قمة تونس والفخ الأميركي

ابراهيم العبسي/الأردن

هل كان مفروضا على وزراء الخارجية العرب في تونس، أن يتوصلوا إلى تصور واحد ومحدد حول ما يسمى بورقة الإصلاح الديمقراطي المنبثقة من "مشروع الشرق الأوسط الكبير" الأميركي!!
وهل كان من المنتظر أن يتفق هؤلاء الوزراء الذين يختلفون في أيدلوجياتهم الفكرية والسياسية وفي خصوصياتهم الثقافية والتعليمية والتربوية وفي نظمهم الاقتصادية والاجتماعية أن يكونوا نسخة طبق الأصل عن بعضهم تماما كما المخلوقات المستنسخة، بحيث يبصمون على كل ما يقدم لهم ويطلب إليهم البصم عليه!!
أليس من الطبيعي والمنطقي أن تثور بينهم الخلافات والانقسامات والتباينات والآراء المتعددة حول هذه الورقة التي يراد إسقاطها عليهم من الأعلى دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل منهم؟!
وإذا كانوا جميعا متفقين حول ضرورة الاستجابة للإصلاح، فلماذا لم تترك لكل منهم حرية التصرف الإصلاحي وفق ما يراه مناسبا وملائما ومنسجما مع مفرداته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية؟!
ألا يفترض أن تعطى قضايا مثل التحديث وحرية المرأة وحقوق الإنسان، تلك التي أثارت جدلا واسعا بين الوزراء وقتا مناسبا بالنسبة لبعض الدول العربية حتى تأخذ طريقها على سكة واقع ظل بعيدا عن الحداثة والحرية والحقوق زمنا طويلا؟!
وهل نجاح قمة تونس كان مشروطا بالتوافق على ورقة الإصلاح الديمقراطي الأميركية في "مشروع الشرق الاوسط الكبير" الذي وضعنا عليه جميعنا مليون علامة استفهام لجهة خطورته على هويتنا وثقافتنا وحضارتنا وتراثنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا كأمة واحدة؟!
وكيف قبلنا أصلا أن نصطف مثل تلاميذ الروضة لمناقشة مثل هذا المشروع الذي اجمعنا على خطورته، حتى على أمزجتنا وأذواقنا وأحاسيسنا ومشاعرنا وطموحاتنا وآمالنا، بالنظر إلى أن واشنطن راعية هذا المشروع وصاحبته لن يهدأ لها بال إلا بعد ضرب كل ما تمثله هذه الأمة من قيم ومبادىء وثقافة وحضارة وأصالة وعقيدة وتراث؟!
وإذا كان الخلاف العربي قد اقتصر على ورقة الإصلاح الديمقراطي، فما المشكلة في ذلك؟!
ألم نختلف كثيرا حول قضايا اكثر خطورة وإلحاحا، ثم لم تلبث هذه الخلافات أن تتبخر وفق الطريقة العربية المعهودة، والتسامح العربي المعروف، تغليبا للمصالح والقضايا العربية العليا، على القضايا الهامشية والجانبية والنصوص الحرفية؟!
وحتى لو كان الخلاف جذريا ومبدئيا، مع أنه لم يكن كذلك بشهادة المراقبين والمتابعين، أفلم يكن في مقدور السادة الوزراء تأجيل هذه الورقة - ورقة الإصلاح الديمقراطي - إلى موعد لاحق، والتصدي لأوراق وملفات اكثر تفجرا وخطورة، يرى فيها المواطن العربي تهديدا جدا لأشواقه القومية وحريته وحياته وسيادته فوق ارض وطنه، اعني الملفين الفلسطيني والعراقي؟!
أم ترى أن ورقة الإصلاح الديمقراطي التي وضعتها واشنطن على طاولة وزراء الخارجية العرب، كانت تهدف أصلا إلى نسف القمة العربية، والعمل العربي المشترك، والتضامن العربي، لاسيما في هذا الوقت الحرج والخطير الذي تشهد فيه الأمة العربية أشرس الهجمات الصهيونية الأميركية التي تتوخى إعادة الأمة العربية مائة عام إلى الوراء والقضاء تماما على كل ما يوحد صفوفها ويجمع كلمتها ويلم شتاتها!.
إن تفجير قمة تونس قبل انعقادها على هذا النحو المفاجىء والمذهل بدواعي الخلافات والانقسامات العربية يشير بوضوح لا لبس فيه إلى الفخ الذي نصبته كل من واشنطن وتل أبيب لهذه الأمة. ولذلك فإن ما هو مطلوب الآن وعلى وجه السرعة، تحديد موعد جديد وقريب لانعقاد قمة جديدة تتوفر لها كل موجبات النجاح وتتجاوز الفشل والإخفاق المشبوه، وتطرح من جديد أيضا قضية الإصلاح الديمقراطي بما ينسجم مع تطلعات هذه الأمة ويضمن تقدمها وحريتها ويعمق إحساسها بهويتها وشخصيتها وثقافتها وقيمها ومبادئها، لا بما تمليه عليها واشنطن. إضافة إلى التصدي لكل ما يتهددها من أخطار راهنة في فلسطين والعراق وأخطار قادمة تتهدد أكثر من قطر عربي.