقاييس الشعبية العربية على الأقل، وإنما أيضاً إخفاقات كل ما سبق ولم تنجزه سلسلة قمم العرب منذ أن وجدت!
والآن، وقد هدأت نسبياً أصداء التداعيات الأولى للحدث المفاجأة، وأسفرت سلسلة من القمم الصغيرة عقدت بهدف إنقاذ الكبيرة عما أسفرت عنه، أي التبشير بانعقاد التي لم تعقد أن توفرت لها أسباب النجاح، ما الذي يكشف عنه المشهد الفضيحة الذي لا يعكس إلا بداية متوقعة لانهيارات حقبة لطالما أرجئت... حقبة بدأت منذ كامب ديفيد الأولى.. ما الذي سيكشف عنه سوى تفاقم العجز المزمن، وإفلاس عهود من الترقيع المتواطئ والهروب المتذاكي من مواجهة استحقاقات ضرورة اتخاذ القرارات والمواقف التي ترتفع إلى مستوى الأخطار المصيرية التي تحدق بالجميع؟
لقد ساهم التأجيل التونسي لقمة الحسم، كما كان يرجو الأمين العام للجامعة العربية، لتغدو قمة الإحباط كما هو واقع الحال، ومن ثم التداعي لعقدها مع تأجيل موضوعاتها أو ترحيلها إلى قمم لاحقة، ساهم في إثارة عديد من الأسئلة التي تتلاطم باحثة عن أجوبتها المؤجلة بدورها، مثل:
ونبدأ بالسؤال الأكبر، ترى ما علاقة الأمريكان بهذا التأجيل؟
نحن هنا من حقنا أن لا نلقي بالاً لقولهم المفتقر دائماً للمصداقية أن لا دخل لهم بالأمر، وإنما نستمر في طرح الأسئلة التي من الصعب على الوجدان العربي تحملها كان نقول:
هل التأجيل، كان بإيحاء أمريكي أم برسم الحرص على التشاور المسبق مع واشنطن حول ما يجب أن تسفر أولاً تسفر عنه تلك القمة من مقررات؟! أم أنه انتظار لوضع اللمسات الأخيرة لفرمانات شرق أوسطية بوش الموسّعة، لكي تغدو بقدرة قادر نصاً قد يندس متربعاً بين ثنايا مقررات قمة يعد عدم انعقادها في كل الأحوال فراغاً خطراً لا يمكن للنظام العربي القائم احتماله، إذ أن عدمه يعني على الأرجح انهيار بل نهاية هذا النظام؟!
لعله، ونعني الفراغ، هو سر التداعي الحثيث لإنقاذها... لكن وعودة إلى السؤال السابق، لكن بلغة أخرى، هل انعقادها من عدمه رهن بالتكيّف مع سطوة العصر الأمريكي، وتحت طائلة اشتراط تبني ديمقراطية التبعية وإصلاحات الهيمنة، والتكيف مع الإملاءات الإمبراطورية الفجة والمباشرة لتلك الهيمنة؟
وسؤال آخر، هل التأجيل يعني انتظاراً تقتضيه متطلبات ضرورات ما قد تصل إليه الأمور إزاء تطبيقات شارون الغامضة لخطته الفصل من جانب واحد برعاية وبتمويل أمريكي، وكذا مرحلة ما بعد تسليم بريمر ما يدعوها بالسيادة لمن يريد تسليمهم إياها من العراقيين؟!
أم أنها أُجلت بانتظار قمم ثلاث قادمة كلها تعني ما تعنيه، ستعقد بداية هذا الصيف: بروكسل الأوروبية، اسطنبول الأطلسية، وجورجيا للثمانية الكبار، وكلها ستفتي حتماً في مصائر المنطقة، ومستقبلها الشرق أوسطي الموعود؟!
لعلها أسئلة ملحة وعاجلة داهمت قمة مؤجلة إلى حين توفر أسباب نجاحها المستبعد، أما إجاباتها، حتى وإن عقدت، فتظل في كل الأحوال مرجئة إلى أجل غير مسمى، وبانتظار ذلك يمكن القول أن الإصلاح الذي طالب به الشارع العربي، وهو قطعاً غير الإصلاح الذي يملي من الخارج ويلوح في الأفق راهناً، قد تراجع في غمرة البحث الحثيث عن فرصة  إنقاذ للتضامن العربي المغدور، أو في ظل عجز طرفين معنيين بالقمة وشجونها في الساحة العربية: هما الأنظمة والنخب عن مقاربة إصلاح حقيقي منشود لا مفروض، ومواجهة استحقاقات الأخير تحديداً.
وهي وإن عقدت، فما هو المتوقع منها، بالنسبة لأمة اعتادت أن لا تعلق عليها آمالاً، ولا تنتظر منها ما يصلح الحال، أو ما يجيب على الأسئلة الكبرى التي تقلق الشارع؟
مثلاً: ما الذي سوف تفعله للفلسطينيين، الذين يواجهون فعل إبادة يومي تحت سمع وبصر العالم كله، أو ما الذي سوف تقوله بشأن القضية المركزية للأمة، أكثر مما سبق وأن قالته في قمة بيروت؟
بل لعل من أسباب عدم انعقادها، وهو بعض اعتقاد سائد في الشارع العربي، هو التهرب من اتخاذ موقف ما من جريمة اغتيال القائد الفلسطيني الشيخ أحمد ياسين، أو التهرب من اتخاذ موقف مطلوب من جرائم شارون المستمرة في فلسطين؟!
وإذا كان صحيحاً ما يشاع من أن من بين مشاريع قراراتها حيال القضية الفلسطينية، والذي سحب بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين، هو الدمج بين مبادرة بيروت ووثيقة جنيف التي تخلت عن حق العودة،  أو ليس في عدم انعقادها ما لا يجب أن يؤسف عليه بالنسبة للفلسطينيين على الأقل؟
ثم، ما الذي كان في هذه القمة، أو ما أدخره مؤتمروها  للعراق الدامي المحتل، لا سيما وأن هو شيار زيباري الذي يمثل عراق ما بعد الاحتلال يتربع بينهم؟!
أو ما هو موقفهم من المقاومة العراقية المتصاعدة فعلاً وصدى وكماً ونوعاً رغم التعتيم الهائل والتجاهل العربي الرسمي المستمر؟
وأخيراً ما الذي يمكن تعليقه على قمة تفرق شمل أطرافها واختلفت رؤاها حول كل قضاياها الأساسية، المفترض أنها قيد البحث، من آمال تتعلق بإصلاحاتٍ بعيدة المنال وأحلام تتعلق بالديمقراطية المفتقدة؟!
لعل من أهم منجزات القمة التي لم تعقد هو انكشاف زيف التضامن المستحيل بين طرفين أو حتى محورين كشف تأجيلها عنهما، هما: عرب الشرق أوسطية، أو من وضعوا بيضهم كاملاً في السلة الأمريكية، والعرب المتوجسون خيفة من رياحها المسمومة.. الشرق أوسطيون لن يأسفوا قطعاً على مصير التضامن العربي قيد السؤال، كما ليسوا في وارد الأسى على نعي الجامعة العربية،  أو وأد مؤسسة القمة وليس مجرد تأجيلها فحسب. أما المتخوفون من الشرق أوسطية فهم أمام حقيقة تقول بأن الإمعان في القطرية واستمرار الاتكاء على الأمريكان أوصل الجميع إلى حال جعلت من بغاث الأنظمة من يستأسد على ضواريها السابقين، حيث لم تعد أحجام الدول في هذه الحالة مهمة، أو هي لا زالت مؤثرة في لجّة التساوق مع رياح الخارج اللاعبة في مستباح ساح الأمة على هواها!
إذن، القمة أُجلت، ويمكن القول أن أهم إنجاز لهذا الحدث أو تلك المفاجأة تحمد عليه هو انتفاء الإجماع على تنازلات مطلوبة منها حققه عدم انعقادها.. والقمة ستعقد، وفي ظل واقع الحال، أو عدم الإجماع لا على الإصلاح ولا على التحرير، يظل المخفي أعظم.. ويظل الخوف من هذا المخفي مشروعاً.. وفي كلا الحالين: التأجيل أو الانعقاد، تظل هذه القمة قمة الأسئلة العاجلة والإجابات المؤجلة.