رسالة
طنجة الثقافية
يكتبها:
عبد السلام بن ادريس/ طنجة – المغرب
يحكى
أن قطارا كان يعبر نفقا في منطقة نائية توجد
فيها قرية يسكنها
أناس لا يعرفون شيئا عن
الحضارة، رأى أهل هذه القرية القطار فظنوه
وحشا ذا قوة
خارقة.. بعد تشاورهم، قرروا أن
يبعثوا واحدا منهم ليجابه الوحش ويقضي عليه
حتى
يسلموا من أذاه الذي قد يلحق
بهم يوما، حمل أقوى رجل فيهم فأسه وذهب ينتظر
الوحش
عند مخرج النفق، لم يعد، ذهب
الثاني والثالث والعاشر ولم يعد قط أحد منهم،
اجتمع أهل القرية، وبعد تشاورهم، قرروا
الرحيل عن المكان!!
لا أجد أية طرافة في
كل هذا.. هكذا قلت لصديقي الذي
روى لي الحكاية وهو يقهقه بأعلى صوته ظانا
أنها
حكاية طريفة للغاية.. صديقي محب
للضحك والفكاهة، لكني لم أضحك ولم أجد داعيا
لذلك.
كنت نسيت الأمر تماما، ومساء
البارحة، اشتريت إحدى الدوريات التي تعنى
بالأدب والفكر وجلست أتصفحها
في المقهى، كان موضوع العدد حول الحضارة
ومفهوم
الحداثة، وفجأة وجدتني أتذكر
القصة وما فعله أهل القرية.
إن
تلك القصة، رغم
خرافيتها وطفوليتها، فهي تلخص
موقف الكثير من الحداثة والحضارة الغربية
بصفة
عامة.
واضح
أن التصدي لحضارة الغرب وعدم قبول التعامل مع
ما تحمله إلينا من
إيديولوجيات
وما تبشر به الحداثة من مستقبل زاهر للفرد
والجماعة، قد يعني ذلك
أنها
ستخترقنا وتقضي على كل مقوماتنا لما تمتلكه
من قوة وقدرة على الغزو والاختراق، مهما
تقوقعنا وتحصنا.. وهذا بالضبط ما حصل لأهل
القرية عندما أرادوا
تحدي
الوحش (الحضارة). غير أن الاستسلام وقبول
الحضارة الغربية كأمر طبيعي، وركوب أمواج
الحداثة متوهمين كل ما تحمله إلينا خيرا
وجمالا ونماء، فذلك معناه بكل
بساطة،
فناؤنا.. إن أهل القرية عندما رحلوا في تلك
القصة، إنما يعبر رحيلهم عن
استسلام
ورضوخ وسيؤدي بهم في النهاية إلى التيه
والتشتت والفناء المحقق.
ثم
ماذا
بعد؟
مجتمعاتنا
العربية ذات المشاريع الحداثية الديمقراطية،
اختلطت فيها الأمور و
تغربت
(نسبة إلى الغرب) العقول والألباب وتعولمت
الأخلاق حتى أضحت الكثير من
الأمور
والسلوكات الشاذة عادية مقبولة مستساغة. ما
أريد قوله، هو أننا صرنا اليوم
نسمع
كثيرا عن ضرورة السير في ركب الحضارة
والإسراع بتبني الحداثة في كل شيء، ولا
نسمع
أبدا عن حل للبطالة وتدهور مستويات المعيشة
وضعف الخدمات الاجتماعية وغيرها
من
الآفات، وهذا يجعلني أخشى علينا من مصير أهل
القريةّّّ!!