صدام
حسين بعيون قومية
اسماعيل
أبو البندورة/الأردن
لا
بد أن يدرك بعض الكتبة أن الدفاع عن القائد
المجاهد صدام حسين في المرحلة الراهنة هو
دفاع عن المبادئ والمثل القومية وهو موقف
تمليه سياقات المواجهة مع
أعداء الأمة، وهو في النهاية موقف من المخطط
الأميركي الصهيوني في المنطقة.
الآن
يتحول القائد صدام حسين إلى حالة رمزية لكل
هذه العناوين التي حملتها القوى الوطنية
والقومية طوال المراحل الماضية والتي دافعت
عنها ودفعت جراء ذلك الكثير من المعاناة
والألم.
فالرئيس
صدام هو الرئيس الشرعي للعراق الذي أطاحت به
القوات الأميركية ـ الصهيونية والقوى
العميلة لها في المنطقة في عملية مخالفة لكل
الشرائع والقوانين الدولية بعد أن حاصرته
وحاصرت العراق في عملية لا إنسانية ظالمة
وعلى ضوء اتهامات باطلة صيغت بطريقة لا
أخلاقية وبعيدة عن أي منطق سياسي أو إنساني.
وهذا الموقف اصبح يتطلب تحديد المواقف، فإما
نكون مع الظلم والعدوان والاعتداء على الشعوب
أو نكون مع الحق ورفض الظلم والعدوان.
والرئيس
صدام حسين هو من حمل مشروعا للنهضة والحرية في
الوطن العربي ودافع عن مشروعه بكل ما يملك من
قوة ووظف قدرة العراق لتكون قوة للامة لكن
الظروف العراقية والعربية والعالمية لم
تمكنه من تحقيق مشروعه ولا من متابعة
مستجداته وإنما أدخلته في نزاعات مختلفة بغية
إحباط مساعيه وأصبح بهذه المثابة كطالب الحق
الذي واجه الباطل أو الذي وقف في مواجهته
وبطريقة متعاظمة حتى يضيع الحق الذي يدافع
عنه.
وهذا
المشروع الذي دافع عنه القائد صدام حسين
والتفت من حوله جماهير الأمة العربية هو الذي
جعل هذه الجماهير ترى فيه رمزا دائما لحالة
النهضة ولم تنظر إليه على انه قيادة سياسية
تقليدية، وكانت الجماهير تعرف بوعيها
وفطرتها أيضا أن هذا الرئيس لو تخلى عن مشروعه
أو استعمل مشروعه لكسب التأييد العابر أو قدم
خصوصيات الحكم والبقاء في الحكم على
الاعتبارات القومية لكان استمر قويا ومؤثرا
وبقي نظام حكمه مستمرا على طريقة الأنظمة
السائدة التي اصبح
استمرارها رهنا بإرادة المعادلات الدولية لا
بإرادتها المستقلة وإرادة شعوبها.
وللرئيس
صدام موقف قومي مبدئي من القضية الفلسطينية
وضد المشروع الصهيوني وهذا ما حدا به لتكوين
جيش عقائدي قوي لمقارعة الكيان الصهيوني،
وهذا بدوره ما أيقظ كل قوى الشر ضده وهو ما جعل
هذه القوى ترى فيه خصما دائما أو كما جاء على
لسان كيسنجر بأن العراق كان عدوا وهو الآن عدو
وسيكون في المستقبل عدوا وبهذا المنطق تمت
ملاحقة صدام حسين ومشروعه ورؤيته لطبيعة
الصراع من خلال منظور استراتيجي وتاريخي بأنه
صراع تاريخي لا يحسم بالمفاوضات والتنازلات
المتواصلة.
وهنا
وفي هذه النقطة تحديدا كان الصهاينة يرون فيه
عدوا مغايرا ومن نوع مختلف لأنهم يعرفون ما
يعنيه وما يمكن أن ينبني على مثل هذه الرؤية
القومية للصراع ويعرفون بحكم علاقتهم
المختلة بالتاريخ وفهمه أن مثل هذه الرؤية هي
وحدها القادرة على
استدعاء تاريخ حقيقي يتجابه مع التاريخ
الأسطوري الذي بناه الصهاينة طوال القرن
الماضي.
وفي
هذه النقطة أيضا تلاقت رؤية صدام وهي طبعا
رؤية حزبه مع كل ما يعتمل ويدور في العقل
العربي وداخل الذات العربية فقد وصلت
الجماهير بوعيها إلى نقطة اكتشاف المشهد
الصهيوني بكل صوره الاغتصابية العدوانية
وتوطد في وعيها أن الصراع لا ينتهي
بالمفاوضة أو المساومة وبدأ نداء صدام
"عاشت فلسطين حرة عربية من البحر إلى النهر"
يشكل عنوانا لفهم وبداية لمرحلة يقظة جديدة
على المشروع الصهيوني وكيفيات مواجهته.
وإذا
كان هذا التلاقي بين رؤية العراق وحزب البعث
وصدام ورؤية الجماهير العربية في المرحلة
المعقدة الراهنة قد أصبح يعرقل المشاريع
الأميركية ـ الصهيونية أو أصبح يؤسس لحالة
رفض جديدة، فان هجمة عدائية أميركية ـ
صهيونية أصبحت تتشكل في الجهة المقابلة
وعنونت معركتها بإسقاط الرئيس صدام وإبعاده
عن مركز القيادة والتأثير.
وإذا
كان عنوان الهجمة كما تلبد وتكون في العقل
الأميركي ـ الصهيوني قد اصبح إسقاط القائد
صدام حسين فأن ما تشكل في عقل قوى الرفض
والمواجهة هو الدفاع عن صدام حسين أو تحويله
إلى رمز لهذه الحالة الرافضة للمشروع
الاستعماري وأهدافه في المنطقة.
ويعرف
الكتبة أن صدام قد تحول من رئيس إلى فدائي
وأنه أصبح خارج الحكم وهو الآن في أسر قوات
الاحتلال ولا يوجد لأحد مصلحة خاصة ومباشرة
ونفطية في الدفاع عنه أو مكسبا ماديا يمكن أن
يتحقق الآن ولا أحد في الساحة يهوى الاعتباط
السياسي والمثالية وملاحقة الأوهام، وإنما
هي أولا حالة رفض للمشروع الأميركي الصهيوني
ووقفة قومية مبدئية ضد العدوان على قطر عربي
واحتلاله، وهي محاولة للوقوف بما تبقى من شرف
مع المقاومة العراقية التي أشعلها صدام حسين
بعد أن ترك الحكم وتحول إلى مدافع عن حرية
العراق وكرامة الأمة.
وسوف نقول في النهاية أن صدام حسين قدم مثالا ونموذجا لا بد أن تنظر إليه الأمة بعين الاعتبار ولا بد أن تعاين هذا المثال بعيون عربية لا بتلك العيون العدائية سواء كانت أمريكية صهيونية أو عربية حاقدة وشامتة وخائنة، وإذا كنا قد قرأنا سيرة وتجربة صدام حسين من خلال ما أراد الأمريكان والصهاينة والعملاء أن يوعزوا لنا به فلا بد الآن أن نقرأ سيرة هذا القائد بعيوننا نحن ولا بد ذلك أن يولد رواية جديدة قد تساعد في تقوية معسكر المقاومة والمعاندة وإنصاف القائد الأسير والانطلاق نحو أفق جديد.