رغم كل الفتن والخيارات المستعصية:

لماذا ينبغي أن تبقى الجامعة العربية وترتفع القمة فوقها دائما

مطاع صفدي/مفكر عربي يقيم في باريس
ليست قمة العجز العربي بل قمة تعجيز الذات، فالعرب ليسوا اليوم في أسوأ أحوالهم إلا لأن قادتهم اعتادوا أن يغطوا تعجيز الذات بادعاء العجز كما هو جملة وتفصيلا، والقمة الجديدة لن تكون في وضع افضل من سباقاتها بل في الأسوأ والأفجع من أحوالها. وذلك لسبب واضح وبسيط. وهو انه فيما كانت القمم تعالج الأخطاء المحدقة ببعض الأقطار، وأزمات العلاقات الملتبسة بين الحكام، بينما تواجه القمة الحالية ذروة تلك الأخطار مع واقع ضياع الاستقلال العربي قطريا ويكاد يكون ضياعا قوميا شاملا. في الماضي كان القمع الاستعماري ينصب على قرارات السياسة الخارجية ومنع الإجماع على اغلبها. أما اليوم فأن القمع يطارد الأوضاع الداخلية لأهم الأقطار ولأضعفها في آن. وهو يتطور من مجرد استخدام التحذير والترهيب، إلى التدخل في آلية الحكم والاعتراض على نظامه السياسي ومؤسساته الاجتماعية وسواها، فإن استلاب القرار الأمني من الدولة العربية استباح أسرارها، والتف عليها من وراء خطوط دفاعاتها كلها، فالحالة العربية الراهنة لا تعيش انتفاء الاستقلال السياسي فقط، بل ما يشبه وضع الاحتلال الشفاف، لكنه الفعال والمؤثر في آلية السلطة ما يجعلها تفقد يوما بعد يوم إحساسها بأمنها الخاص وأنها أضحت مكشوفة الرأس والظهر معا، فلا هي محمية بأية مظلة عالمية كما كان حالها سابقا، ولا هي ترتكز إلى قوى شعبية في مجتمعها كانت عادتها طويلا واضطهدت تنظيماتها ورموزها وخاصة منها تلك التي تحتاجها أية دولة وطنية في ظروف العسر ومداهمة الأخطار الخارجية لسلامها واستقرارها، فالسلطة الحاكمة في معظم الأقطار تجد نفسها محاصرة بعدة جبهات، فتحت ضدها دفعة واحدة تقريبا. لكن الأخطر في هذا الوضع هو انه ليس من سلطة حاكمة كانت مؤهلة تحت أي ظرف، لاجتراح حلول حقيقية على كل صعيد، فليست ثقافة الفئات المسيطرة قادرة على استيعاب الملمات العادية التي تطرأ على الحكومات بصورة عادية، كيما تتمكن من مواجهة ما هو اصعب في الظروف الاستثنائية الضاغطة. كل ما كانت تتقنه من فن السلوك السلطوي هو الطاعة للأجنبي الخارجي، والقمع ضد الأهلي الداخلي، وبين هذين الحدين كان الاعتذار بالعجز والضعف وقلة الإمكانيات سيد المواقف الإصلاحية كلها، أو المدعوة بهذه الصفة الكبيرة غير المألوفة في الخطاب السياسي المعهود إلا مع الهجمة الأمريكية الراهنة.
والمشكلة اليوم هي أنه لم يعد في اليد أية حيلة، ليس هناك ثمة معادلة جديدة تجمع بين سلوكي الطاعة والقمع بل لقد انحدرت الطاعة عند البعض إلى أدنى حدود التنازلات المطلوبة أو غير المطلوبة، وفي الوقت عينه دب الترهل في آلة القمع الجهنمية، وقد فقد زبانيتها حرية التصرف، وأمست جيوش المخابرات عاطلة عن العمل كزميلاتها جيوش الدفاع والحرب المشلولة والمهمشة منذ عقود بحيث أنه لم يتبق ثمة نظام حاكم يحس أنه لا يزال يتملك بعضا من عناصر قوته الذاتية التي ساعدته في الماضي على البقاء واستمرار نهجه الذي أضحى موضوع اعتراض فجائي وكلي من قبل تلك القوي الخارجية نفسها التي ابتكرتها وأوحت به وساندته، وشجعت الحكام المحليين على التمسك به كأفضل حماية ضد عدو الداخل. فإذا ما أتى الحكام إلى اجتماع القمة، وهم في أسوأ أحوالهم الذاتية هذه، ما هو المنتظر حقا من حاصل جمع الأصفار إلى الصفر الأكبر القاحل وحده.
ومع ذلك ليس اليأس هو المصير الأخير المتبقي بالرغم من توفر أوهى أسبابه وأخطرها، وبما لم يكن معروفا منها في أسوأ أزمات الماضي على المستويين القطري والقومي، ولأن الأمر على هذه الدرجة من الهول غير المسبوق، فأنه ليس مسموحا لا للحاكم ولا للمحكوم إعلان الاستسلام والاعتراف بالهزيمة الأخيرة. وعلى هذا نحس أن جمهورنا العربي لن يطرد نفسه من مختلف ساحات الصراع بمثل هذه السهولة التي يتمناها البعض ممن هم في معسكر الأصدقاء أو الأعداء، فهو يتطلع إلى القمة الحالية دون أن يكف عن المراهنة على اضعف نتائجها مهما كانت ودون أن يتراجع عن موقف النقد والتقييم، فليس ثمة مبرر لإلغاء القمة كمؤسسة، ولا إلى حذف الجامعة من الحياة السياسية فهي على الأقل لا تزال تقوم بوظيفتها الترميزية، فتذكر الأمة بأعز ما تمتلكه وقد فقدته وهي وحدتها التاريخية، وما يؤلف لها شرط بقائها ونموها حاضرا ومستقبلا. فالبديل لا يعوض عن الأصيل، ولكنه يجعل من افتقاده المستمر حاجة حيوية لاسترداده يوما ما، وإعداد ذات النفس لتلك المهمة الخلاصية العظمى، فمهما تأخر استحقاق الوحدة عمليا على أرض الواقع السياسي، فأن لها استحقاقات أخرى على مستوى الضرورة التاريخية والحاجة الاجتماعية والإنسانية لا تقل إلحاحا أو أهمية عن الحضور المادي الذي هو لا بد آت في حينه المرتقب.
أما القمة فأن لها مهمة قومية تبقى عالية دائما فوق مباذل قادتها، إنها، ومن سنة إلى أخرى، تمسرح خفايا الغابة السلطوية، وتفضح أسرارها، وربما يكفي أنها تضعنا كل عام أمام فصل جديد من تنامي أسواء القطريات، وما تعنيه صراعات السلالات الفئوية الحاكمة، وما يمكن أن تضيفه أمام الملأ العربي من (مآثرها) اللاوطنية واللاأخلاقية إلى سجلاتها السياسية الحافلة، كل قمة تنافس الأخريات فيما تخترعه من أحابيل التغطية على أساليب تعجيز الذات بادعاءات أصناف العجز الموضوعي، أدهى الدواهي التي تشكل كارثة النظم العربية الحاكمة المستديمة هو مرض التهرب الأمني من ابسط المعالجات المعرفية لأية مشكلة أو أزمة. وإلا كيف يمكن تفسير هذا التمادي المتغابي، أو الغبي حقا وفعلا، في التنكر لأبسط ضرورات التواصل والتنسيق الأولى المطلوبة ما بين الجار والجار، وليس فقط ما بين الإخوان، إزاء الملمات الطاغية والمداهمة للجميع بدون استثناء كأنما وجدت أنظمة القطريات منذ الأصل لسبب واحد وحيد وهو جعل الجميع ضد الجميع في السراء والضراء.
أمام هذا الواقع المر يتشبث الجمهور العربي بالأقل مما تبقى له من رموز الوحدة والتضامن، فلا يغلق الأبواب كلها أمام المستقبل، وهو يمسك بالجامعة قبل أن يتهاوى هيكلها لمرة أخيرة. ويطالب جميع المتنابذين المتناصرين أن يتلاقوا تحت القمة التي هي في الأصل من مفردات الثقافة العربية النهضوية، ومن قبل أن تبتذلها دورات الثرثرة العقيمة المتعاقبة منذ أول اجتماع دعا إليه جمال عبد الناصر فيما عرف بقمة اللاءات في وجه هزيمة السابع والستين. ولقد بقي إيقاع القمم مرتبطا تقريبا بمواعيد الهزائم، أو الأخطار الكبرى المؤذنة بها. والدورة الراهنة إنما تقع في ضواحي هزيمة عسكرية كبرى مع احتلال بغداد، تتمادى إلى هزيمة سياسية شاملة للحاضر العربي ومستقبله، وتحوم حول رؤوس الجميع لتنتزعها مرة واحدة من أجسادها المتهالكة، وترمي بها إلى هوامش التاريخ.

فالإصلاح الذي يختلفون حوله اليوم كبديل عن مواجهة الصراع مع "اسرائيل" يكاد يتحول هو نفسه إلى مشكلة. ولن يكون حلا لأي شيء، إلا لصرف النظر عن مركزية الهم والاهتمام العربي حول ذلك الصراع اللانهائي، والأغرب هو أن يضع المختلفون أنفسهم في موقع الخيار بين الإصلاح أو المواجهة مع "اسرائيل" سياسيا على الأقل، وما تعنيه من المواجهة مع البعبع الأكبر الأكبر أمريكا، كأنما لا يخطر على بال أحد انه ليس بين الخيارين من تناقض، وأنه قد يمكن الجمع بينهما فيما لو تصفت النوايا قليلا، ولم يكن الخلاف هدفا في حد ذاته، وهل لا يزال يمكن للبعض أن يتصور إمكان تحسين ظروف المواجهة مع عواصف الخارج دون إعادة هيكلة البيت الداخلي، فالخياران هما إرادة واحدة متكاملة ولا انفصام بين واجهة للعمل الخارجي وتجديد وتنويع لمصادر قوتها في ذات النفس. ذلك هو جدل بيزنطي حقا ولا ينبع من موضوعية الخيارات ذاتها بقدر ما يعبر عن ترسخ ثقافة الاختلاف والخلاف بين أطراف المائدة المستديرة العربية التي لا تزال مائدة مدببة الرؤوس، ولا يجلس حولها إلا فرسان الخرافات القروسطية وحدهم.
ولا تستعر فقط نار الفتنة الجديدة بين أنصار هذا الخيار أو ذاك، بل تبرز المواقف المتضادة في الخيار الواحد عينه، فالإصلاح لا يزال مشاريع وخططا دولية اكثر منها محلية أو إقليمية، وهي كلها ليست سوى وصفات معلبة أو أعضاء مستعارة، مطلوب إلصاقها بالجسد المريض المتداعي، وكذلك يبلغ الخلاف اوجه فيما يتعلق بفهم الخيار الآخر حول المواجهة مع "اسرائيل"، وهل يمكن مبارزتها فقط بتحدي السلام التنازلي، أو بوسيلة ذلك المشروع العتيد الذي خرجت به قمة بيروت، وكأنه يقدم ذلك العرض المافيوزي الذي لا يمكن للخصم ان يرفضه. ومع هذا فقد رفضه الخصم وإبدله باجتياح الضفة وحصار عرفات وتدمير آخر مؤسسات (السلطة الوطنية) البائسة، وها هو شارون المافيوزي الأكبر يقتل شيخ الإسلاميين تمهيدا لقتل شيخ العلمانيين. جاعلا من توقيت الجريمة الكبرى الغادرة مدخلا قسريا لقمة العرب الراهنة، كما أنه هو التوقيت الذي يقترن بذكرى ربع قرن على "اتفاقية كمب ديفيد"، فاتحة الشؤم الأعظم لعصر الانكسار القومي الأشمل، وسيطرة القطريات على مختلف مفردات الشأن العربي العام وفي هذه المناسبة الكئيبة لا بد أن يتذكر العربي أنه لم يفقد مع كمب ديفيد أكبر قطر فقط من صف التصدي والصمود، لكنه فقد كذلك مؤسسة القيادة من مختلف شؤونه الحيوية فأصبح القطيع شذر مذر، تفككت أعضاء الجسد الواحد بعد انكسار عموده الفقري. ومع ذلك تكافح مصر أو شعب مصر للاحتفاظ بمركز القيادة وإن كان مسار التوجيه أمسى ملتويا ومتعرجا حول الصعاب الكثيرة دون أن يتصدى لإحداها بأية ذخيرة من العزم الموجود ولكن المجهض من إرادة القيادة الحقيقية، ومن الهدف الضائع وراء ألوية الفساد الطاغية على ما كان يسمى بعواصم النهضة العربية التليدة، وقراراتها التاريخية المزعومة.
في ذروة أيام العرب العجاف لا يبقى للوعي العام إلا أن يذكر أنه إذا كان القوم قد ارتكبوا معصية الخطأ في إدارة شؤونهم في عهد الآمال القومية المزدهرة، فهل سوف يتابعون ارتكاباتهم تلك وهم يصارعون للاحتفاظ بأنفاسهم الأخيرة لعصر آخر مجهول لكنه مأمول.